برنامج [سيـــرة ومســـار] لضيف: سعيد محتال..{بين نبض الإبداع ورسالة التربية}

كتب : الخميس، 14 نوفمبر 2024 - 11:04 م مجتمع

اعداد: محمد احمد طالبي
اخراج: حسن بوسرحان

في فضاء الأدب والنقد، حيث تتلاقى الكلمات لتخلق عوالم من الإبداع والتأمل، وحيث يتحول الحرف إلى نافذة تطل على أوجاع الإنسان وأحلامه، يبرز ضيفنا في هذه الحلقة كاسم له بصمة استثنائية في الشعر والنقد والعمل التربوي.

ضيفنا اليوم هو الأديب والناقد المغربي سعيد محتال، الذي شكّل مساره الأدبي والتعليمي نموذجا فريدا للجمع بين الإبداع والرسالة التربوية.

نشأ في بيئة تحتفي بالأدب واللغة. حصل على إجازة في اللغة العربية وآدابها، وقدم خلالها بحثا أكاديميا مميزا عن وظيفة التناص في شعر الدكتور حسن الأمراني.
لم يكتف بذلك، بل استكمل رحلته العلمية بدبلوم من مركز تكوين المعلمات والمعلمين عام 1990، ليبدأ مسيرته كأستاذ للغة العربية حتى عام 2005.

وفي مجال التربية، لم تكن مساهماته محصورة في التدريس، بل امتدت إلى الإدارة التربوية، حيث شغل مناصب متعددة في وزارة التربية الوطنية، كان من أبرزها تسيير مصلحة الشؤون التربوية، مما مكّنه من المساهمة في تطوير السياسات التعليمية.

أما في عالم الأدب، فقد أبدع في مجال الشعر، حيث صدر له ديوان “همسات قلب حائر”، وهو يستعد لإطلاق ديوانه الجديد “رقصات الصمت تحت جنح الظلام”. كما برع في النقد الأدبي، حيث قدم دراسات تحليلية معمقة لشعراء معاصرين، جمعها في كتاب يُنتظر صدوره قريبا.

إلى جانب كتاباته، يشرف سعيد محتال على برامج أدبية ونقدية على مواقع التواصل الاجتماعي، أبرزها برنامج “عين على الجدار”. كما يتولى قيادة ملتقى رواد الإبداع الفني والأدبي، ويرأس تحرير مجلة “مرفأ الإبداع” الإلكترونية. له إسهامات مميزة في تحكيم المسابقات الأدبية والفنية، مما يعكس رؤيته النقدية العميقة وذوقه الرفيع.

في هذه الحلقة، سنتوقف مع ضيفنا عند محطات بارزة من رحلته، نستكشف آفاق إبداعه الشعري وأسرار عمله النقدي والتربوي.
مرحبا بكم في الحلقة السابعة من برنامجكم “سيرة ومسار” مع الأديب سعيد محتال.

– سيـــرة ذاتية:

سعيد محتال من مواليد 1964، مغربي الجنسية
– حاصل على شهادة الإجازة في اللغة العربية وآدابها سنة: 1989، تخصص أدب، أنجز خلالها بحث حول : وظيفة التناص في شعر الدكتور حسن الأمراني.
– حاصل على دبلوم مركز تكوين المعلمات والمعلمين سنة: 1990؛
– اشتغل أستاذاً للغة العربية الى غاية سنة 2005، ثم التحق بمديرية وزارة التربية الوطنية، تكلف بعديد من المسؤوليات منها تسيير مصلحة الشؤون التربوية سابقا؛
– استفاد من العديد من التكوينات ذات الصلة بالمشاريع التربوية ، بالإضافة إلى تكوينات خاصة بمجال المعلوميات وتقنيات إدماجها في المجال التربوي؛
– حاصل على العديد من شواهد حضور الندوات العلمية التي يسهر عليها بيت اللسانيات؛
– صدر له ديوان شعري بعنوان: “همسات قلب حائر” 2019؛
– ديوان : ” رقصات الصمت تحت جنح الظلام” قيد النشر 2024؛
– مشرف على مجموعة من البرامج الأدبية والنقدية بمواقع التواصل الاجتماعي؛
– شارك في تحكيم وتقييم العديد من المسابقات الشعرية والفنية؛
– أنجز العديد من الدراسات النقدية لشعراء معاصرين من مختلف البلدان العربية، ذات الصلة بالبرنامج الذي يشرف عليه حاليا، والذي يحمل عنوان “عين على الجدار “، تم تجميعها في شكل كتاب قابل للنشر قريبا إن شاء الله.
– مشرف عام على ملتقى رواد الإبداع الفني والأدبي، وكذا مجلة مرفأ الإبداع الالكترونية؛
– أعد مجموعة من البحوث الأدبية والنقدية، منها:
• رحلة النقد الأدبي العربي من النشأة إلى التأصيل؛
• في رحاب سورة الشعراء: القرآن والشعر.

– الحــــــــــوار:

1. في بداية مسيرتك الأكاديمية، قمت بإنجاز بحث حول “وظيفة التناص في شعر الدكتور حسن الأمراني”. كيف ترى تطور مفهوم التناص في الشعر العربي المعاصر؟ وهل أصبح له دور أكثر أهمية في فهم النصوص الشعرية الحديثة؟

بسم الله الرحمن الرحيم
بداية وقبل الإجابة عن الأسئلة العميقة التي تبرز مدى قوة إلمامكم ببرنامجكم الموقر “سيرة ومسار”، هذا البرنامج الثقافي الحواري الذي يهدف إلى ربط جسور التواصل بين العديد من الفاعلين في الشأن الأدبي والثقافي والفني، يسعدني أن أتقدم بجزيل الشكر والتقدير للصديق المكافح محمد أحمد طالبي على الاستضافة الكريمة، ولي كامل الشرف أن أكون نقطة وصل تساهم في تقوية أعمدة هذه الجسور المتجذرة، وأن تظل منصتكم عامرة بأهل الإبداع وعشاقه حتى تتمكنوا من تحقيق ما تصبون إليه.

أملي في الله كبير أن يحقق مبتغاكم، ويبارك لكم مسعاكم، ويسدد خطاكم. فلكم منا خير الجزاء.

وألف تحية وسلام لكل من يقف بجانبكم ويساندكم في إنجاح هذا المشروع الضخم

دمتم للإبداع عنوانا.

– جوابا على سؤالكم الأول الذي تفضلتم به

حول تطور مفهوم التناص في الشعر العربي المعاصر؟ ودوره في فهم النصوص الشعرية،

فالتناص كظاهرة أدبية تعني علاقة النص الأدبي بنصوص أخرى سابقة، سواء بشكل مباشر من خلال الاقتباس أو الإشارة، أو بشكل غير مباشر من خلال التأثر بالفكرة أو الأسلوب.

هذا المفهوم حظي باهتمام كبير في النقد الأدبي الغربي، ثم وجد طريقه إلى النقد العربي المعاصر، وبات أداة أساسية لفهم النصوص الشعرية والأدبية.

يمكن القول إن مفهوم التناص موجود في الشعر العربي منذ الجاهلي لكن بمسميات أخرى قريبة منه كالتلميح والاقتباس والإشارة والتضمين، حيث كان الشعراء يستشهدون بأبيات شعرية سابقة، ويتفاعلون معها، مما يشير إلى نوع من الحوار بين النصوص.

مع تزايد الاهتمام بالنقد الأدبي الغربي في القرن العشرين، بدأ النقاد والشعراء العرب في تطبيق مفهوم التناص على الشعر العربي.

فتطورت بذلك تطبيقات مفهوم التناص في الشعر العربي، ولم يعد يقتصر على البحث عن الاقتباسات المباشرة، بل شمل التأثيرات غير المباشرة، والتحولات التي تطرأ على النصوص القديمة عندما يتم استحضارها في نصوص جديدة.

ولاشك أن للتناص دور كبير في فهم النصوص الشعرية المعاصرة، وذلك لعدة أسباب منها:

– يساعد التناص على فهم الإشارات والدلالات الخفية التي تتضمنها النصوص.

– يساهم في فهم السياق الثقافي الذي أنتج فيه النص، والعلاقات القائمة بين النصوص والثقافات الأخرى.

– يشجع على تعددية القراءات للنص، حيث يمكن لكل قارئ أن يكتشف علاقات جديدة بين النصوص.

– إعادة قراءة التراث الأدبي العربي من منظور جديد، واكتشاف جوانب لم تكن واضحة من قبل.

وعلى الرغم من أهمية التناص، إلا أن تطبيقه على الشعر العربي يواجه بعض التحديات، منها:

* صعوبة التعرف على النصوص المصدر التي تأثر بها الشاعر.

* اختلاف تفسيرات وآراء النقاد حول طبيعة العلاقة بين النصوص المتناصة.

* السرقات الشعرية والأدبية التي طغت على الساحة.

رغم كل هذا، فالتناص يساهم في إغناء الحوار النقدي حول النصوص الشعرية، وفتح آفاق جديدة للقراءات المتعددة.

2. أنجزت العديد من الدراسات النقدية لشعراء معاصرين من مختلف البلدان العربية. كيف تقيّم تأثير الشعر العربي المعاصر في تحفيز الوعي الثقافي والإبداعي في المجتمعات العربية؟

– لاشك أن الشعر العربي المعاصر لهو دور كبير في تحفيز الوعي الثقافي والإبداعي. إذ يساهم بشكل قوي في تشكيله لدى الناس. بحكم أن الشعر مرآة تعكس واقعهم، فلا بد أن يتناول قضاياهم الملحة والمستجدّة، ويدفع بالمجتمع إلى النهضة والرقي، وإلا فلا معنى له..

لا ننكر كيف ساهم الشعر في تحفيز الشعوب العربية على الوقوف في وجه الظلم والاستبداد.

وكيف دافع الشعراء عن هويتهم العربية والإسلامية من خلال قصائدهم وإبداعاتهم،

لكن المشكلة الآن تبقى في صعوبة وصول الشعر المعاصر إلى جمهور واسع بسبب الأمية والجهل المتفشيين، بالاضافة الى ضعف وقلة الموارد الإعلامية، رغم انفتاح العديد منا على شبكات التواصل الاجتماعي والتي ظلت منغلقة على ذاتها، زد على ذلك الحصار القوي على الكلمة الهادفة والمؤثرة، وهذا ما جعل دور الشعر في المجتمعات العربية يبقى مهمشًا.

لذا، المطلوب منا دعم الشعراء الجادين، وتشجيع القراءة بتعزيز دور الشعر في بناء المجتمع، وجعله أكثر وعيا وإبداعا.

3. من خلال إشرافك على برنامج “عين على الجدار”، كيف يتم التعامل مع الشعراء المعاصرين وتقييم إبداعهم؟ وهل ترى أن الشعر اليوم يواجه تحديات جديدة في التعبير عن القضايا الاجتماعية والسياسية؟

– من مميزات الشعر العربي المعاصر التنوع الأسلوبي والموضوعاتي ( شكلا ومضمونا)، مما يصعب وضع معايير ثابتة لتقييمه وتتبعه. خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار تعدد آراء النقاد والجمهور حول قيمة النص الأدبي، فما يعتبره البعض إبداعًا قد يراه آخرون تجاوزا للحدود، ومخالفا للمطلوب.

يبقى رأي القراء والمتلقين عاملا مهما في تقييم الشعر، فالشعر الذي يستطيع أن يصل إلى قلوب الناس ويؤثر فيهم هو المعيار .

إلا أن المجتمعات العربية تشهد تغيرات سريعة ومتسارعة، مما يجعل من الصعب على الشعر مواكبة هذه التغيرات، نظرا للسرعة القوية التي يمر بها قطار وسائل وأدوات التكنولوجيا المعاصرة، التي باتت هي المسيطرة على المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

من هذا المنطلق وجب على الشعراء المعاصرين أن يجددوا أساليبهم وموضوعاتهم، وأن يطوروا آليات اشتغالهم، وأن يواكبوا التغيرات التي تحدث في الساحة الإعلامية والعلمية، بالاستفادة من التكنولوجيا لنشر أشعارهم والتفاعل مع الجمهور.

وإلى ضرورة التعاون مع المؤسسات الثقافية التي تدعم الشعراء المتميزين، والتي توفر لهم منصات لعرض إنتاجاتهم.

فعلى الرغم من كل التحديات التي يواجهها، على الشعر أن يظل حاضراً وقادرا على التأثير..

وكان هذا هو دور برنامج عين على الجدار الذي لعب دورا كبيرا في تقريب المسافات بين الشعراء العرب من مختلف الأقطار، وخلق قناة للتواصل الحقيقي بعيدا عن المجاملات التي تقتل الإبداع، الاختيار دائما يبقى للأفضل والأقوى تأثيرا في القراء.

4. تعددت مسؤولياتك في المجال التربوي، كيف ترى دور التربية والتعليم في تعزيز الثقافة الأدبية والنقدية لدى الأجيال الصاعدة؟ وهل هناك مقترحات لتحديث المناهج بما يتناسب مع الإبداع الأدبي الحالي؟

– للتربية والتعليم دور محوري في غرس حب القراءة والأدب في نفوس الأجيال الناشئة، وتنمية قدراتهم النقدية والإبداعية.

ونظرا للتطورات الكبيرة التي شهدها العالم، وكثرة الإقبال على المتميزين، كان لابد أن يحظى تدريس الأدب بطرق متطورة ومشوقة، بعيدا عن الحفظ والتلقين الذي ساد الأوساط التعليمية. وتوفير بيئة محفزة للقراءة في المدارس والمكتبات والبيوت.

وتنظيم مسابقات القراءة والكتابة، وعقد الندوات والجلسات الأدبية، للمساهمة في إثراء الحياة الثقافية المدرسية.

ولا بد من تدريب رجال التعليم على أساليب التدريس الحديثة في مجال الأدب، وتزويدهم بالمهارات اللازمة التي من شأنها أن تشجع الطلاب على التفكير النقدي والإبداعي. وتعزيز الثقة بالنفس، دون أن ننسى تمكينهم من اللغات وعلومها وآدابها..

ولن يتحقق المراد إلا بتضافر جهود الأسرة والمدرسة والمجتمع، وتوفير بيئة محفزة للقراءة والتعلم.

5. في ديوانك الشعري “همسات قلب حائر”، تناولت العديد من المواضيع الإنسانية والعاطفية. هل تجد أن الشاعر يجب أن يكون “مرآة” لمجتمعه أم أن دوره الأساسي هو التوجه نحو الذات والروح؟

– دور الشاعر في هذه الحياة موضوع متشعب. هناك من يرى الشاعر مرآة للمجتمع،

وهناك من يقول : الشاعر صوت للذات.

فالشاعر المبدع هو من يستطيع الجمع بينهما. يمكنه أن يكون صوتًا للمجتمع وفي الوقت نفسه يعبر عن تجاربه الشخصية، وهذا ما عبرتَ عنه بالمواضيع الإنسانية والعاطفية.

فالشعر كما هو معلوم هو جمع بين الواقع والخيال بين الظن واليقين …

بمعنى أن يكون الشاعر ملهمًا ومؤثرًا. سواء كان يعبر عن نفسه أو عن مجتمعه، هدفه هو أن يترك أثراً في المتلقي وأن يدفعه إلى البحث والتفكير.

لذا، يجب أن تكون للشاعر رسالة واضحة حتى يتمكن من إيصال رسالته للقراء، فجاء ديوان “همسات قلب حائر لهذا الغرض كلماته صادرة عن وجدان محموم يحمل هم الحياة والواقع، وزفرات تخفي بكائية ترثي حال الإنسان في منعرجات حياة قاسية، دون أن يتخلى عن رومانسيته الحالمة بالتغيير، والمبثوثة في أحلامه التي ترخي بظلالها على قصائد الديوان.

6. عملك كمنسق لبرامج أدبية ونقدية على مواقع التواصل الاجتماعي أتاح لك الاتصال المباشر مع الجمهور. كيف ترى تأثير هذه المنصات على الأدب العربي؟ وهل يمكن أن تكون بديلاً فعّالًا للمنتديات الأدبية التقليدية؟

– شكلت مواقع التواصل الاجتماعي تحولاً جذرياً في المشهد الأدبي العربي والدولي، وأتاحت فرصًا هائلة للتفاعل والوصول إلى جمهور أوسع. بصفتي منسقًا لبرامج أدبية على هذه المنصات، أرى أن لها آثارًا متعددة وفعالة، لقد كسرت هذه الأخيرة الحواجز التقليدية للنشر، مما سمح لأصوات جديدة بالظهور والتعبير عن نفسها. كما أصبح بإمكان أي شخص، بغض النظر عن خلفيته الثقافية والاجتماعية، أن يشارك كتاباته مع القراء دون قيد أو شرط. مما أتاح تواصلا مباشرا مع القراء، أغنى التجربة الأدبية وجعلها أكثر تفاعلية.

كما ساهمت في ظهور أشكال أدبية جديدة وانتشارها بشكل واسع، إذ وجدت في هذه المنصات بيئة خصبة للنمو والتطور والاكتشاف.

رغم ذلك، تواجه مواقع التواصل الاجتماعي بعض التحديات، منها الانتشار السريع للمحتوى المنخفض الجودة، وصعوبة التمييز بين الأدب الجيد والردئ، وقلة القراءات المعمقة والدراسات الأكاديمية الجادة. الشيء الذي يجعل من الصعب أن تكون بديلا فعّالا للمنتديات الأدبية التقليدية، كما أشرتم. وعليه، يجب التعامل مع هذه التكنولوجيا بحذر، واستغلالها بشكل إيجابي من أجل نشر ثقافة أدبية فعالة ، تشجع على القراءة النقدية الهادفة، ولن يتحقق كل هذا الا بإنشاء منصات أدبية متخصصة تقدم محتوى أدبي عالي الجودة، وتسهل التواصل الحقيقي بين الثالوث المستهدف الأدباء والنقاد والقراء.

7. أنت مشرف عام على “ملتقى رواد الإبداع الفني والأدبي”، كيف توازن بين الحفاظ على أصالة الأدب العربي وبين الانفتاح على المدارس الأدبية الغربية أو الحديثة؟ وهل هناك مجال لإدماج ثقافات مختلفة في الأدب العربي المعاصر؟

– بصفتي مشرفاً عاماً على “ملتقى رواد الإبداع الفني والأدبي”، أرى أن التوازن بين الحفاظ على أصالة الأدب العربي والانفتاح على المدارس الأدبية الغربية هو أمر بالغ الأهمية لتطوير المشهد الثقافي عموما، فليس هناك ما يمنع التعامل مع التقنيات المعاصرة التي أنتجتها الثقافة الغربية، مع مراعاة خصوصيات كل وسط ثقافي، من أجل الحفاظ على الهوية الثقافية.

فهذا التوازن المطلوب يقتضي عملية مستمرة تتطلب جهداً وتعاونا من قبل جميع الأطراف المعنية بالشأن الأدبي. ومن خلال اتباع استراتيجيات واضحة ومدروسة، وهذا من شأنه أن يشجع الحوار بين الأدباء العرب والأدباء من مختلف الثقافات، من خلال تنظيم ورشات عمل ولقاءات تتناول قضايا مشتركة وتستكشف نقاط التقاطع والتباين بين المدارس الأدبية المختلفة.

وقد قدمت ورقة علمية صيف هذا العام بالديار الإسبانية تحت عنوان: ” دور الفن في تعزيز التعاون الثقافي بين الشعوب: المغرب وإسبانيا نموذجا.”

وهذا هو الغرض من “ملتقى رواد الإبداع الفني والأدبي”، حيث يشكل منصة لعرض الأعمال الأدبية المعاصرة التي تتسم بالجدية والابتكار، مع الحرص على أن يقتصر فقط على الفاعلات والفاعلين الحقيقيين في باقي المنتديات، حتى نستطيع تكوين نخبة من سفراء الكلمة الهادفة.

8. بحكم تجربتك الواسعة في مجال النقد الأدبي، هل تعتقد أن النقد العربي المعاصر قادر على إحداث تغيير حقيقي في مشهد الأدب العربي؟ وما هي أبرز التحديات التي تواجه النقد الأدبي في العصر الرقمي؟

– النقد الأدبي المعاصر شأنه شأن باقي الإبداعات الأدبية، فهو بلاشك قادر على إحداث تغيير حقيقي في مشهد الأدب العربي، ولكن بشرط أن يتمكن من تجاوز بعض التحديات التي تواجهه، منها على سبيل المثال:

– عليه تبني نظريات نقدية معاصرة قادرة على تحليل النصوص الأدبية بطرق مبتكرة.

– أن يكون قادراً على التعامل مع التنوع الثقافي والاجتماعي الحاصل في العالم العربي.

– أن يكون مستقلاً وقادرا على تجاوز الضغوطات السياسية والفكرية، هدفه خدمة الأدب والأدباء.

– أن يكون منفتحاً على النقد العالمي واللغات المختلفة، لكي يساهم في بناء جسور بين الشعوب المختلفة. وإيصال رسائل تخدم الثقافة الإسلامية..

بهذا يمكننا تجاوز التحديات التي قد تواجه النقد الأدبي المحلي، والتي يعاني منها النقد العربي كمشكلة التقليد والاجترار، حيث يعتمد الكثير من النقاد على النظريات النقدية الغربية دون أن يقوموا بتكييفها مع الواقع العربي والإسلامي.

وفي غياب مؤسسات نقدية على المستوى الأدب الرقمي، القادرة على دعم النقاد وتوفير المناخ الملائم للإبداع، صار الناس يلتفون حول المحتوى الخفيف والسريع الذي بات جزءا من الوجبات الغذائية السريعة، والذي بدأت الاندية الأدبية والأوساط الثقافية تعج به وتحتضنه دون تقييم أو غربلة..

المهم لديهم هو تفضيل الكثرة على الجودة .. مما يُصعّب من فعل تقييم الأعمال الأدبية الرقمية بشكل موضوعي.

هذا الانتشار الواسع للأعمال الأدبية عبر الإنترنت زاد من التحديات الكبيرة التي تواجه النقاد، فيما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية وحماية الأعمال الأدبية من الانتحال والقرصنة والسرقات الأدبية التي انتشرت بشكل لا حد له.

والمؤسف حقا ان النقاد والادباء أنفسهم وقعوا في فخ العولمة المتسرعة التي أدت بهلاك كل ما هو غال ونفيس.

9. من خلال مؤلفاتك النقدية مثل “رحلة النقد الأدبي العربي من النشأة إلى التأصيل”، ما هي أهم المحطات التي مرّ بها النقد الأدبي العربي؟ وكيف ترى تأثير النقد الأدبي في تشكيل الذائقة الأدبية لدى القراء العرب اليوم؟

– كما هو معلوم مرّ النقد الأدبي العربي بعدة محطات مهمة، يمكن ان نختزلها فيما يلي:

1. العصر الجاهلي: حيث ظهور النقد الشفهي،

كان النقد في هذه المرحلة مرتبطًا بالقبيلة والمجتمع، وكان يهدف إلى تمييز الشاعر الموهوب عن غيره، وتقييم شعره بناءً على معايير اجتماعية وأدبية محددة.

2. العصر الإسلامي الممتد إلى غاية نهاية العصر العباسي: بداية تأسيس أسس النقد الأدبي، ووضع القواعد النظرية والبلاغية التي استند إليها النقاد في تحليلاتهم.

وصولا إلى فترة ازدهار النقد الأدبي فترة عصر التأليف، وظهور نقاد بارزين أمثال الجاحظ وابن سلام والقاضي الجرجاني.

3. النهضة العربية: تأثر فيها النقاد والمفكرين بالفكر الغربي.

4. القرن العشرين: ظهور مدارس نقدية مثل الرومانسية والواقعية والرمزية.

6. ما بعد الحداثة: في هذه المرحلة اتجه النقد إلى مناهج أكثر تعقيدًا وتنوعًا، مثل البنيوية والتفكيكية والنقد الثقافي.

وكل مرحلة ساهمت في تشكيل رؤية جديدة للأدب والنقد في العالم العربي.

حيث أثر النقد الأدبي بشكل كبير في بلورة الذائقة الأدبية لدى القراء العرب، ساعدهم في توضيح المعاني والرموز في النصوص، مما عزز فهم القارئ.

ووسع أفق استكشاف الأعمال الأدبية المتنوعة. مما عزز الوعي الثقافي وشجع على التفكير النقدي. وتقييم جودة النصوص.

وهذا ما ساهم في تطوير الذائقة الأدبية وتعزيز الثقافة القرائية لدى المثقف العربي.

10. تطرقت في بحوثك الأدبية إلى “في رحاب سورة الشعراء: القرآن والشعر”، هل يمكن للباحثين الأدبيين اليوم أن يستفيدوا من التقاطع بين الأدب والدين في إطار نقدي معاصر؟ وكيف يمكن أن يُعزز هذا النوع من البحث فهمنا للتراث الأدبي العربي؟

– الدين الاسلامي أصلا له وجهة نظر للحياة والشعر والأدب.

لذا، نجد الكثير من الأعمال الأدبية ترتبط ارتباطًا وثيقا بالدين والثقافة الإسلامية بحكم الانتماء، سواء بشكل صريح أو ضمني. هذا الارتباط يساعد على فهم دوافع المثقف العربي، والرسائل التي يريد إيصالها، والقيم التي يحاول تسليط الضوء عليها. وهذا ما يمكن للباحثين، من خلال هذا التقاطع، اكتشاف أبعاد جديدة للنصوص الأدبية، والوصول إلى تفسيرات لم تكن واضحة من قبل( التناص – الرموز الدينية – الانزياح..)، فالتراث الإسلامي والإنساني حاضر قطعا لدى العديد من الشعراء والأدباء.. هذا التقاطع أخرج النقد الأدبي من إطاره التقليدي، وسمح له بدراسة النصوص الأدبية من زوايا مختلفة، مستفيدًا من أدوات وأساليب نقدية جديدة. وأن يلقي الضوء على قضايا معاصرة مهمة والخوض فيها، مثل التطرف، والتسامح، والحوار بين الأديان.

هذا التنوع الكبير في المصادر الدينية والأدبية يتطلب من الباحثين إتقان لغات متعددة، ومعرفة واسعة بالدين والأدب. وإلمام بثقافة المجتمعات المعاصرة..

وهذا مجال واعد ومهم للبحث والدراسة، يفتح آفاقًا جديدة لفهم الأدب الملتزم وتأثيره على المجتمع.

11. بجانب أعمالك الأدبية والنقدية، كيف ترى العلاقة بين الفن والإبداع من جهة وبين قضايا المجتمع من جهة أخرى؟ وهل على الأدب أن يتفاعل مع قضايا الساعة أم أنه يجب أن يظل متمحورًا حول القيم الإنسانية الخالدة؟

– يعتبر الفن مرآة تعكس الواقع الاجتماعي والثقافي للمجتمع، وهو أداة قوية للتعبير عن الأفكار والمشاعر والآراء حول القضايا التي تشغل بال المجتمع. كما يعكس تطلعاته وآلامه،

فالفن يعد أهم وسيلة للتعبير عن الهوية وعن المجتمع وتراثه، وقيمه، وتاريخه .. كما يساهم في الحفاظ عليها ونقلها للأجيال القادمة.

وهذا ما جعل الفن منصة للحوار والتبادل الثقافي، وجمع الناس من مختلف الجنسيات حول قضايا الساعة،( تفاعل العالم مع القضية الفلسطينية خير شاهد على أن الفن ابن بار للمجتعات البشرية..

إضافة إلى بعض القضايا الأساسية كالعنف، والهجرة …)

وهذا ما يجعل الفن قادرا على المساهمة في بناء مجتمعات أكثر عدالة وإنسانية.

12. في ديوانك المقبل “رقصات الصمت تحت جنح الظلام”، كيف يمكن أن تترجم الصمت إلى كلمات شعرية قادرة على نقل مشاعر عميقة وأفكار معقدة؟ وما الرسالة التي تأمل أن تنقلها من خلال هذا العمل؟

– الصمت، في جوهره، هو غياب الكلام، وهو حالة من الهدوء الداخلي العميق. والشاعر الموهوب هو الذي يحول هذا الصمت إلى كلمات نابضة بالحياة، وقادرة على إيصال معانٍ عميقة إلى القراء.

ويبقى الصمت بابا موصدا في وجه ضجيج الصراخ، أتكئ عليه، وأهش به أوراق الخريف المتساقطة التي تذروها الرياح كيف تشاء،

أسافر من خلاله إلى أعماق النفس البشرية وتقلبات ذاتها المكسورة الجناح، أنقل به ومن خلاله همسات كل قلب حائر جريح..

13. أنجزت العديد من الشهادات التكوينية في مجال المعلوميات وتقنيات إدماجها في المجال التربوي. كيف ترى أهمية استخدام التكنولوجيا في تدريس الأدب والنقد الأدبي؟ وهل تعتقد أنها قادرة على تعزيز الفهم النقدي لدى الطلاب؟

– لعبت التكنولوجيا دورا كبيرا في تدريس الأدب والنقد الأدبي، حيث استطاعت تيسير الوصول إلى الموارد والمكتبات الرقمية، سهلت على الباحثين استكشاف الأعمال الأدبية والنقدية.

كما مكنتهم من استخدام منصات التعليم الإلكتروني ساهمت في تبادل الآراء والأفكار. وتمكينهم من الأدوات العصرية والبرامج التربوية.

كما وفرت للجميع التعليم عن بُعد كآلية للتدريس والتعلم لأولئك الذين يواجهون صعوبات في الوصول إلى مصادر التعليم التقليدي.

وهذا ما جعل تدريس الأدب والنقد الأدبي أكثر ديناميكية وفاعلية..

ومع ذلك، يجب استخدام التكنولوجيا بشكل مدروس ومتكامل، وبشكل آمن ومسؤول، إلى جانب الأساليب التقليدية المعهودة من أجل تعزيز الفهم النقدي لدى الطلاب؟

وهذا ما توفرة منصات التعلم الإلكتروني، إلى

جانب أدوات التعاون عبر الأنترنيت مثل Google Docs و Microsoft Teams، تتيح للطلاب العمل معًا على المشاريع.

لكن لا بد من عدم الإفراط في الاعتماد على التكنولوجيابحكم كونها أداة مساعدة وليست بديلاً عن التفكير النقدي السليم.

14. ما هي أبرز التحديات التي تواجه الشعراء اليوم في الكتابة الشعرية في ظل هيمنة وسائل الإعلام الحديثة والأنماط الأدبية السريعة؟ وكيف يمكن للأدب أن يظل حيويًا في ظل هذه التحولات؟

– سؤال مهم جداً ويتطرق إلى تحديات جوهرية يواجهها الشعراء المعاصرون.

مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والأنماط السريعة في الكتابة، يجد الشاعر نفسه في منافسة شرسة مع ذاته أولا ، حيث يستعجل الوصول إلى القراء بسرعة دون تدقيق أو التفكير في التوثيق، ودون التنبه لذائقتهم حيث يفضلون أشكالاً شعرية أكثر حداثة وابتكاراً، وقد يجد الشعراء صعوبة في التكيف مع هذه التغيرات.

يمكن أيضا التطرق إلى صعوبة النشر والتوزيع التي تواجه الدواوين الشعرية. إلى جانب صعوبة الحصول على تقييم نقدي موضوعي، فغالبا ما يعتمد التقييم على معايير شخصية وذاتية، تفتقر إلى ضوابط علمية ودقيقة، بحكم أن النقد أكبر داعم للشعر.

وحفاظا على حيوته وفرض وجوده، على الشعراء التكيف مع كل هذه التغيرات الطارئة. والاستفادة من التكنولوجيا لنشر أشعارهم والتفاعل مع القراء.

مع الأخذ بعين الاعتبار التجديد الحاصل في أشكال التعبير الجديدة.

وبحكم أن الشعر هو لغة الوجدان ، يبقى خير وسيلة للتعبير عن الذات والأحاسيس، وسيظل جزء لا يتجزأ من الثقافة الإنسانية.

15. أنت مشرف على مجلة “مرفأ الإبداع” الإلكترونية. كيف تتعامل مع القضايا التي تطرأ في العالم العربي وتستدعي تفاعل الأدباء معها؟ وهل تسعى المجلة لتكون منصة تعبير عن الثقافة العربية أم هي فسحة للابتكار والتجديد الأدبي؟

– مجلة “مرفأ الإبداع” الإلكترونية هي أصلا مختصر ملتقى رواد الإبداع الفني والأدبي ، حين فكرت في إنشاء المجموعة كان هدفي الأسمى هو جمع شتات أهل الفكر واللغة حول أعمال أدبية وازنة ورزينة، وأن يتجاوز دورها مجرد النشر إلى أن تكون منبراً حيوياً للتعبير عن هموم وقضايا المجتمع العربي. وأن يكون لرجال النقد الدور الرائد. لفتح حوار مستمر بينهم وبين أهل الفن والأدب، من خلال عقد ندوات ولقاءات افتراضية أولا ثم تنزيلها إلى أرض الواقع بعد اكتمال التصور العام. وكي تكون مجلة مرفأ الإبداع بيت تجمع إنتاجات الأدباء والمثقفين من باب التوثيق والتشهير بالمنتوج. وأن تكون أيضا محطة تعاون وتكامل مع باقي المؤسسات الثقافية والأدبية..

ولن يتحقق كل هذا الا من خلال توسيع قاعدة القراء، وجذب جمهور أوسع للمجلة والأدب بشكل عام.

لكن للأسف السير الآن بطيء ودون تحديد بوصلة تنير الطريق، نظرا لقلة التفاعل الحقيقي المطلوب، زد على ذلك تشتت جهود الساحة الثقافية العربية، فبدل أن تكون منارة تضيء الدرب للأدباء والشعراء، وتوفر لهم منصات موثوقة لعرض أعمالهم. وأن تكون حاضنة للإبداع، والتركيز على الرؤية المستقبلية، تتسابق للنشر دون مراعاة الجودة، واحتضان يفوق عشرات الآلاف من المنخرطين. جعلت من إنتاجات الشعراء وغيرهم بضاعة تعرض بأبخس الأثمان مما فسح المجال للسرقات الأدبية والاقتباسات المباشرة، والرغبة في النشر السريع في غياب التدقيق و المراجعة.

ملتقانان لا يسمح ولن يسمح أن تعمه الفوضى، الخير في الجيد الأصيل وإن قلّ ، الشيء الذي يُمكّننا من تقييم الأعمال الأدبية والتدقيق في محتواها وسلامة مصدرها.

وهذا هو طموح مجلة “مرفأ الإبداع”، أن تلعب دورًا حيويًا في مواجهة التحديات التي يواجهها الشعراء والنقاد ، من خلال توفير منصة حرة للتعبير عن الآراء والأفكار، وتشجيع الحوار البناء، ودعم المبدعين.

هدفها هو الجمع بين الأمرين المشار إليهما أعلاه،

الحرص أولا على سلامة اللغة، وتسليط الضوء على القضايا التي تشغل الأمة..

لذا ، فنحن نرحب بالأعمال التي من شأنها تناول قضايا الساعة بطرق مبتكرة، وندعم التجارب الأدبية من خلال برنامجنا النقدي المتواجد باستمرار كعين على جدار منصة “الفيس بوك “، لمدة تزيد عن أربع سنوات تقريبا، حقق العديد من الانجازات النقدية لمختلف الشعراء الناطقين باللغة العربية كيفما كانت جنسيتهم وعقيدتهم، والمقيمين في مختلف دول العالم.

مجلة “مرفأ الإبداع” تسعى إلى أن تكون منصة تعبر عن الثقافة العربية الإسلامية، وفي الوقت نفسه أن تكون منارة للإبداع والتجديد. هذا هو التحدي الذي تواجهه العديد من المنابر الثقافية، وهو تحد يستحق الجهد والعطاء.

وفي الختام، لا يسعني إلا أن أجدد شكري ثانية لكم وأرجو من الله أن أكون عند حسن ظنكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتة.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :