اعداد محمد احمد الطالبي
اخراج حسن بوسرحان
يُقال إن الإبداع مرآة الروح وصوتها العميق، وهو انعكاس لتجارب الإنسان ومعاناته وأفراحه. وفي هذا اللقاء المميز ضمن برنامج “سيرة ومسار”, نستضيف مبدعة نسجت بالحرف تفاصيل روحها، ونقلت من خلال الزجل والشعر والمسرح ملامح مدينة، حكايات وطن، وآمال أجيال.
الهاشمي السعدية، من مدينة ابن أحمد، “القلعة الصامدة” أو “مدينة التوت”، شاعرة، زجالة، ومسرحية. بدأت رحلتها مع الإبداع منذ سنوات، وتحدّت الإكراهات والمعيقات لتجعل من الحرف منارةً للتعبير والبوح. هي أيضا عضوة فاعلة في جمعية لبابة للثقافة والإبداع والتواصل، وشاركت في عدة دواوين جماعية، ولها ديوان قيد الطبع.
في هذا الحوار، نسبر أغوار تجربتها الإبداعية، نتعرف على ملامح مدينتها وتأثيرها الثقافي، نستكشف رؤيتها للشعر الهايكو، ونناقش أدوار المرأة في المشهد الأدبي. كما نسلط الضوء على علاقتها بالمسرح، الموسيقى، وتحديات النشر، لنرسم صورة شاملة لمسارها الأدبي وأحلامها المستقبلية.
الهاشمي السعدية: السيرة الذاتية
ولدت في مدينة ابن أحمد، المعروفة بلقب “القلعة الصامدة” أو “مدينة التوت”.
المستوى الدراسي:
حاصلة على شهادة الباكالوريا في شعبة الآداب العصرية.
الوضع العائلي:
متزوجة وأم لطفلين.
المجال الإبداعي:
شاعرة، زجّالة، ومسرحية.
العضوية والجمعيات:
عضوة في جمعية لبابة للثقافة والإبداع والتواصل.
الإصدارات الأدبية:
مشاركة في عدة دواوين شعرية وقصصية مشتركة، منها:
ديوان مشترك لمجموعة أجراس للشعر والنثر.
مجموعة ديوان لمجموعة أجراس للقصة.
ديوان هايكو مشترك لجمعية لبابة.
ديوان شعري قيد الطبع.
الهوايات:
تهوى الموسيقى، الشعر، والمسرح.
1. البدايات الأدبية: كيف كانت البداية مع الشعر والزجل؟ وهل هناك أحداث أو تجارب معينة أثرت على اختيارك لهذا الطريق الأدبي؟
كلٌّ منا يحمل موهبة تختلف حسب وعيه وحدسه، فالإنسان هو العنصر المحرّك لتلك الكوامن الدفينة في أعماقنا. ينتابنا الجنون حينا، والإلهام حينا آخر، عندما نشعر حقا بحاجة إلى تفريغ الرواسب العالقة على جدار الذاكرة.
يبقى الزمن والمكان هما العاملان الأساسيان لتحريك هذه الطاقة الروحية الكامنة. وعندما نمر بظروف قاسية أو مواقف مؤلمة، ولا نجد من يمد يد العون ليلملم جراحنا، يصبح الحرف أوفى صديق، ملاذا وسندا لا يخون.
تجربتي لم تكن وليدة اللحظة، بل هي ثمرة أيام وسنين طويلة، غير أنها ظلت حبيسة الرفوف، مغلّفة بالغبار، تنتظر من يزيحه عنها لتشرق وتلامس النور. أحيانا، نحتاج إلى من يسمعنا، إلى من يمد لنا يده ويساعدنا على الانطلاق نحو آفاق أوسع، لنعبّر ونصرخ، ويستمر ذلك الصراخ كنداء لا ينقطع.
كانت ولادة حرفي مؤلمة لكنها مليئة بالإصرار. دعمني زوجي، شجعني، وأخذ بيدي نحو البدايات. وفي زمن جائحة كورونا، حيث ساد الصمت وعمّ الظلام، كان المخاض، وكانت الولادة. حرفي كان ينزف قائلا: لا للظلم، لا للاستبداد.
حرفي ليس ملكا لي وحدي، بل هو منارة أعتليها لأرفع صلاة التغيير وأطلق النداء. في زمن كورونا، كان العالم مزيجا من الموت والحياة. وبينما أغلقت الأبواب والنوافذ، كان حرفي يضيء عتمات الانتظار، يتحدى وحشة المكان وصمت اللحظات، يقاوم الخوف من المستقبل، ويزرع داخلي بذرة حب الاستمرار.
2. التأثير الثقافي للمكان: مدينة ابن أحمد تُلقب بـ”القلعة الصامدة” و”مدينة التوت”. إلى أي مدى تأثرتِ ببيئة هذه المدينة وتاريخها في كتاباتك الشعرية والزجلية؟ وهل يمكنك مشاركتنا قصصاً شخصية حول هذا التأثير؟
فعلا كما يقال الحرف ابن بيئته والشاعر رسول وجب عليه التبليغ بكل صدق وأمانة
هي مدينة تنزف كل يوم تموت ببطء دون صراخ هذا الموت جعلني اتالم وكاني احمل الوطن بأكمله فمن لم يتأثر بانين غيره ليس بشاعر ولا حتى عاشقا للحرف
3. الهايكو: بما أنكِ شاركتِ في ديوان هايكو، كيف ترين الشعر الهايكو كنوع أدبي يختلف عن الشعر الكلاسيكي والزجل؟ وكيف يمكن لهذا النوع الشعري أن ينقل مشاعر عميقة في بضع كلمات؟
يرتكز شعر الهايكو على عامل الجمال والدهشة في بيت واحد
يمكن من خلاله الهايكيست أن يعبر عن مشاعره
لكني أرى أن المشاعر لا يمكن أن تترجم في بيت واحد وفي وقت قصير بل هي ديمومة مشاعر نعيشها لمدة طويلة يمكننا ان نترجمها إلى قصيدة وابيات نرى فيها ذاتنا والاخر
فمتى كانت المشاعر مجرد لحظات قليلة بل هي تتواجد وفق زمان ومكان خاص بنا نحن
4. المرأة في الأدب: كيف تنظرين إلى دور المرأة المغربية في المشهد الأدبي، خاصة في مجال الزجل والشعر؟ وهل تواجهين تحديات أو معيقات تتعلق بالجنس أو المجتمع؟
أرى أن الإبداع النسوي، وخاصة في مجال الزجل والشعر، غالبا ما يغرق في نرجسية الذات والحرف، حيث يدور في حلقة مغلقة من الأنين والوجع، عوض أن يتجاوز هذه الحدود ليصل إلى أبعاد أرحب وأعمق. الشعر والحرف ليسا مجرد انعكاس للذات أو الأنا، بل هما رسول يحمل رسالة، وصلاة تتلى حين يأتينا الإلهام والجنون.
الإبداع الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الذات أو يتقوقع داخل أقرب نقطة عطاء. بل يجب أن يتجاوز المعيقات والعراقيل، متخذا من كل تحدٍ دافعا نحو مزيد من العمق والتجدد. مع الأسف، ما نشهده اليوم على الساحة الإبداعية هو طغيان الأنانية والبحث عن النجومية، حيث أصبح الكثيرون يساهمون، بطريقة أو بأخرى، في قتل الإبداع وتحويله إلى مجرد صورة مزيفة تجمّل الواقع أمام الأجيال الناشئة.
فكيف يمكننا تبني فكر أو موقف حقيقي وبداخلنا حقد وحسد وأنانية قاتلة؟ الإبداع ليس ميدانا للتباهي والتملك، بل هو مساحة للنقاء، للإلهام، ولزرع قيم التغيير والجمال في النفوس. أما ما نراه اليوم من تحويل الساحة الإبداعية إلى أبواق للتفاخر والترويج للذات، فهو خيانة لروح الإبداع وجوهره.
5. المسرح والشعر: أنتِ شاعرة، زجالة، ومسرحية. كيف توفقين بين هذه الأنواع الأدبية؟ وهل ترين أن المسرح يفتح أفقا جديدا للشعر والزجل في التعبير عن قضايا مجتمعية أو فلسفية؟
أنا أرى أن الإبداع هو مسرح ورقص وغناء في نفس الوقت
فحين تبدع فانت تنزف من الداخل تتحرك فيك كل المشاعر حينها تستطيع ان تبكي وتضحك ان ترقص وترسم لان الإبداع هو مجموعة مواهب تجمعت لتعطي شعرا يعبر بصدق ووضوح
احيانا اكتب وانا اغني
اكتب وانا ابكي
اكتب وانا اطبخ والابداع شيطان مارد ليس له مواعيد او ظروف
6. التعاون الأدبي: شاركتِ في دواوين مشتركة مع مجموعات أدبية. كيف تقيّمين تأثير هذه التجارب الجماعية على تطورك الأدبي؟ وما هي أهمية العمل الجماعي بالنسبة لك ككاتبة؟
في حضرة الحرف لا زلت احبو احتاج الى من يدعمني ويتنبى حرفي حتى استمر
فالعمل الجمعوي كوحدة إيجابية تساعدني على ان أرى نفسي وأرى حرفي فاتواضع واقول انني فعلا لازلت أتعلم فالتعلم يكون بالمواكبة والتواضع لا التكبر والانانية
7. الموسيقى والشعر: الموسيقى من بين هواياتك. كيف ترين العلاقة بين الموسيقى والشعر؟ وهل تؤثر الموسيقى على إيقاع ونسق قصائدك؟
الموسيقى هي قصيدة غنائية تعبر بصدق كما تعبر القصائد الشعرية
والموسيقى غذاء روحي يجعلك ترتقي إلى مكانة راهب لك محرابك وصلاتك
فحين تطرب أذنك تستجيب روحك وفكرك للابداع
8. التأليف الفردي: لديكِ ديوان قيد الطبع. كيف تختلف تجربتك في كتابة ديوان فردي عن تجربتك في الدواوين المشتركة؟
ليس هناك اختلاف سوى كتابة اسمك بحروف عريضة واختيار عنوان ديوانك وفق رغبتك دون ان تتقيد براي الاخرين
9. الجمعيات الثقافية: بصفتك عضوة في جمعية لبابة للثقافة والإبداع، كيف تقيّمين دور الجمعيات الثقافية في تعزيز الحركة الأدبية في المغرب؟ وما هي برأيك الخطوات التي يجب اتخاذها لتطوير المشهد الثقافي أكثر؟
الجمعيات الثقافية تلعب دورا محوريا في تعزيز الحركة الأدبية في المغرب، إذ إنها توفر فضاءات للتواصل بين المبدعين، وتتيح فرصا لعرض إنتاجاتهم الأدبية والفنية أمام جمهور أوسع. كما تسهم في تنظيم اللقاءات والندوات والمهرجانات التي تبرز تنوع المشهد الثقافي المغربي، وتعمل على تشجيع المواهب الشابة من خلال ورش العمل والمسابقات.
مع ذلك، فإن هذا الدور، رغم أهميته، قد يبدو أحيانا محدودا إذا اقتصر على كونه مجرد منصة لترويج الإبداع دون التوجه نحو تأطير الحركة الأدبية أو دعمها بشكل مؤسسي ومستدام. لتعزيز فعالية هذه الجمعيات..
10. الهوية المغربية في الأدب: كيف تعكس كتاباتك هوية المغرب الثقافية والاجتماعية؟ وهل ترين أن الشعر والزجل المغربيين قادرين على الوصول إلى جمهور عالمي؟
الهوية هي شعور عميق لا يُباع ولا يُشترى؛ هي إحساس صادق ينبع من وطنية حقيقية وإيمان عميق بهموم وطنك، والتزامك بما يجب عليك فعله تجاه هذا الوطن. الوطن ليس مجرد حدود جغرافية، بل هو عشق متجذر في القلب، وعندما أحمِل اسم هذا الوطن، أظل وطنية حتى النخاع. رغم الأنين والوجع، فإن حرفي لا يتوقف عن التعبير عن هذا العشق والتعلق.
كتاباتي، سواء في الشعر أو الزجل، تعكس هوية المغرب الثقافية والاجتماعية من خلال تسليط الضوء على تفاصيل الحياة اليومية، القيم، والعادات التي تُميز المجتمع المغربي. أحاول أن أترجم هموم الناس وآمالهم، وأعبر عن تفاعلاتهم مع البيئة والمجتمع من خلال لغة قريبة من الناس، سواء كانت عاطفية أو فكرية.٠
أما بالنسبة لقدرة الشعر والزجل المغربيين على الوصول إلى جمهور عالمي، فإنني أؤمن أن الثقافة المغربية، بجميع تنوعاتها، قادرة على التأثير في العالم، إذا تم تقديمها بشكل أصيل وجذاب. الزجل، مثلا، بما يحمله من خصوصية لغوية وإيقاعية، لديه القدرة على الوصول إلى قلوب الناس، لأنه يعبر عن الإنسان في أبسط وأصدق حالاته. الشعر، كذلك، يستطيع أن يلامس الأرواح بقدرته على التعبير عن المشاعر والأفكار بطرق غير تقليدية.
11. الجيل الجديد والأدب: كيف يمكننا تشجيع الأجيال الجديدة على الانخراط في عالم الأدب والشعر؟ وهل ترين أن هنالك تحولات في اهتمامات الجيل الشاب بالأدب مقارنة بالأجيال السابقة؟
لقد ابتلعتنا الرقمنة، وأصبح شبابنا أسير وسائل التواصل الاجتماعي التي غالباً ما تروج للأشياء التافهة، مما جعلهم يبتعدون عن الإبداع ويجهلون كيفية استغلال هذه الوسائل بشكل إيجابي. أرى أن هناك عزوفا عن القراءة، فكيف يمكن للشباب كتابة الشعر إذا لم يتعرفوا حتى على أسسه وجمالياته؟
لذلك، أعتقد أن المسؤولية تقع على عاتقنا جميعا في تشجيع الأجيال الجديدة على الانخراط في عالم الأدب والشعر من خلال إعادة إحياء حب القراءة في المدارس والمجتمعات، وتقديم الأدب بشكل مبسط وجذاب يتناسب مع اهتماماتهم. كما يمكن استثمار وسائل التواصل الاجتماعي نفسها في نشر الوعي الأدبي، من خلال حملات ثقافية ومنصات تفاعلية تشجع على الإبداع وطرح الأفكار.
ورغم هذه التحديات، ستظل النخبة المحدودة هي التي تحمل مشعل الإبداع وتستمر في مواجهة هموم الحرف في وطننا، لكننا بحاجة إلى جهود جماعية من أجل إحداث تغيير حقيقي في اتجاهات الجيل الجديد.
12. الكتابة والتعبير عن الذات: هل تعتبرين أن الكتابة، سواء الشعر أو الزجل أو المسرح، هي وسيلة للتعبير عن قضاياك الشخصية والمجتمعية؟ أم أنها أداة للتأمل الفلسفي والنقد الاجتماعي؟
الكتابة ليست ملكا لنا وحدنا، بل هي وسيلة خلقت لتصرخ في وجه الظلم. كل حرف يبقى حبيس الذاتية والشخصية هو حرف أناني. الحرف وُجد ليكون وسيلة لدعم الغير، ليقول كلمة الحق، وليعبر عن قضايا مجتمعية. أرى هموم وطني في همومي، ووجع الآخرين في وجعي. إنني أكتب لأنني أشعر بأن الحرف هو أداة للتعبير عن آلامنا المشتركة، وأداة لمواجهة التحديات التي نعيشها في مجتمعاتنا. لذلك، الكتابة بالنسبة لي هي مزيج من التعبير الشخصي والنقد الاجتماعي، وكذلك أداة لتسليط الضوء على قضايا تهم المجتمع.
13. مشاريع مستقبلية: هل يمكنك أن تشاركينا تفاصيل أكثر حول مشاريعك الأدبية المستقبلية؟ وما هي الرؤى التي تطمحين لتحقيقها في مجالات الشعر والزجل والمسرح؟
كنت قد فكرت في طباعة عدة دواوين، لكنني تراجعت عن ذلك. فمع الأسف، كثير من الدواوين تبقى مركونة على الرفوف ولا تجد من يقرأها. لهذا قررت أن أكتفي بالكتابة لزمرة معينة، فلا يهمني أن يتجاوز عدد عشاق حرفي المئات أو الألف. حلمي بسيط جدا؛ أن نمد يد العون لكل حرف لا يزال في بداياته، وأن نساند بعضنا البعض بغض النظر عن الجاه أو الجمال أو النفوذ. إن الإبداع شعور نبيل يجب أن نحرص على عدم تلويثه بالغرور أو الأنانية. وأطمح إلى خلق بيئة ثقافية أكثر تآلفا ودعما بين المبدعين، حيث يسود التعاون والاحترام المتبادل.
14. الإبداع في الحياة اليومية: بصفتك أم لطفلين، كيف توفقين بين الحياة الأسرية والإبداع الأدبي؟ وهل تجدين أن الأمومة قد أضافت أبعادا جديدة لكتاباتك؟
أحسن شعور هو عندما تجد صغارك يدعمونك ويشجعونك، ويعلقون على منشوراتك بحب واعتزاز. استطعت أن أوفق بين حياتي الأسرية والإبداع الأدبي من خلال جعل حرفي مثل الطفل الذي أعتني به وأداعبه. حين تخلد أجفان أخوتهم للنوم، يكون حرفي هو رفيقي الذي أقضى معه الوقت. هو صغيري الذي يحبونه ويدللونه حتى يأتي إليّ طواعية ليبث فيّ أفكاره. الأمومة أضافت لأدبي أبعادا جديدة، إذ أصبحت الكتابة بالنسبة لي وسيلة للتعبير عن مشاعر الأمل، التضحية، والاحتواء، وكل ما يتعلق بحياة العائلة.
