برنامج سيرة ومسار يستضيف الأستاذ عبدالرحيم طالبة صقلي عنوان الحلقة [رحلة إبداعية بين ضفاف الشعر والفن والنقد عبدالرحيم طالبة صقلي]

كتب : الأثنين، 02 ديسمبر 2024 - 10:41 م مجتمع

اعداد محمد احمد الطالبي..

اخراج حسن بوسرحان..

[رحلة إبداعية بين ضفاف الشعر والفن والنقد
عبدالرحيم طالبة صقلي]

بكل محبة وإجلال، نرحب بالضيف الكريم، الأستاذ عبدالرحيم طالبة صقلي، الذي يُعتبر نموذجًا متفردًا للمبدع المتعدد المواهب، شاعرًا، وفنانًا تشكيليًا، وناقدًا أدبيًا، ورمزًا للإبداع العصامي. من خلال مسيرته الغنية، أثبت أنه عاشق للثقافة بكل تجلياتها، جامعًا بين الشعر، الزجل، التشكيل، والنقد، ومستثمرًا خبراته في نشر رسالة الإبداع والجمال. نحيي أيضًا جميع المتابعين الكرام الذين يشاركوننا شرف تسليط الضوء على هذا القامة الإبداعية الملهمة.

1. النشأة والتعليم:
غادر الدراسة سنة 1970، والتحق بالمعهد الفرنسي للتجارة والمحاسبة بالدار البيضاء، حيث حصل على دبلوم محاسب.
حاصل على شهادة البكالوريا حرة عام 1982.
تابع تكوينًا جامعيًا بشعبة الفلسفة بجامعة محمد الخامس بالرباط.

2. المسار المهني:
اشتغل كإطار بنكي بمصرف المغرب بالدار البيضاء.
عمل كمحاسب بإحدى شركات التأمين بالدار البيضاء.
شغل منصب مسير شركة تجارية بالدار البيضاء.
اختتم مساره المهني كمحرر إداري ممتاز بالوظيفة العمومية إلى حين بلوغه سن التقاعد.

3. الأنشطة الثقافية والفنية:
مارس مسرح الهواة كممثل ومصمم ديكور بدار الشباب الزرقطوني بالدار البيضاء.
من الأعضاء المؤسسين لنادي رواد الإبداع.
عضو نشط في لمة المبدعين بسطات.
شارك في العديد من الملتقيات والصالونات الأدبية على المستويات المحلية، الجهوية، والوطنية.
برع في الفن التشكيلي، حيث استخدمت لوحاته في أغلفة العديد من الإصدارات الأدبية.

4. الإصدارات الأدبية:
مجموعة زجلية: “كلامي بين انعاسي وافياقي”.
ديوان مشترك في شعر الهايكو بتأطير الأديب نورالدين ضرار.
ديوان مشترك للمة المبدعين بسطات، نشرته وزارة الثقافة.
يعمل على مشروع ثقافي شامل يتضمن الشعر المعرب، الزجل، والقصة القصيرة.

5. القراءات النقدية:
قدم قراءات نقدية لعدة أعمال أدبية منها:
“أكشن… سطوب” للقاصة والشاعرة رشيدة محداد.
“وجس على شفاه الصمت” للأستاذ نجيب الخالدي.
“ربما قد…!!!” للأستاذة مليكة المدغري أدرودي.
“لطيف المقال في الأدب والترحال” للأستاذة مالكة عسال.
“دموع غريبة” للكاتب حسن ميري.
“غلطة وندامة” و”شلا من شوية” للشاعرة فاتحة الفتنان.
“هلوسات منتصف الليل” للقاص محمد بيا.
“زهور من بساتين الشعر الفرنسي” للشاعر والمترجم ياسر يونس.
تقديم وقراءة في المجموعة الزجلية “عكاز بويا” للشاعر رشيد حياط.
تحقيق وتقديم المخطوط الشعري “عهدتك يا شعري” للمرحوم مولاي العربي العلوي المدغري.

نستمع بشغف لما سيشاركه الأستاذ عبدالرحيم طالبة صقلي معنا اليوم، ونحتفي بسيرته المضيئة التي تلهم الأجيال وتثري المشهد الثقافي.

1. بداياتك الثقافية والفنية:

كيف أثرت خلفيتك في المحاسبة والتجارة على مسارك الإبداعي في الشعر والزجل؟ وهل كانت هناك لحظات شعرت فيها بأن حياتك المهنية عرقلت أو أثرت إيجابًا على مشوارك الأدبي؟
******

“قبل الإجابة عن هذا السؤال، أود أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير للقائمين على مبادرة سيرة ومسار والأفق المغربي، ولأصحاب هذه الفكرة الرائدة التي تهدف إلى التعريف بالمبدعين من مختلف أنحاء الوطن. إن هذه المبادرة ليست مجرد فرصة للحديث عن مساراتنا وتجاربنا، بل هي أيضًا مساحة لإبراز التنوع الثقافي والإبداعي الذي يزخر به وطننا، وتعزيز الروابط بين الأجيال المتعاقبة من الفنانين والمبدعين. فلكم مني كل الاحترام على مجهوداتكم في توثيق ونقل تجاربنا للأجيال القادمة، آملًا أن تستمر هذه الجهود في دعم الثقافة الوطنية والنهوض بها.”

“بالطبع، كان لمساري المهني تأثير على مساري الثقافي والإبداعي. لم تكن الحياة المهنية دائمًا ملائمة لتطوير ميولي الأدبية، حيث غالبًا ما كان ضغط العمل والالتزامات اليومية يشغلني عن إعطاء الأدب حقه. ورغم ذلك، حافظت على شغفي من خلال قراءة الكتب كجزء من الثقافة العامة، وتصفحت الملحقات الثقافية للجرائد الوطنية، مثل المحرر، والاتحاد الاشتراكي، وأنوال، والعلم، وغيرها، مما ساعدني على البقاء على صلة بالأدب والفكر، حتى وإن كان ذلك بقدر محدود.”

“البداية الفعلية لمساري الأدبي انطلقت بعد التقاعد، حيث أتيح لي أخيرًا الوقت الكافي للاستثمار في ميولاتي الثقافية والفنية. بهذا المعنى، كان تقاعدي نقطة انطلاق حقيقية للتحليق في فضاء الأدب بعيدًا عن ضغوط الحياة المهنية.”

“لقد ساهمت خلفيتي في المحاسبة والتجارة والتحرير الإداري في بناء صرامة تنظيمية وترتيب للأفكار، وهي عناصر أثرت على مساري الأدبي والشعري بشكل غير مباشر. فالتعامل مع التفاصيل والأرقام علمني منهجية عقلانية وساعدني على التعبير بدقة، ما انعكس في كتاباتي الشعرية، حيث يصبح التركيز على التكثيف والتنظيم في اللغة بصمة خاصة بي، تُترجم الأفكار والمشاعر بشكل واضح ومؤثر. بهذا أستطيع القول إن تجربتي المهنية كانت بمثابة أرضية صلبة ساعدتني على تشكيل صوتي الأدبي، إذ منحتني القدرة على دمج الدقة مع العاطفة. فكل قصيدة أو نص أكتبه يعبر عن هذا التزاوج بين الانضباط الذي اكتسبته من عملي والمشاعر الحرة التي تحملها كلماتي. إنها رحلة متوازنة بين العقل والقلب، بين التنظيم والانطلاق، وقد كانت تجربة العمل الطويلة جزءًا لا يتجزأ من بناء هذا التوازن الذي أعبر به عن رؤيتي وأحاسيسي الأدبية اليوم.”

2. الانتقال بين الفنون:

باعتبارك تمارس الفن التشكيلي إلى جانب الكتابة، كيف ترى التداخل بين الكلمة المكتوبة واللوحة الفنية؟ هل تجد أن هناك ترابطًا بين الشعر والتشكيل في التعبير عن أفكارك ورؤيتك للعالم
*******

“بالنسبة لي، الكلمة المكتوبة واللوحة الفنية هما وجهان لعملة واحدة، إذ يتكاملان في التعبير عن رؤيتي وأفكاري. كل منهما يفتح بابًا نحو عوالم داخلية مليئة بالأحاسيس والصور الذهنية. في الكتابة، أستخدم الكلمات لخلق مشاهد حسية ونقل انفعالات عميقة، بينما يمنحني الفن التشكيلي أفقًا أوسع لتحويل تلك الأحاسيس إلى ألوان وخطوط ملموسة تتحدث إلى العين مباشرة.
أشعر بأن هناك ترابطًا قويًّا بين الشعر والتشكيل، فكلاهما يعكس جانبًا من رؤيتي للعالم من خلال مشاعر إنسانية وتأملات وجودية. الشعر يمنحني بعدًا لغويًا يسمح لي بوصف ما لا يُرى، فيما توفر اللوحة حرية التعبير عن مشاعر وأفكار تتجاوز حدود اللغة. في النهاية، أجد أن الفنون المختلفة تلتقي في هدف واحد: تجسيد العوالم غير المرئية وجعلها أقرب إلى الآخرين، سواء كان ذلك من خلال البيت الشعري أو ضربة الفرشاة، فكلاهما يسعى لجعل اللامرئي محسوسًا وجليا للعين والقلب.”
هذا باختصار جوابا على سؤالكم، و توضيح متواضع حول تأثير كل فن على الآخر في التعبير عن أفكاركي وتجسيد رؤيتي

3. الشعر والزجل:

في ديوانك “كلامي بين انعاسي وافياقي”، ما هي الموضوعات الرئيسية التي تشغلك ككاتب زجلي؟ وكيف ترى مستقبل الزجل المغربي في ظل تطور المشهد الأدبي المعاصر
*******

((الكلمة الحرة مسموعة حتى لدى الصُّم))
في ديواني الزجلي “كلامي بين نعاسي وفياقي”
تكلمت عن مجموعة من المواضيع التي تعكس همومي وافكاري
هو صرخة محملة بالامل
والحزن نابعة من رؤية نقدية للواقع وتعبير صادق عن واقعنا الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي

الإبداع، في نظري، لا ينبع من فراغ. سواء كان شعرا، أو سردا، أو غناء، أو موسيقى، أو فنا تشكيليا، فهو حصيلة للعديد من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.

بينما أنا أسير في مسار الحياة، يدفعني الشغف إلى الإبداع، حيث أجد في الكتابة نافذتي الوحيدة، وأرى من خلالها العالم بشكل مختلف. تداخلت في حياتي العديد من المؤثرات، فمن قراءاتي المتنوعة التي حفزت أفكاري، إلى تفاعلاتي مع واقع مليء بالتغيرات، وصولاً إلى الإلهام الذي يعانق ذهني ليحوّل الخيال إلى كلمات. الشعر، والنثر، والفن، جميعها تجارب تضيف إلى شخصيتي، وتدفعني للتعبير عن رأيي في هذا الواقع الذي أعيشه.

في كتابتي، لا أبحث عن الألقاب أو التصفيق، بل هناك شيء اعمق أشعل مشاعري واجبرني ان احمل القلم لمواجهة البياض لأقول كلمتي واطرح رأيي، و أبحث عن حقيقة مفقودة، وأعلن بوضوح همومي التي تَسكُنني. لا أريد أن أبقى في الظل، بل أن أقول كلمتي التي قد تُحدث فرقًا. نعم، الحرف عندي هو العون، هو الصديق الذي يساعدني في بناء عوالم خاصة بي، في استعادة صلاتي بالوجود، في تكسير الحواجز التي تفصلني عن نفسي. الحرف هو ذلك السيف الذي يحمل رسالته، سواء كانت صادقة أو مغشوشة، وهو في كل حال يظل الأداة الأقوى في التعبير عن الحقيقة.

عشق الحرف يصل إلى حد التوحد معه. أصبح بالنسبة لي رفيقًا لا يفارقني، وسيلة لإيصال كل مشاعر العزلة، الجراح، والآمال. كل كلمة تخرج مني تحمل ما عشته من صراع، وتخزن كل أفكاري في فوضى الواقع. ومع أن هناك من يزين الكلمات لتمرير مآربهم الشخصية، إلا أنني أؤمن أن الحرف الصادق سيظل حيًّا في قلوب من يفهمه ويحترمه.

ثم يأتي المجال السياسي، حيث تبدو الأوهام هي الطاغية. حاولت أن أتفاعل مع هذا العالم، معتقدًا أنني يمكنني أن أؤثر فيه، لكنني سرعان ما اكتشفت أن السياسة أصبحت خداعًا وبيعًا للحقائق. أغلب الأوقات في هذا المجال، يتم إخفاء الحقائق وراء أقنعة زائفة، يتم التلاعب بالكلمات، ويُستغل الواقع لمصلحة فردية. لكن بعد تأمل، أدركت أنه لا يمكن للسياسة أن تكون مصير الأحرار، وأن الحقيقة تكمن في تقاليد الإنسان العميقة، في كرامة الشعب الذي يعاني.

ورغم أنني لا أستطيع تجاهل واقع الفساد، إلا أنني خصصت مكانًا خاصًا للمرأة في كتاباتي، فهي حجر الزاوية في كل مجتمع، وهي التي تشكّل الأساس الحقيقي لبناء أسرة قوية ومجتمع متماسك. ألمس في كلماتها قوتها وضعفها في ذات الوقت، أحتفل بها حين تُعطى حقوقها، وأنتقد كل محاولة لحرمانها من كرامتها. تلك هي رسالتي، بأن الجميع، من رجال ونساء، يحتاجون إلى سلوكياتٍ تُظهر قيم الإنسانية النبيلة.

أما في مجال الزجل، فأنا أرى مستقبله مشرقًا، رغم التحديات التي يواجهها في زمن تتغير فيه الأدوات والوسائل الأدبية. الزجل ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو نبض الشارع، يحمل هموم الناس في بساطته، ويترجم تجاربهم اليومية في لغة قريبة إلى قلوبهم. ولذا، أدعو إلى الحفاظ على جذوره الشعبية، وفي نفس الوقت التفاعل مع التحولات المعاصرة. في هذا المجال، يمكن للزجل أن يكون منصة للتعبير عن القضايا المعاصرة، مثل حقوق الإنسان، البيئة، وحقوق المرأة.

إن الزجل المغربي بحاجة إلى تكامل بين الأصالة والحداثة، بين التراث والتجديد، لكي يظل حيًا في المشهد الأدبي المعاصر. وكما أرى، فهو قادر على أن ينفتح على قضايا أكبر، وأن يتفاعل مع منصات التواصل الاجتماعي، مما يمنحه حضورًا أكبر. إذا استمر الزجالون في تطوير أساليبهم، والتفاعل مع جمهورهم، سيظل الزجل مغريًا، وسيحافظ على مكانته كوسيلة للتعبير الحر عن الهموم اليومية.

وبناءً على ذلك، فإن الزجل المغربي في المستقبل يحتاج إلى توجيهٍ يتناسب مع واقعنا المتغير. مع الاستمرار في التعبير عن هموم المجتمع والتوسع في الموضوعات الفلسفية والاجتماعية، يمكن للزجل أن يظل جزءًا أساسيًا من ثقافتنا، متنفسًا للشعوب وأداة قوية لنقل الرسائل الإنسانية.

4. شعر الهايكو:

لقد شاركت في ديوان مشترك في شعر الهايكو. كيف وجدت الانتقال من الزجل، الذي يتميز بالعاطفة والقوة، إلى هايكو الذي يعتمد على التكثيف والرمزية؟ وهل تعتقد أن للهايكو مكانة خاصة في الأدب المغربي؟
******

انتقالي من الزجل إلى الهايكو كان بمثابة تجربة فريدة من نوعها. الزجل له إيقاعه الخاص، يعتمد على التعبير الصريح، بينما يتطلب الهايكو تقنيات مختلفة مثل التكثيف الشديد واستخدام الرموز الطبيعية. هذا الانتقال منحني مساحة لتطوير أسلوب أكثر توازناً، حيث تعلمت كيف أصيغ المشاعر في قالب مكثف ومختصر، مكتسباً القدرة على إيصال أفكار عميقة عبر عدد محدود من الكلمات.
الهايكو، بأسلوبه البسيط والهادئ، يجعل الشاعر في مواجهة مباشرة مع لحظات الطبيعة أو الحالات الإنسانية، مما يتطلب التأمل والتمعن. هذا يتناقض مع الطابع الحماسي للزجل، لكنه يساعد على توسيع آفاق الكتابة، ويكسبها بعداً فلسفياً وتأملياً.
ومع ذلك، فإن الهايكو المغربي لن يكون له موقع ولا معنى ما لم يمتح من ثقافتنا وأرصدة شعبنا من الرمزية والجمالية، ليكون جزءاً أصيلاً من الأدب المغربي، ويلتحم بالثقافة الإنسانية ليس كنسخة مكرورة، بل كاقتراح جمالي من ثقافة لها خصوصياتها وصيغها الروحية والمعرفية. على سبيل المثال، يمكن للهايكو المغربي أن يعبر عن جمال الطبيعة في الأطلس، أو رمزية الزهور كزهرة الزعفران والحناء، أو حتى مشاهد الحياة اليومية البسيطة، مما يخلق تجربة شعرية تتماشى مع ذائقة القارئ المغربي وتستمد قوتها من واقعنا المحلي.
كما يطرح الأستاذ سامح درويش، أو الأستاذ نورالدين ضرار، فإن أهم خصوصيات الهايكو المغربي، أو العربي عموماً، تتجلى في وجود نفحة غنائية وجرعة من المجاز، وحضور ذات الشاعر بشكل أقوى مقارنة بباقي تجارب الهايكو العالمية. ويضاف إلى ذلك الخروج على التوزيع الإيقاعي المعروف في اليابانية (5/7/5)، نظراً لخصوصية اللغة العربية.
ورغم المعارضة الشرسة التي حاولت أن تتصدى لهذا الجنس الأدبي باعتباره دخيلاً على الهوية المغربية، أعتقد أنه أصبح له مكانة خاصة في الأدب المغربي. يمكن لهذا اللون الأدبي أن يثري ثقافتنا بإضافة أسلوب جديد يتناسب مع قيم التأمل والجمال في الحياة اليومية. إن انفتاح الشعراء المغاربة على أنواع أدبية مختلفة يساهم في إثراء المشهد الثقافي، وأرى أن الهايكو، رغم بساطته، قد يحمل عمقاً يجذب القارئ المغربي ويعزز من تجربته الجمالية.

5. التجربة المسرحية:

كيف أثرت مشاركتك في مسرح الهواة وتصميم الديكور على نظرتك للفنون الأدائية؟ وهل ترى أن المسرح ما زال أداة فعالة للتعبير عن القضايا الاجتماعية والثقافية في المغرب
******

مشاركتي في مسرح الهواة وتصميم الديكور كانت تجربة عميقة الأثر، وساهمت بشكل كبير في تشكيل نظرتي للفنون الأدائية. العمل في المسرح لا يقتصر على تقديم النصوص أو الأداء، بل يمتد ليشمل كل التفاصيل الدقيقة التي تتكامل لصياغة عالم خاص ينبض بالحياة على خشبة المسرح. تصميم الديكور كان فرصة لتجسيد النصوص بصرياً، واكتشاف تأثير الفضاء والألوان والأشكال على المتلقي. لقد أدركت من خلال هذه التجربة أن المسرح هو فن متعدد الأبعاد؛ فهو يمزج بين الكلمة، والصورة، والحركة ليشكل تجربة حية ومؤثرة قادرة على نقل الرسائل وإثارة التأمل لدى الجمهور.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن المسرح المغربي في الآونة الأخيرة يعاني من تراجع ملحوظ مقارنة بفترة الرواد أمثال الطيب الصديقي، وثريا جبران، والطيب لعلج، وعبد الجبار لوزير، ومحمد بلقاس، وغيرهم رحمهم الله. هؤلاء الأسماء الكبيرة تركوا إرثاً مسرحياً غنياً، إذ أسسوا لمدرسة مغربية في المسرح قوامها النصوص العميقة، الأداء المتقن، والرؤية الإبداعية التي كانت تعكس القضايا المجتمعية والثقافية بروح نقدية وجمالية. كان مسرحهم شاهداً على العصر، ووسيلة لتوثيق التحولات التي مر بها المجتمع المغربي، مما جعلهم قدوة للأجيال القادمة.
لكن ما نلاحظه اليوم قد يكون مرتبطاً بعدة عوامل: أزمة نصوص تفتقر إلى العمق والتجديد لمجاراة تعقيدات العصر، أزمة ممثلين يفتقرون إلى العمق والخبرة التي ميزت الجيل السابق، وأيضاً تراجع الدعم المادي والمؤسسي للمسرح. ومع ذلك، لا يعني ذلك غياب محاولات جادة لتجديد المسرح المغربي. لا يزال هناك من يسعى، رغم التحديات، لتقديم أعمال تعكس نبض الشارع المغربي وتتناول قضاياه بطرق إبداعية ومعاصرة، مستفيدين من التكنولوجيا الحديثة والرؤية التجريبية لإغناء التجربة المسرحية.
إنني أؤمن أن المسرح المغربي، رغم أزماته، قادر على النهوض من جديد إذا ما تم الاستثمار في تكوين جيل جديد من الممثلين والمخرجين، وتشجيع الكتابة المسرحية التي تمزج بين الجمالية الفنية وطرح القضايا الراهنة. المسرح يبقى أداة لا غنى عنها للتعبير عن هموم المجتمع وتجديد الوعي الثقافي، شرط أن يتجدد في محتواه وأسلوبه ليواكب متطلبات المرحلة. وكما كان المسرح المغربي في الماضي مرآة للمجتمع، يمكنه اليوم أن يعود ليكون مساحة للتأمل والحوار والتغيير.

6. النقد الأدبي:

من خلال قراءاتك النقدية لعدد من الأعمال الأدبية، كيف تقيم التجربة الأدبية المغربية الحالية؟ وما هي المعايير التي تعتمدها عند تقديم قراءات نقدية؟
*******

عندما أتأمل التجربة الأدبية المغربية الحالية، أجدها مثل فسيفساء نابضة بالألوان، تجمع بين الماضي العريق والواقع المتغير. إنها تجربة غنية بالتنوع الثقافي واللغوي، حيث تنبض نصوصها بالبحث عن الهوية والتحولات المجتمعية. بين العربية والأمازيغية والفرنسية، يجد الكاتب المغربي أفقًا واسعًا للتعبير، ما يجعل أدبه فريدًا في السياقين العربي والعالمي.
من بين أبرز سمات هذه التجربة نجد الانفتاح على التجريب، سواء في السرد أو الشعر، حيث لا يكتفي الكاتب المغربي بمعالجة القضايا الواقعية بل يسعى أيضًا لإعادة تشكيلها بأساليب رمزية وحداثية. ومع ذلك، تواجه هذه التجربة بعض التحديات، مثل ضعف الانتشار العربي والدولي، وغياب الدعم المؤسساتي الكافي لاكتشاف وتشجيع الأصوات الجديدة.
القراءة النقدية: بين التأمل والانطباع
غالبًا ما تأخذ قراءاتي النقدية شكل ورقات عاشقة، تسافر مع النصوص في رحلة تأملية وانطباعية. فأنا لا أتعامل مع النص كموضوع للتحليل فقط، بل كشريك في تجربة إنسانية شعورية. أبحث في النصوص عن نبضها الإنساني، وأتوقف عند جماليات اللغة، والتقنيات السردية، والتجديدات الإبداعية.
بين كل قراءة وأخرى، أحرص على الانسجام مع النص، متأملًا قضاياه ومحاورًا رموزه، مع ترك مساحة للتساؤلات والانطباعات التي يثيرها في داخلي. بالنسبة لي، النص الأدبي ليس فقط انعكاسًا للواقع، بل نافذة تطل على عوالم شاسعة من الخيال والتأمل.
إن الأدب المغربي اليوم، رغم تحدياته، يمثل بستانًا متنوعًا يحتاج إلى من يعشقه ويكتشفه بعمق. ومن خلال قراءات نقدية عاشقة ومتأنية، يمكننا المساهمة في إضاءة هذه التجارب وتعزيز حضورها في المشهدين العربي والعالمي.

7. الإصدارات المشتركة:

شاركت في عدة دواوين شعرية مشتركة. ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه الأعمال المشتركة في تعزيز روح التعاون والتواصل بين المبدعين؟ وهل تجد أن هذه التجربة قد ساهمت في تطوير موهبتك الشخصية؟
*********

لقد كانت مشاركتي في عدة دواوين شعرية مشتركة تجربة غنية ومثمرة، حيث لعبت هذه الأعمال دورًا مهمًا في تعزيز روح التعاون والتواصل بين المبدعين. عندما يتجمع مجموعة من الشعراء أو الكتاب من خلفيات وتوحهات واساليب حياة متنوعة، يتسنى لهم تبادل التجارب والأفكار التي قد لا تكون في متناولهم لو عملوا بمفردهم. في هذه البيئة التفاعلية، ينشأ نوع من الحوار الأدبي الذي لا يقتصر فقط على التحفيز والابداع، بل يساعد أيضًا في بناء شبكة من العلاقات الأدبية التي تعزز التواصل المستمر وتبادل الخبرات.
المشاركة في هذه الأعمال الجماعية تعني أيضًا الانفتاح على أساليب وأفكار جديدة، مما يعزز قدرتنا على التكيف مع التنوع الأدبي. من خلال العمل مع آخرين، يمكن لكل مبدع أن يتعرض لرؤى وأساليب قد تكون بعيدة عن مجاله الشخصي، مما يفتح له آفاقًا للاكتشاف رؤية جديدة . في الواقع، هذه التجارب تساهم في توسيع آفاقنا الفنية، وتجعلنا نرى الأدب والشعر من زوايا مختلفة.
أما فيما يتعلق بتطوير الموهبة الشخصية، فإن هذه التجربة قد كانت محفزًا قويًا بالنسبة لي. من خلال التعاون مع مبدعين آخرين، تمكّنت من تحدي حدودي الإبداعية والتعامل مع مفاهيم جديدة لم أكن لأفكر فيها بمفردي. بالإضافة إلى ذلك، من خلال هذه المشاريع المشتركة، تعلّمت كيفية تحسين مهاراتي الأدبية سواء على مستوى بناء النصوص أو تقنيات الكتابة، ووجدت نفسي أكتسب أبعادًا جديدة لشخصيتي الأدبية.
أكيد إن العمل الجماعي يعزز بشكل كبير القدرة على التكيف الفني والمرونة في التعامل مع الموضوعات المختلفة. بالإضافة إلى ذلك، يعطيني فرصة لفهم نقاط قوتي وضعفي في أسلوبي، مما يعينني في تطوير صوتي الأدبي بشكل أكثر تميزًا وثراء. لذلك، يمكنني القول بكل يقين أن هذه التجارب المشتركة قد ساهمت بشكل كبير في صقل موهبتي وتطويرها.

8. المشروع الثقافي القادم:

لديك مشروع ثقافي شامل يشمل الشعر المعرب والزجل والقصة القصيرة. كيف تعمل على تحقيق التوازن بين هذه الأجناس الأدبية؟ وما الذي يمكن أن يتوقعه القارئ من هذا المشروع؟
******

حسب ما فهمت من سؤالكم، هل أعمل على تحقيق التوازن بين الشعر المعرب، والشعر العامي (الزجل)، والقصة القصيرة، نعم مع اضافة حتى الفن التشكيلي ، وهذا يتطلب مني فهمًا عميقًا لطبيعة كل جنس أدبي وأهدافه.
في مشروعي الثقافي، أسعى إلى استخدام كل نوع كأداة للتعبير عن قضايا إنسانية مشتركة، لكن من زوايا مختلفة. قد يكون الشعر المعرب نافذتي لملامسة الجانب الدلالي والرمزي، بينما الزجل يُقرّبني من نبض الحياة اليومية ووجدان الناس، والقصة القصيرة تُتيح لي سرد الحكايات بأسلوب يجمع بين الخيال والواقع.
أما بالنسبة لوقع هذه الكتابات على المتلقي، فلا يمكنني التنبؤ أو التحكم في ردود الأفعال. البعض سيجد فيها صدى لأفكاره وأحاسيسه، والبعض قد ينتقدها أو يراها غير قريبة من اهتماماته، وهناك من قد يمر بها دون اكتراث. وهذا التعدد في التلقي طبيعي، بل صحي، لأنه يعكس تنوع الذائقة الثقافية والاختلافات الفردية. الأهم بالنسبة لي هو أن أظل صادقًا في رؤيتي الأدبية، وأن أواصل تقديم نصوص تحمل قيمة فنية وفكرية، تاركًا الحكم النهائي للقارئ.
ما يمكن للقراء أن يتوقعوه من هذا المشروع هو نصوصٌ تحمل تنوعًا يُشبه الحياة نفسها، حيث يمتزج فيها العمق والبساطة، الحلم والواقع. نصوصٌ تفتح الأبواب للأسئلة وتضيء زوايا للتأمل، أكثر مما تقدم أجوبة جاهزة. إن الأدب في نظري ليس مرآةً تعكس الواقع فقط، بل هو نافذةٌ مفتوحة على عوالم الاحتمالات، ووسيلةٌ لإلهام القارئ ودفعه نحو التفكير والتغيير.
وأؤمن أن الإبداع الحقيقي يكمن في القدرة على الجمع بين هذه الأشكال الأدبية في مشروع واحد دون أن يفقد أي منها خصوصيته. هذا التحدي هو ما يمنحني الدافع للاستمرار في الكتابة، فأنا أرى أن الأدب ليس مجرد انعكاس للواقع، بل وسيلة لتغييره عبر إلهام القارئ ودفعه للتفكير.
وفي النهاية، يظل الهدف الأسمى من مشروعي هو بناء جسور بين النصوص والمتلقين، بحيث يجد كل قارئ فيها جزءًا من ذاته أو نافذة يطل منها على عوالم جديدة. الأدب هو مساحة للحوار الإنساني العميق، وأتمنى أن يكون مشروعي جزءًا من هذا الحوار الذي يثري أرواحنا ويمنحنا أفقًا أوسع للتأمل والإبداع.

9. النقد الفني والتشكيلي:

باعتبارك ناقدًا أيضًا، كيف تتعامل مع النقد الفني في الفن التشكيلي؟ وهل هناك مدارس فنية معينة تجد نفسك منجذبًا إليها أثناء تقييم الأعمال التشكيلية؟
*******
إذا كان السؤال يتعلق بكيفية تعاملي مع النقد الفني في الفن التشكيلي، فإني أحب أن أوضح أنه في الحقيقة، أنا لست ناقدًا أكاديميًا. كما سبق لي أن ذكرت، أنا ببساطة من القراء العاشقين والمتأملين لأي عمل فني، أنظر إليه من خلال عيوني المرهفة المتعطشة للجمال والتعبير. لا ألتزم بمدرسة فنية معينة، فمدرستي الخاصة هي الألوان، القماش، والفرشات. في كل مرة أواجه فيها عملًا فنيًا، لا أبحث عن رؤية مسبقة أو تحليل فكري معقد. بل أتفاعل معه مباشرة وبطريقة عفوية، دون تأثيرات أو توقعات سابقة، وكأنني في كل مرة أمام عمل جديد وعالم مختلف يفرض نفسه عليّ.
ما يعنيني هو الحضور البصري واللمسي للعمل، وتفاعل الألوان على القماش، وكيف تلتقي الفرشات لتخلق جمالًا له عمق وإحساس. يمكنني قراءة المشاعر والانطباعات من خلال تلك الحركات والألوان، وكل شيء بالنسبة لي يعتمد على الإحساس الشخصي بما يثيره العمل من مشاعر، سواء كان ذلك الشعور وجداني أو تأملي انطباعي.
اضافة الى ماسبق فالفن المفاهيمي، يتخطى الشكل التقليدي والجميل للوحة ليترك مساحة أكبر للفكرة والتأويل. في هذا النوع من الفن، أستمتع بفحص العلاقة بين الفكرة والمفهوم البصري. أرى أن الفن المفاهيمي يحمل قوة خاصة، لأنه لا يقدم جمالًا بقدر ما يقدم سؤالًا يدفعني للتفكير والتأمل، ليغرقني في عمق الفكرة التي يقترحها. لا تسير الأمور كما هو معتاد في الفن التقليدي، بل يتخطى العمل حدود الصورة ويأخذني في رحلة فكرية نحو عالم من الأسئلة التي لا تنتهي، والتي تتيح لي اكتشاف أبعاد جديدة ومعاني متعددة في كل زاوية من زواياه.
هذه هي طريقتي في التعامل مع النقد الفني، فالمعيار بالنسبة لي هو التواصل العاطفي والفكري الذي يحدث بيني وبين العمل، وليس التقيد بالقوالب الأكاديمية أو المدارس الفنية المحددة.

10. الصالونات الأدبية والمشاركة في الملتقيات:

شاركت في العديد من الملتقيات والصالونات الأدبية. كيف ترى دور هذه الفعاليات في تعزيز الحركة الثقافية بالمغرب؟ وما هي أبرز النقاشات التي أثارت اهتمامك أثناء هذه المشاركات؟
*******

أكيد الصالونات الأدبية والملتقيات الثقافية تلعب دورًا أساسيًا في تعزيز الحركة الثقافية بالمغرب، حيث تشكل منصات لتبادل الأفكار والآراء بين المثقفين والمهتمين بالشأن الأدبي والفكري. من خلال تجربتي كمشارك وكحضور في العديد من هذه الفعاليات، أستطيع أن أؤكد أن هناك تفاوتًا في نوعية اللقاءات وجودتها من حيث التنظيم والمحتوى.
هناك بعض اللقاءات التي تتميز بجو ثقافي راقٍ، وخاصة عندما تكون الأمسيات أدبية بحتة، حيث يتواجد كُتّاب وشعراء وروائيون يعرضون أعمالهم ويناقشون قضايا أدبية وفكرية في جو غني ومثمر. هذه الفعاليات تُنظّم بشكل جيد، مما يُتيح للحضور التفاعل مع الأدباء وفهم أعمق لأفكارهم وآرائهم، كما توفر بيئة تُحفز التفكير النقدي وتوسيع الأفق الثقافي.
من ناحية أخرى، هناك لقاءات تجمع بين الأدب والتكريم والطرب، وغالبًا ما يتم ضغط الفقرات في برنامج مكتظ، مما يؤدي إلى نوع من الارتباك وفقدان التركيز على الأدب نفسه. هذه اللقاءات غالبًا ما تشهد حضورًا واسعًا من الأشخاص الذين يأتون لتكريم أصدقائهم أو للاستمتاع بالعروض الغنائية أو الترفيهية، مما يقلل من قيمة النقاش الأدبي ويشتت الحضور عن الهدف الثقافي الأسمى للملتقى. في هذه الحالة، يُمكن أن يصبح اللقاء أكثر مناسبة اجتماعية أو ترفيهية، مما يعطل جوهر الفعالية الأدبية والفكرية.
بالتالي، يمكن القول إنه إذا تم تنظيم الملتقيات الثقافية بشكل متوازن بين الأنشطة الثقافية والاجتماعية، فستساهم بشكل كبير في تعزيز الحركة الثقافية في المغرب. مثل هذه اللقاءات توفر فرصة للأدباء والجمهور للتفاعل وتبادل الأفكار، مما يعزز الوعي الثقافي ويساهم في نشر الأدب والفكر المغربي.

11. الشعر والمقاومة:

قمت بتحقيق وتقديم المخطوط الشعري للمرحوم مولاي العربي العلوي المدغري، أحد رموز المقاومة. كيف ترى العلاقة بين الشعر والمقاومة؟ وهل يمكن للشعر أن يظل صوتًا للمقاومة في العصر الحديث؟
*****

فعلا كان لي شرف تحقيق المخطوط الشعري للمرحوم مولاي العربي العلوي المدغري . المرحوم كانت له شخصية المفكر المبدع والمقاوم والبطل , والسياسي الذكي
وذلك بفضل رحلته العلمية التي بدأت في الكتاب , حيث تلقى مبادئ الكتابة والقراءة فحفظ القران مبكرا , ثم نقله والده للمدرسة الابتدائية و الثانوية , بعدها التحق بجامع القرويين , حيث درس على يد عدد من العملاء الكبار علوما متعددة حصل على الشهادة العالمية ,واصبح أستاذا مبرزا فيها وانطلاقا مي مسيرته العلمية ,تشبع فكره بالعمل السياسي على يد العلامة الشيخ ابي شعيب الدكالي , الذي كان من قادة ورموز العمل الوطني في المغرب وبذلك انخرط في العمل الوطني المغربي لمقاومة الاحتلال الفرنسي , وانطلقت منذ ذلك مسيرته المباركة في هذا الجهاد فكونوا هو وزملائه في الكفاح حركة وطنية اطلقوا عليها اسم” جمعية القروين لمقاومة المحتلين” بعدها اسسوا حزب الاستقلال الذي تراسه رفيقهم في الكفاح المرحوم العلامة علال الفاسي وكان همهم الوحيد هو القضاء على المحتل الفرنسي وتحرير البلاد من الخرفات والطرقية وحلفاء المستعمر الفرنسي وعملائه , فضحوا من اجل ذلك بالغالي والنفيس الى ان وافته المنية عام 1949 بسبب التعذيب الذي تلقاه من المستعمر الفرنسي.
مولاي العربي العلوي المدغري لم يكن فقط مناضلًا ضد الاستعمار بل رمزًا للفكر النير والشاعر الملهم الذي يُسهم في تحرير العقول قبل تحرير الأوطان. قصته تلهمنا بأهمية الجمع بين العلم والعمل لخدمة القضايا الوطنية.
وانطلاقا من هنا يحق لنا القول
ان العلاقة بين الشعر والمقاومة علاقة متجذرة وراسخة عبر التاريخ، حيث كان الشعر دائمًا أداة للتعبير عن التمرد والرفض والطموح نحو الحرية. الشعر يتجاوز كونه مجرد كلمات جميلة إلى كونه وسيلة فعالة لإثارة الوعي الجمعي، وتحفيز الشعوب على النضال، وبث روح الصمود في وجه الظلم.

الشعر كصوت للمقاومة في الماضي:
كان الشعراء، مثل مولاي العربي العلوي المدغري، يحملون راية المقاومة الثقافية والفكرية إلى جانب المقاومة العسكرية والسياسية.
في ظل الاستعمار، لعب الشعر دورًا كبيرًا في فضح ممارسات الاحتلال، وحفظ الهوية الوطنية، وبث الحماس في صفوف المناضلين.
القصائد الوطنية تحولت إلى شعارات تُردد في المظاهرات وأغاني تُلهم الحركات التحررية.

الشعر والمقاومة في العصر الحديث:
استمرار الدور: لا يزال الشعر أداة فعالة للمقاومة، لكنه تطور ليصبح أكثر شمولية، متناولًا قضايا جديدة مثل العدالة الاجتماعية، حقوق الإنسان، والبيئة.
التأثير الرقمي: بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن للشعر أن يصل إلى جمهور أوسع، مما يجعله صوتًا قويًا للتغيير.
الشعر الرمزي: في العصر الحديث، تطورت أشكال التعبير الشعري لتصبح أكثر رمزية وتأثيرًا في إثارة الوعي والتأمل العميق.

هل يمكن للشعر أن يظل صوتًا للمقاومة؟
نعم، الشعر قادر على أن يظل صوتًا للمقاومة، لأن المقاومة ليست فقط مواجهة عسكرية، بل هي صراع ضد كل أشكال الظلم والاضطهاد. الشعر يملك قدرة فريدة على تجاوز الحواجز الثقافية واللغوية، مما يجعله قوة ناعمة تسهم في التغيير.
الشعر والمقاومة وجهان لعملة واحدة، فالشعر يمنح المقاومة بُعدًا إنسانيًا وروحيًا. وفي العصر الحديث، يحتاج الشعراء إلى استغلال الأدوات الحديثة، مثل التكنولوجيا، لجعل قصائدهم صدى للمظلومين، وشعلة تضيء طريق الحرية.

12. الفلسفة والأدب:

درست الفلسفة في جامعة محمد الخامس، كيف أثرت هذه الدراسة على أسلوبك في الكتابة الشعرية؟ وهل للفلسفة دور في توجيه أفكارك الإبداعية بشكل عام؟
*******

دراستي للفلسفة في جامعة محمد الخامس كانت تجربة غنية ومحورية أثرت بشكل عميق في مسيرتي الإبداعية. الفلسفة لم تكن مجرد تخصص أكاديمي، بل نافذة لفهم أعمق للعالم، وساحة للتساؤل المستمر عن معانيه وتناقضاته. هذا التأثير انعكس بوضوح على كتاباتي الشعرية، حيث أصبح التفكير الفلسفي جزءًا من بنية النصوص التي أكتبها.
الفلسفة علمتني طرح الأسئلة قبل البحث عن الإجابات، والتقاط التفاصيل الدقيقة في التجارب الإنسانية لإعادة صياغتها شعريًا. في شعري، تجد جدلية بين المعنى واللامعنى، بين الأمل والعبث، وهي جدلية استلهمتها من التأملات الفلسفية. القصيدة لم تعد بالنسبة لي مجرد أداة للتعبير، بل مساحة للتفكير العميق والبحث عن الحقيقة.
أما على مستوى الإبداع بشكل عام، فقد ساعدتني الفلسفة على التحرر من القوالب التقليدية، وعلى النظر إلى العالم بعيون ناقدة ومستفسرة. الإبداع بالنسبة لي أصبح مزيجًا من العاطفة والتأمل، ومن التجربة والفكر. الفلسفة منحتني القدرة على تقدير الغموض والتناقض كجزء أساسي من العملية الإبداعية، مما يمنح النصوص عمقها ويجعلها قادرة على الاستمرار في تحدي القارئ وإثرائه.
باختصار، الفلسفة ليست فقط توجيهًا لأفكاري، بل هي وقود يغذي شعلتي الإبداعية، ومرآة أرى من خلالها كل كلمة أكتبها وكل فكرة أبدعها، لتبقى النصوص مساحة للتأمل والتجديد.

13. التوجهات المستقبلية:

كيف ترى تطور الزجل المغربي والشعر الحداثي في المستقبل؟ وما هي الخطوات التي يجب أن يتخذها الأدباء والمثقفون لضمان استمرارية التراث الأدبي المغربي في ظل التغيرات الثقافية العالمية؟
*****

مستقبل الشعر المغربي، سواء كان فصيحًا أو عاميًا (زجلًا)، يعتمد على قدرة الأدباء والمثقفين على التفاعل مع التغيرات الثقافية والتكنولوجية العالمية. من المحتمل أن يظل الزجل جزءًا مهمًا من التراث الشعبي، مع تطور أشكاله بفضل وسائل التواصل الاجتماعي التي تتيح له الوصول لجمهور أوسع. أما الشعر الحداثي، فيتوقع أن يتنوع من حيث الأسلوب والموضوعات، مع استمرار استلهام التراث الثقافي المغربي بطرق مبتكرة.

الخطوات المستقبلية:
1. التعليم: ضرورة إدراج الشعر الزجلي والحديث في المناهج الدراسية.
2. الأنشطة الثقافية: تنظيم مهرجانات وملتقيات لتشجيع الإبداع.
3. الترجمة: دعم ترجمة الأعمال المغربية للتعريف بها عالميًا.
4. الرقمنة: الحفاظ على التراث الأدبي الرقميًا لتعريف الأجيال الجديدة به.
هذه الجهود تضمن استمرار الشعر المغربي، وتسمح له بالازدهار في مواجهة التحديات المستقبلية. هذا رأيي الخاص وليس من منظور مفكر أو متخصص في المستقبليات.

14. دور الشباب في الثقافة:

كأحد المؤسسين لنادي رواد الإبداع وعضو في لمة المبدعين، كيف ترى دور الشباب في المشهد الثقافي الحالي؟ وما هي الرسائل التي توجهها للأجيال القادمة من المبدعين؟
******

بصفتي أحد المؤسسين لنادي “رواد الإبداع” وعضو في “لمة المبدعين”، أرى أن دور الشباب في المشهد الثقافي الحالي هو دور بالغ الأهمية، فالشباب اليوم يمثلون القوة الحيوية المحركة للثقافة في كافة أشكالها. طاقاتهم وإبداعهم لا حدود لهما، وهم قادرون على إحداث تحولات كبيرة في المشهد الثقافي والفني من خلال طرح رؤى جديدة وأفكار مبتكرة. إنهم لا يترددون في تحدي الموروثات الثقافية السائدة، بل يسعون إلى تقديم أعمال تُعبّر عن التوجهات الحديثة وتستجيب لتحديات العصر، مما يعزز التنوع الثقافي ويُسهم في تجديده.

الشباب اليوم هم جسرٌ بين الأصالة والمعاصرة، حيث يدمجون بين التراث الثقافي العريق والتطورات الحديثة، مما يساهم في خلق رؤية ثقافية جديدة تتجاوز حدود الزمن والمكان. وهذا يعكس قدرتهم على تقديم هوية ثقافية متجددة تتماشى مع مستجدات العصر، لكن دون أن تفقد ارتباطها بجذورها التاريخية. من هنا يمكن القول إن الشباب هم من يقودون عملية التحديث الثقافي بما يتلاءم مع متطلبات العصر الرقمي والعولمة.

أما بالنسبة للرسائل التي أوجهها للأجيال القادمة من المبدعين، فهي تتجسد في الدعوة إلى التمسك بالأصالة والصدق في العمل الفني، والتركيز على التجديد والابتكار. لا يجب على المبدع أن يساير التيارات السائدة أو ينحني أمام الضغوط التجارية، بل ينبغي أن يكون مخلصًا لرؤيته الفنية وأن يلتزم بالقيم التي يسعى لإيصالها. إن القدرة على التفكير النقدي والإبداعي تمثل قوة حقيقية يمكنها التأثير في المجتمع بشكل إيجابي.

كما أنني أشدد على أهمية التعاون بين الأجيال المختلفة من المبدعين، إذ أن تبادل الخبرات بين الشباب وأصحاب التجارب السابقة هو مفتاح لبناء مشهد ثقافي غني ومتعدد. وفي الختام، أوجه دعوتي لكل مبدع شاب للاستمرار في التجريب، والتحدي، والابتكار، لأن الثقافة الحية لا يمكن أن تكون إلا في بيئة من التغيير المستمر والإبداع المفتوح.

في ختام هذه اللحظة الجميلة، لا يسعني إلا أن أعبر عن بالغ شكري وامتناني للقائمين على فقرة “سيرة ومسار” ومجلة “الأفق المغربي”، على هذه المبادرة الرائعة التي تسعى إلى التعريف بعشاق الكلمة من شعراء وكتّاب وروائيين وفنانين.
إن هذه المبادرة تمثل خطوة هامة نحو نشر الثقافة وتعزيز التواصل بين المبدعين، فهي تسلط الضوء على أصحاب المواهب وتفتح لهم آفاقًا أوسع لتحقيق تأثير أكبر في المشهد الأدبي والفني. شكراً لكم على إتاحة هذه الفرصة الثمينة لنا جميعاً، وأتمنى لكم دوام التوفيق والنجاح في مسيرتكم المستمرة نحو نشر الثقافة والإبداع في كل أنحاء الوطن.
مع خالص تمنياتي بالتقدم والتميز، وبالاستمرارية في هذا العمل المبدع.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :