برنامج سيرة ومسار يستضيف الأستاذة [حليمة حريري بين الشعر والإبداع، رحلة من الإلهام والتحدي]

كتب : الثلاثاء، 03 ديسمبر 2024 - 1:41 م مجتمع

اعداد محمد احمد الطالبي..

اخراج حسن بوسرحان..

في هذه الحلقة، نغوص في عالم الشاعرة المغربية حليمة حريري، التي تمثل نموذجًا حقيقيًا للإبداع المستمر والتميز الأدبي. بداية من عوالمها الشعرية التي تجمع بين عمق التجربة الإنسانية وأبعاد التراث، وصولًا إلى إسهاماتها الثقافية في الإذاعة والمجتمع. تعرفنا من خلالها على رحلة شاقة لكنها ملهمة، حيث يتنقل قلمها بين الهايكو والشعر الفصيح والزجل، محاكية الواقع بكل تفاصيله دون أن تفقد رونق الحلم. هذه الحلقة تقدم لنا لمحة عن سيرة ومسار هذه الشاعرة التي لا تكتفي بنقل الكلمة، بل تسعى لتغيير الواقع وتجديد الفكرة من خلال مفرداتها البسيطة التي تحمل في طياتها رسائل عميقة.

سيرة الشاعرة حليمة حريري

ـ شاعرة
ـ مواليد الدار البيضاء
ـ حاصلة على تعليم جامعي
ـ موظفة بالقطاع العام
ـ رئيسة الجمعية المغربية للإبداع والتضامن
ـ معدة ومقدمة لبرنامج “إطلالة على التراث” وبرنامج “طريز لحروف” بإذاعة صوت ورزازات

أبرز إصداراتها: • “غربة الروح”.. ديوان شعر (منشورات دار آفاق بمراكش، 2018)
• “حواس الليل”.. ديوان شعر (مطبعة بلال، 2020)
• “ظلال الهبوب”.. مجموعة شعرية (دار ومضة للترجمة والنشر، 2021)
• “شي كلام ف شوني”.. مجموعة زجلية (مطبعة بلال، 2023)
• “على حافة الصراخ”.. إصدار 2024
• قيد الطبع: ديوان “ما بعد الهبوب”
• مجموعة قصصية “مفردات قديمة على هامش الزمن”

كتاباتها:

تنشر مقالات تراثية في مجلات عربية مثل “مجلة صدى الريف” العراقية وغيرها، بالإضافة إلى جرائد وطنية.

برنامج “سيرة ومسار” يهدف إلى تسليط الضوء على رحلات المبدعين، وطموحاتهم، وصراعاتهم، ليكون نافذة للجمهور لاكتشاف عالم هؤلاء المبدعين والمساهمة في فهم مساراتهم الفكرية والإبداعية.

1/مسار الإبداع الشعري
كيف بدأت مسيرتك الشعرية؟ وهل كان هناك حدث أو شخص معين ألهمك للكتابة والإبداع؟

الكتابة سبيلنا نحو تحقيق السلام الداخلي، وأداتنا لتنظيم ما نعيشه من فوضى، ولما تتيحه من سرد لرحلة شاقة حتى تكتمل. خطواتنا في الحياة تمر كحلم يستكين داخل دهاليز الذاكرة، نرنو إليه كلما مر في المخيلة طيف أيام مضت لن تعاد، تجري كنهر دونما توقف.

من حيّ معدمٍ من أحياء المدينة الغول، مدينة الدار البيضاء، انطلقت صرخة أبجدية عشتها في سفر لا ينتهي. من هناك كانت خطوة البداية، فلكل شيء بداية نستحسنها بكل ما لها وما عليها، تحقق للذاكرة تاريخًا يرسم خطى لسفر في المجهول؛ سفر لا يستكين، لا يتوقف، لا ينتهي.

فتحتُ عينيّ في أحضان أسرة متواضعة، مكونة من أب جزار وأم عصامية تمارس الخياطة، وإخوة كانوا جزءًا من هذا النسيج الأسري. والدتي، رحمها الله، كان لها الفضل في شغفي بالقراءة. ربما كانت أول إرهاصات الكتابة من هناك، من حضن أمي التي كانت شغوفة بالقراءة. البداية الفعلية كانت خلال المرحلة الثانوية، حين شاركت في مسابقة لكتابة سيناريو لفيلم قصير عن الجفاف وأهمية الماء. تجربة استحسنها أساتذتي وشجعتني على مواصلة المسير.

القراءة، كما أحيانًا تفعل، وجهت شغفي نحو الإبداع. قرأتُ لأعلام الشعر الحديث، وترك الشاعر عبد الله راجع أثرًا كبيرًا في رؤيتي الشعرية لما اتسمت به قصيدته من جموح جعل من الإبداع صوتًا للتنديد خلال سنوات القمع. ربما لهذا السبب، أو لأنه تنبأ بولادة شاعرة، ظل لقاء عابر معه على أعتاب الجامعة في أمسية حول الشعر وقضاياه الإنسانية والقومية محفورًا في ذاكرتي. خلال تلك الأمسية، قرأتُ أول نصوصي الشعرية، وكانت قصيدة بعنوان غياهب فنجان.

تأثرتُ كذلك بالأديب الإنجليزي جون ميلتون، الذي حاول من خلال الفردوس المفقود والفردوس المستعاد البحث عن إجابات لتساؤلات وجودية، مثل: هل الموت يطهر الإنسان من شهواته؟ كما قرأتُ مجموعة كبيرة من الروايات، بدءًا بروايات جورجي زيدان، ونجيب محفوظ، ويوسف السباعي، ما جعل القصة حاضرة في جلّ قصائدي، فيما يعرف بالقصيدة-القصة. وهذا النوع لا يتأتى إلا لمن له شغف بالسرد، إذ تتكامل الأشكال الفنية، تمامًا كما أن الحياة محطات تجعل للكتابة رائحة خاصة.

تلك القراءات كانت نبراسًا أهتدي به قبل أن أستقل بأسلوبي ورؤيتي، مما أكسب تجربتي خصوصية يشهد بها نقاد قرأوا بعض نصوصي.

2/التطور الأدبي في العالم العربي
كيف ترين تطور الشعر العربي في الفترة الأخيرة؟ وهل تجدين أن هناك تحديات جديدة تواجه الشعراء في ظل التغيرات الاجتماعية والثقافية؟

الكتابة فعل جرأة صادقة، ومن لا يمتلكها لا يمكنه أن يكتب. ولأن الكاتب يحمل عبء راهنه السياسي والاجتماعي، فلا يمكن أن تكون هناك كتابة جيدة بمعزل عن الواقع. فالكاتب هو لسان حال واقعه، وكل عصر يمنح المبدع ما به ينبهر أو يتمرد، حيث يتلقى معطًى جاهزًا يصوغه عبر اللغة.

لذلك، يكون الإبداع رهينًا بشرطين أساسيين: اللغة والحدث، بالإضافة إلى رؤية الكاتب التي تحدد مشروعه الفكري، وغاية كتابته، وطريقته في طرح المواضيع، سواء كانت فكرية أو اجتماعية. بهذا، يصبح الإبداع بكل أنماطه أداة تعبير وتغيير، تعبر عن القبح وتسعى إلى التغيير وتنوير المجتمع بكل شرائحه.

أما الكاتب العربي، فهو الآخر داخل هذه الدائرة، محمّل بواقع خارجي يعكسه بكل تجلياته.

 

3/التوازن بين الشعر الفصيح والزجل
كيف توازنين بين الشعر الفصيح والزجل في أعمالك؟ وهل لديك رؤى خاصة حول الفرق بينهما من حيث التعبير والتأثير؟

الشعر، بشقيه الزجل والفصيح، هو ذلك البساط السحري الذي يركب جنونه التائه، الفيلسوف، الناسك المتصوف، والثائر العاشق للشعر. إنه سلطة تجثم على الروح، وعندما تفعل ذلك، لا يهم حينها إن كنا سنعبر بالفصيح أم بلسان الحال.

إنها اللحظة التي تحكمنا، لحظة الاقتناص التي نبني داخلها أشياءنا الرقيقة والمدهشة.

 

4/المرأة والزجل
الزجل يُعتبر لوناً شعرياً يعبر عن الثقافة الشعبية بطرق قريبة من الواقع.
كيف تجدين موقع الكتابة الزجلية النسائية في المشهد الأدبي اليوم؟ وهل استطاعت الشاعرة الزجلية أن تكون لساناً حقيقياً للمرأة المغربية والعربية؟

ما تشهده الساحة الإبداعية عامة من حراك ديناميكي بمنجزات أدبية نسائية، يدل على انتشار الإبداع النسائي. وإن كانت كلمة “نسائي” يُوضع تحتها خط أحمر عريض، لأن الإبداع ليس حكراً على الرجل. الإبداع هو فعل الخلق، سواء أكان صادراً من رجل أم امرأة.

هذا التقسيم، في حقيقته، ليس سوى تكريس للفوارق بين المرأة والرجل، وهو ضرب لقيمة الإبداع ذاته. فالإبداع لا وطن له، ولا قومية، ولا تقسيم جنسي، ولا مجال للاحتكار فيه. ومع ذلك، استطاعت المرأة أن تتبوأ مكانة بارزة داخل المشهد الثقافي، وأن تدخل مجال المنافسة الإبداعية بقوة، مقدمةً صورة مذهلة عما تمتلكه من مقومات إبداعية تجعلها تتصدر المجال الإبداعي بكل أصنافه.

لقد نفت هذه الإنجازات الصورة النمطية التي حاول المجتمع الذكوري تكريسها، باعتبار المرأة وُجدت فقط للعناية بالآخر. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوز ذلك إلى التشكيك في قدرة المرأة على الإبداع.

أما الحديث عن الزجالة المغربية، أو ما يُطلق عليه “الزجل النسائي” كنمط إبداعي، فلا يمكن أن يتم بمعزل عن هذا الحراك. وأول ديوان في هذا السياق هو “رباعيات نساء فاس”، الذي جمع قصائد عاطفية تغنت بها نساء قرويات. وقد أخضعن المتن الشفهي لتأملات جريئة طرحت الأسئلة وناقشت الهموم اليومية داخل نصوص متكاملة، عميقة في تأملاتها.

5/ التعبير عن قضايا المرأة في الزجل
هل تجدين أن الزجل هو أداة فعّالة للتعبير عن قضايا المرأة في المجتمع؟ كيف تدمجين هذه القضايا في قصائدك الزجلية، وما هي المواضيع التي تثير اهتمامك في هذا السياق؟

الشاعر ابن بيئته، ومنها يستمد رؤيته ويحدد علاقته بالآخر وموقفه من المجتمع. ولكل شاعر طريقته الخاصة في تطويع المعطى الواقعي، وفقاً لقدراته الشعرية والشعورية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأمر يتوقف على ما إذا كان هذا الشاعر أو الشاعرة يكتب للكتابة فقط، أم أنه مسكون بالسؤال عن إكراهات الحياة ومعضلاتها.

يبقى الشاعر، من خلال أشعاره، حاملاً رسالة تتحدى صعوبات الحياة ومعجزاتها، ساعياً إلى التعبير عن رؤية أعمق للوجود والإنسان.

6/الكتابة في زمن الاستهلاك السريع
في ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي وثقافة الاستهلاك السريع للمحتوى، كيف تؤثر هذه الظاهرة على الإبداع الأدبي؟ وهل تجدين عزوفاً عن القراءة العميقة والشعر التقليدي؟
إن للقراءة سحراً عظيماً ينشأ بفعل العلاقة الحميمة التي تتكون بينك وبين الكتاب، تلك العلاقة الوجدانية التي تجعل من القراءة تجربة فريدة وإحساساً لا يضاهيه أي فعل آخر. الكتاب يبث طاقة مغناطيسية تمر عبر ملامسة الجسد للورق، إحساس يتجاوز الزمن.

مع الأسف، هذا الفعل فقد الكثير من بريقه في ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، مما أدى إلى انزواء الكتاب، بعد أن كان لغة التواصل بين الشعوب والناطق الرسمي باسم الحضارات. يبقى السؤال مطروحاً: هل يمكن أن تترسخ المعلومة بغياب ملكة البحث والجهد العقلي؟

في ظل تفاصيل الحداثة وحالة اللاوعي التي يعيشها الإنسان المعاصر، مع انشغاله الدائم وإبحاره غير المتوقف في العالم الرقمي الأزرق، يخوض الكتاب معركة غير متكافئة للحفاظ على مكانته. ورغم ذلك، سيظل الكتاب على عرش المعرفة. لكن ماذا لو خضنا معركة جديدة؟ معركة تجعل من هذا الفضاء الأزرق وسيطاً لتحبيب القراءة نفسها، سعياً لملء الفراغ الفكري والثقافي، وتغيير السلوكيات السلبية التي تفقد القراءة قيمتها.

أما فيما يخص التطور السريع وتأثيره على الأدب نثراً وشعراً، فمن الواضح أن التكنولوجيا أحدثت تغييرات هائلة في شكل الأدب ومضمونه. فقد تفاعل الأدب مع موجة الاستهلاك السريع، وظهرت أشكال جديدة مثل القصة القصيرة جداً، وقصيدة الهايكو بقالبها الحديث، وما يسميه الغربيون بـ”أدب القطار”، و”أدب الدردشة”، و”النص القابل للاستهلاك السريع” (Jetable).

كل ذلك يعكس تأثراً عميقاً بتكنولوجيا الإعلاميات، ما يفتح نقاشاً حول كيفية استثمار هذه الأشكال الجديدة لتطوير الأدب، مع الحفاظ على جوهره وأصالته.

7/الأسئلة حول تجربتك الشخصية والإبداعية:
المرأة في الشعر المغربي المعاصر: كيف ترين دور المرأة الشاعرة في الأدب المغربي المعاصر؟ وهل تجدين أن هناك تحديات خاصة تواجه الشاعرات مقارنة بالشعراء الرجال؟

علاقة المرأة بالشعر قديمة تعود إلى الجاهلية و مرحلة الدعوة الإسلامية و قد ظهرت شاعرات معروفات في العصر العباسي وفي الأندلس..
أما حديثا فهناك شاعرات أثرن في مسيرة الشعر نفسه من أمثال نازك الملائكة ومي زيادة.
ولا ننسى بعض الأسماء في المغرب مثل خناثة بنونة و مالكة العاصمي ، وغيرهما، أما الآن وبفعل تأثير فضاءات التواصل الاجتماعي فقد أصبحت أعداد الشاعرات مساوية أو تزيد عن أعداد الشعراء، لكن الكثرة لا تعني الجودة دائما.
و هذا موضوع يطرح نقاشا حادا.

8/ الكتابة والشغف الشخصي
مع ضغوط الحياة والعمل، كيف تحافظين على شغفك بالكتابة والإبداع؟ هل تجدين أن الكتابة بالنسبة لك وسيلة للهروب أم وسيلة للتعبير عن واقعك؟

الكتابة وجع جميل، نبحث عن انفسنا في مكان قصي من دهاليز الذات نهرب من الضجر اليومي الكتابة سفر في عباب المجهول. يلزمنا له كم معرفي هائل لا يتوفر الا بفعل القراءة. بهذا تكون القراءة والكتابة متلازمتان لا يمكن النهوض بالاولى بمعزل عن الثانية، والكتابة بالنسبة لي هي روح الذاكرة فلسفة تصالحنا مع حاضرنا لنهرب من واقع، من ماض، من كل شيء يأخذنا من انفسنا، لنعانق لحظة التجلي المطلق في لحظة الكتابة لحظة عشق تبادلنا نفس المشاعر فنعيش سفرا بحب، نعبر فيه عن شعلة مشاعر.
تقول أحلام مستغانمي أيحتاج الكاتب إلى أن يعمل في شان آخر غير الأدب كي يشتهي الكتابة إلى حد تصبح معه الشغل الشاغل لوجدانه لا لدوامه؟ او ربما يحتاج إلى أن تكون الكتابة عشيقته لا زوجته، ولعه لا مهنته، ليواعدها بشغف سرا كل مساء.

9/ ما هو المشروع الأدبي الذي تعملين عليه الآن؟ وهل هناك أفكار جديدة تحاولين استكشافها في أعمالك المقبلة؟

اشتغل الآن على ديوان، في قصيدة حرارية نداء العطر.
وعلى المجموعة القصصية، مفردات قديمة على هامش الزمن

10/ الزجل كمرآة للمجتمع

هل تعتقدين أن الكتابة الزجلية تعكس القضايا المجتمعية التي تمر بها المرأة، سواء كانت اجتماعية، سياسية أو ثقافية؟ وما هي أبرز القضايا التي تعكسها قصائدك الزجلية؟

ما زلتُ أحبو في الساحة الإبداعية، ولم تصل تجربتي بعد إلى الاكتمال والنضج. فمن يسير بخطى ثابتة وهادئة، يصل في النهاية. كل ما أكتبه أراه بمثابة حبر يتسلل ليخضب البياض، وأترك للقارئ حرية أن يمنحه الحياة إذا أراد ذلك.

11/ الجسر بين القديم والحديث

بما أن عملك يدمج بين الزجل والشعر الفصيح، كيف توازنين بين الأسلوب التقليدي والحديث في كتاباتك؟ وهل تجدين صعوبة في التكيف مع التحولات الثقافية الجديدة في الأدب؟

الشعر عطاء من الله، موهبة تُصقل بالقراءة. ولتكون شاعرًا متمرسًا، يجب أن يكون قاموس لغتك متنوعًا، فضلاً عن مخيالك الواسع، وأن تواكب الحراك الأدبي. من الضروري أن تكون متفردًا في تجربتك، وألا تكون مكررًا لتجارب من سبقوك، حتى لا تصبح انعكاسًا باهتًا. بالنسبة لي، أكتب باللسانين في مغامرة أتمنى أن أنجح فيها.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :