[سيرة ومسار ] مع “زهرة لمهاجي: بين الكلمات والإبداع، رحلة في عالم الأدب والمجتمع”

كتب : السبت، 21 ديسمبر 2024 - 10:49 م مجتمع

اعداد محمد احمد طالبي

اخراج حسن بوسرحان

في  aالم الأدب والفكر، حيث تتشابك الكلمات مع الأرواح وتتصادم الأحاسيس في فضاء الإبداع، تبرز المبدعة زهرة لمهاجي كإحدى الشخصيات الفاعلة في المشهد الثقافي المحلي والإقليمي. وُلِدت في مدينة الداخلة، وتربّت على حب الكلمة وعشق الأدب بكل أنواعه، فكانت الزجل والعمودي والنثر سُبلها للتعبير عن أفكارها ومشاعرها، لتخلف وراءها بصمة واضحة في عالم الكتابة.

زهرة لمهاجي ليست فقط شاعرة ومبدعة، بل هي أيضًا قائدة مجتمعية ذات بصمة واضحة في العمل الجمعوي والثقافي. تعمل كمدرسة لقواعد التجويد، وتنشط في العديد من المجالات الثقافية والاجتماعية، فهي رئيسة جمعية “أطفال العالم” في فرع الداخلة، إضافة إلى كونها مندوبة جهوية للكشفية. كما أن إشرافها على منتدى “زهرة المغرب للثقافة والأدب الإلكتروني” جعلها شخصية مؤثرة في مجالات الكتابة والنشر الإلكتروني، حيث توفر منصة للإبداع الأدبي والثقافي لعدد كبير من المبدعين.

قامت زهرة لمهاجي بنشر ثلاث دواوين أدبية هي: “أرح قبل الرحيل”، و”دموع وقطر الندى”، و”شْمار الكلام لْجام”، إضافة إلى أنها بصدد التنقيح لإصدار ديوان نثري جديد بعنوان “ثلج البوح والصمت لفاح”. تأسر كلماتها القلوب بعذوبتها وصدقها، حيث تمتزج في قصائدها أحاسيس الإنسان العميقة، من الحزن والأمل والبحث عن المعنى.

إن مسار زهرة لمهاجي الأدبي والثقافي يمثل نموذجا حيا على التفاعل بين الإبداع والتحدي الاجتماعي، بين الكلمة والعمل في سبيل تنمية المجتمعات. في هذا الحوار الثقافي المميز، سنغوص في عالم زهرة لمهاجي الأدبي والإنساني، لنتعرف عن كثب على تجاربها ورؤاها حول الأدب والفن ودور المرأة في المجتمع الثقافي.

نرحب بها في هذا اللقاء الأدبي، الذي يعد بمثابة رحلة بين الكلمات والأفكار، ليكشف لنا عن أسرار الإبداع والتحديات التي تواجهها في مشوارها الثقافي المميز.

1.كيف بدأت علاقتك بالأدب؟

هل كانت هناك لحظة معينة أو تأثيرات معينة جعلتك تختارين الكتابة كوسيلة تعبير؟

وعليكم السلام،

بداية رحلتي مع القلم والورقة كانت في مرحلة صعبة من حياتي، حيث فقدت والدي رحمه الله، وهو فقد ترك في نفسي فراغا عاطفيا كبيرا. كنت في تلك الفترة تلميذة ذكية، نجيبة، والأولى في صفّي الدراسي، لكن رغم ذلك، كنت أعيش في دوامة من الحزن والتخبط العاطفي. ومع كل ذلك، كان لي فضل كبير في اكتساب مهارات الخطابة والمسرح وغيرها من الأنشطة، بفضل أساتذة أفاضل كان لهم دور كبير في توجيهي.

لقد كانت هذه الأنشطة بمثابة طوق النجاة لي، حيث مكنتني من محاربة ضجيج الألم، ومن خلالها اكتشفت أن التعبير عن نفسي بالكلمات كان هو المخلص الذي يساعدني في لملمة شتاتي، وفتح لي أبواباً من الراحة النفسية. كان القلم بالنسبة لي أداة لتحرير روحي من ثقل الهموم، وفي لحظات الأنين، كنت أفرغ مواجعي وأخفف من وقعها، حين كان يزيد وزن الوجع في قلبي الصغير آنذاك.

2.كيف تجدين التنقل بين الأنماط الأدبية المختلفة مثل الزجل، الشعر العمودي، والنثر؟ وهل هناك نوع معين من الكتابة تعتقدين أنه يعبر أكثر عن ششخصيتكo

لا شك أن التنقل بين الأنماط الأدبية المختلفة ليس بالأمر السهل، لكنني أعشق التحدي وأدأب على التمرد على ما يسمى بالمستحيل، إذ أمارس أنشطة متنوعة مثل الرياضة والفقه والصحة، وغيرها. بالإضافة إلى ذلك، فإن الإلهام والظروف والأحداث الزمانية والمكانية التي نواجهها تفرض علينا اختيار النمط الأدبي المناسب، حيث يكون هو من يستلبنا ويأخذنا في مجراه. فالشاعر، بعد الله، يسير وفقا لمشاعره، ولا يملك دائما خيارا في تحديد موضوعاته. لم أقرر يوما أن أختار ما أكتب، بل كنت أترك مشاعري وموضوعاتي تنساب تبعاً للإلهام الذي يفرض نفسه.

3.في ديوانك “شْمار الكلام لْجام”، كيف توازنين بين الشعر الزجلي والروح العميقة التي يتطلبها هذا النوع من الكتابة؟

ديوان “شمار الكلام لجام” هو البوح الذي لا يحتاج لتكلف. أراه السهم الموجه إلى دواخلنا ليصطاد المآسي، ثم يتركنا في مأمن. الزجل قريب مني لأنه ينبض بلهجتي وثراثي، ويحمل بين طياته الماضي والحاضر والمستقبل الذي ننبعث منه ولا ننسلخ عنه. إنَّه إيقاع يعكس حكاياتنا وهمومنا، ويظل صدى يعيدنا إلى جذورنا، حتى وإن حاولنا الفرار من تقاليدنا أو التغاضي عنها.

4.ما هو الأسلوب الأدبي الذي تتميزين به؟ وهل هناك أساليب معينة تسعين إلى تطويرها في كتاباتك؟

لا تمايز ولا تفاضل بين أساليب الأدب الإبداعي، كتبت بعض القصص القصيرة، و الآن بصدد كتابة رواية**للمخاض رجف راكض** التنوع جميل ومريح في الأدب، ويجدد الأفكار ويحثك على البحث أكثر .t,

5.كيف تعكس كتاباتك تجربتك الشخصية كإمرأة وأم وقائدة في المجتمع؟

معظم كتاباتي هي تجاربي الشخصية، تبدأ من الطفلة التي لا تزال تسكنني، مرورا بأنثى بصفات عامة، وصولا إلى امرأة عاشرت العديد من التجارب كفاعلة جمعوية وأستاذة، وأم تحتضن أمومتها داخل بيتها، وكقائدة تحمل على عاتقها مسؤوليات عدة في مسيرتها.

باختصار، إن تنوع الأنشطة والانفتاح على الحياة، والقراءة المستمرة، والتعايش مع مشاكل الناس، كلها تفرض عليك التفكير في حلول تعتمد على المنطق والواقع، ولكنها تحمل في طياتها مشاعر وأحاسيس حقيقية. نحن نؤثر في الحلول التي نقدمها، ونتأثر بالوجع الذي يرافقنا، وهذا الوجع يطور إبداعاتنا ويقوي قيادتنا. خليط المشاعر هذا يشبه هيجانا وثورة، يجعلانك تنهال شعرا ونثرا، معبرا عن كل ما تشعر به.5y

6. بصفتك رئيسة جمعية أطفال العالم فرع الداخلة، كيف تنعكس القيم الثقافية والأدبية في أنشطتكم المجتمعية؟

بلا شك، تنعكس القيم الثقافية والأدبية بشكل كبير في أنشطتنا المجتمعية، حيث تتقيد هذه الأنشطة بأخلاقياتنا بهدف تطوير مهارات الناشئة. نحن نسعى إلى إشغالهم بالفنون والرسم والأنشودة والشعر والقصة، مع التحفيز على التحصيل العلمي، حتى نصنع منهم أفرادا منتجين لا مستهلكين. كما نعمل على أن لا يكونوا عرضة للإدمان على مواقع التواصل الاجتماعي، التي قد تؤثر سلبا على عقولهم، بل نهدف إلى تنمية قدراتهم الفكرية والابداعية في بيئة صحية ومحفزة.j

7. كيف ترى دور الأدب في بناء المجتمع المحلي في الداخلة والمساهمة في تشكيل وعي الأجيال القادمة؟

تعتبر جهة الداخلة من المناطق النشيطة أدبياً وثقافياً، حيث تشهد العديد من المبادرات والأنشطة التي تهدف إلى صقل مواهب الأجيال القادمة. هذه الأنشطة تتم عبر مجموعة من الجمعيات والمنظمات الكشفية التي تسعى إلى اكتشاف وتطوير الإمكانيات الإبداعية لدى الشباب. كما تلعب المؤسسات التعليمية دوراً مهماً في هذا الإطار، من خلال تحفيز الطلاب على ممارسة الفنون والأنشطة الثقافية، بما يساهم في تنمية قدراتهم الفنية والفكرية.

إضافة إلى ذلك، تعمل المؤسسات التابعة للدولة على تيسير هذه الأنشطة وتسهيل تنفيذها، سواء من خلال توفير الإمكانيات المادية أو بتقديم الدعم اللوجستي الضروري لتنظيم الفعاليات الثقافية والأدبية. هذه الجهود الموجهة تهدف إلى خلق بيئة مشجعة على الإبداع، تساعد الشباب على التعبير عن أنفسهم وتنمية مهاراتهم، مما يسهم في بناء مجتمع مبدع ومنفتح على مختلف المجالات الثقافية.

8. في ديوانك المقبل “ثلج البوح والصمت لفاح”، كيف تعكس الكتابة لديك العلاقة بين الصمت والكلمات؟

ديواني المقبل “ثلج البوح لفاح” هو رحلة عبر الصمت المعبَّر بالكلمات. عندما أكتب، يصبح الصمت لي، والكلمات مني، والقلم دمعة تفيض، بينما الورق هو محرابي الذي أتوجه إليه في لحظات البوح. الخيال هو لفافتي التي تحتويني، بينما للمتلقي أضع آهاتي في مستودع ثلج لفاح، ليشعلها بعد ذلك لهيباً، ويشظيها كما يشاء من خلال تحليلاته وقراءاته.

أترك للقارئ أن يعيد الحياة إلى ما كتبت عبر تأويلات محتملة، فهو من يصنع الفهم، ويمنح الكلمات حياة جديدة تتماشى مع تجربته الشخصية. هكذا أرى كتابتي: رحلة من الصمت إلى الكلام، قد تنجح فيها الكلمات في توحيد معنى المشاعر وتبليغها بكل ما تحمله من عمق وأحاسيس.

9.هل تعتقدين أن الكتابة هي وسيلة لفهم الذات أم هي وسيلة لنقل ما هو غير منظور في العالم؟

للكتابة جناحان أو عكازان للارتكاز القويم؛ أحدهما يتيح لنا اكتشاف عالمنا الداخلي العميق وما يخفيه. ففي لحظة الكتابة، نغرق في تأملاتنا الخاصة، إذ تختلف تلك اللحظة كثيرا عن اللحظة التي تليها، حتى تكاد تشعر وكأنك لست معنيًّا بما كتبت، وأنت في خلوة مع القلم والورقة تكتشف ذاتك، تعرف كيف تفكر، وما هي ردود أفعالك، وكيف تعالج أمورك وسط تقلبات مشاعرك، أكانت حزناً أم فرحا.

أما الجناح الثاني، فيتجسد في الكتابة كعلاج لطرد السموم من الروح، وعلاج نفسي بالبوح. فكما يصرخ الإنسان العادي ليعبر عن عصبيته أو غضبه، يصرخ الكاتب بصمت، حيث لا يسمع سوى صرير قلمه وترديد الورق عليه. الكتابة تصبح وسيلة للتنفيس عن تلك الأعماق المكبوتة التي لا تجد منفذا إلا في الكلمات. وإذا كانت الكتابة موجهة للقراء، يجب أن تحمل صداها الفائدة وتكون ذات رسائل قوية تترك أثراً طيباً، وتهدف إلى الإثراء والتوجيه.

10.ككاتبة نسائية، هل ترى أن الأدب النسائي له خصوصيته في التعبير عن قضايا المرأة والمجتمع؟

أدب المرأة يحمل طابعاً عاماً يعالج مختلف المواضيع المجتمعية، وذلك بحكم انفتاح المرأة على العمل داخل وخارج البيت، وانخراطها في المجالات الجمعوية، السياسية، والاقتصادية. فالمرأة اليوم تمثل قائدًا من خلال إشرافها على البيت، وهي مسيرة مدبرة بحكم التبضع وإدارة الاقتصاد العائلي بحنكة وذكاء. كما تلعب دورًا سياسيًا في ضبط النفس، وتنظيم العلاقة بينها وبين زوجها، وكذلك بينه وبين الأبناء. إنها المحرك الأساسي والسند للعائلة.

علاوة على ذلك، هي المعلمة التي تبني الأجيال، والممرضة التي تعتني بالصحة، والطباخة التي تدير شؤون المأكل، والمقتصدة التي تحسن تدبير الموارد. وبفضل قدرتها على إدارة الأزمات الاجتماعية التي قد تواجه الأسرة، فإنها تبرع في الريادة والقيادة سواء في البيت أو خارجه. هذا هو ما أعيشه من خلال تجربتي الخاصة، حيث تتنقل المرأة بين الأدوار المختلفة بكل براعة، مما يساهم في تعزيز مكانتها القيادية في المجتمع.

11.كيف يعمل منتدى زهرة المغرب للثقافة والأدب الإلكتروني على دعم الأدب والثقافة المحلية؟ وما هي أهدافك المستقبلية لهذا المنتدى؟

هل لديك خطة لتوسيع نطاق المنتدى ليشمل مجالات ثقافية أخرى، أو ربما الوصول إلى جمهور أوسع؟

عمل منتدى زهرة المغرب للثقافة والأدب الإلكتروني على نشر الثقافة والتواصل بين الكتاب والمبدعين، ليتيح الفرصة للأقلام التي لا تستطيع نشر أعمالها عبر الوسائل التقليدية مثل الكتب والصحف. يهدف المنتدى إلى تشجيع الكتاب من خلال التكريم، أو على الأقل عبر فتح الفرص للقراءة وتصحيح الأخطاء، مما يساهم في تحفيز الكتابة وإثراء لغتنا ولهجتنا.

المنتدى ليس فقط منصة أدبية، بل يمتد ليشمل أهدافًا فنية ورياضية وثقافية. وكنتُ المرأة المغربية الأولى التي أسست صرحًا أدبيًا إلكترونيًا مغربيًا، يضم جميع الكتاب العرب من مختلف أنحاء العالم.

إلا أن التحدي الأكبر الذي نواجهه هو غياب الداعمين في مجالات الإشراف النقدي، والتنقيح اللغوي، والكتابة السليمة إملائيًا ونحويًا. فكما يقال، “اليد الوحيدة لا تصفق”، لكن الطموح يبقى مستمرًا، لأن لغتنا تحتاج منا إلى المزيد من الجهود والاهتمام لكي تظل حية ومتجددة.

12.ما هي مشاريعك الأدبية القادمة؟ هل تعملين على إصدار أعمال جديدة؟

هل تفكرين في توسيع مجالات كتاباتك لتشمل رواية أو فنون أدبية أخرى؟

مشاريعي الأدبية تتنوع بين رواية لازلت أعمل على كتابتها، وديوان شعري في طور التنقيح، وكل مشروع يحمل في طياته إلهاما متجددا. فالإلهام يولد ويُنجب الأفكار بالتوازي، ونحن لا يمكننا تحديد مدى تأثيره أو حدوده ما دام فينا روح الحياة.

رسالتي للمبدعين الجدد: الكتابة هي أمانة ومسؤولية عظيمة، يجب أن تحمل رسائل ومواضيع هادفة للأجيال القادمة. نحن نواصل مسيرة الأدب من خلال قالب راقٍ وهادف، عبر مختلف إبداعاته. فإن لم نتمكن من تطويره وتحسينه، فعلينا على الأقل الحفاظ عليه، خاصة في زمن الرقمية الذي يهدد لغتنا ولهجتنا. اقرؤوا كثيرًا قبل أن تكتبوا، ولتتعلموا أكثر قبل أن تقرروا ملء الورق. لا قيمة لكتابة تشوبها العيوب والأخطاء التي لا تغتفر. كما يجب أن تحذروا من السرقات الأدبية، فمن لم يعش مخاض الكتابة بصدق، لن يستطيع أن يستمر ولن يسطع حرفه.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :