أخبار عاجلة

حلقة جديدة في بحر برنامج سيرة ومسار مع “يونس كمال بين التربية والإبداع… رحلة في ظلال الكلمة والمسار”

[سيرة ومسار ]

الضيف يونس كمال
اعداد محمد احمد طالبي
اخراج حسن بوسرحان

عنوان الحلقة “يونس كمال بين التربية والإبداع… رحلة في ظلال الكلمة والمسار”

في رحاب الأدب، حيث تتلاقى الكلمة والحلم، وحيث تصبح التجربة مرآة تعكس مكنونات الروح، نستضيف اليوم صوتًا ينبض بحكايات الإنسان وهمومه، شاعرًا ومربيًا، مزج بين الفكر والقلب، وبين الإدارة والتعبير. إنه يونس كمال، الذي حمل على عاتقه مسؤولية تربية الأجيال بيد، وحمل لواء الكلمة المبدعة باليد الأخرى.
رحلة من دروب القنيطرة إلى تخوم زاكورة، ومن أقسام التعليم الابتدائي إلى عوالم الإدارة التربوية، مسار يزخر بتجارب تغذت من نبض الميدان وصدق المواقف. وبين دفتي الشعر والقصة، جعل من كتاباته فضاءً لترجمة أحلامه وأوجاعه، ونافذة للتأمل في واقع يئن تحت وطأة التحولات.
في هذا اللقاء الذي يجمعنا ضمن “سيرة ومسار”، سنغوص مع ضيفنا في عوالمه الأدبية والتربوية. سنتلمس ملامح الإبداع في أعماله الشعرية، من ديوانه احتفي بالجنون، إلى قصصه التي تحمل عبق التجربة الإنسانية. وسننهل من رؤيته للتعليم والإدارة، وكيف شكلت هذه التجارب وقودًا لكتاباته.
دعوة مفتوحة لكم، أيها المتابعون الأعزاء، لنبحر معًا في عوالم هذا المبدع، حيث تتعانق التجربة والموهبة، وحيث تصبح الكلمة زادًا للروح ووقودًا للتغيير. لنستمع، نتأمل، ونكتشف ما وراء الكلمات في رحلة حوارية تعد بالكثير من الإلهام.

السيرة الذاتية:
يونس كمال، مواليد 1973. قنيطري المنشأ ودكالي الأصل (منطقة أحد ولاد فرج).

المسار الأكاديمي:
1993: شهادة البكالوريا في الآداب العصرية.
1995: دبلوم تكوين المعلمين، الذي فتح لي أبواب مسيرتي المهنية في التعليم.
إجازة: حاصل على إجازة في القانون العام، تخصص علوم إدارية وقانون إداري، كلية العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، أكدال الرباط.
2015:خريج مسلك الإدارة التربوية.

المسار المهني:
1995:
البداية المهنية كمعلم بالسلك الابتدائي، واكتساب خبرات واسعة في التعامل مع أجيال المستقبل.
2016:
توليت منصب مدير مجموعة مدرسية، مما أتاح لي تطبيق مهاراتي الإدارية عمليًا.
2016-2018:
تقلدت مهام حارس عام للداخلية، وتعاملت مع الجوانب الاجتماعية والتربوية لتلاميذ الأقسام الداخلية.
2018-2019:
عملت كمسير المصالح المالية والمادية، مما عزز خبراتي في الإدارة المالية.
2019 حتى الآن:
أشغل منصب مدير ثانوية إعدادية، حيث أعمل على تحسين جودة التعليم وتنظيم العمل الإداري.

المسار والإنتاج الأدبي:
ديوان شعري: احتفي بالجنون (دار البصمة، 2023).
ديوان شعري قيد التنقيح: حين يغيب النهار.
مذكرات: في ظلال زاكورة: حكايات المعلم والصحراء (دار البصمة، 2024).
مجموعة قصصية: صليل الثورة وأصداء الصمت (قيد النشر).

البدايات الأدبية:
بدأت علاقتي بالأدب في المرحلة الإعدادية، حيث تأثرت بأستاذ اللغة العربية الأستاذ مصطفى البدوي، الذي أشعل شغفي بالكتابة وفتح أمامي آفاق التعبير الأدبي.
خلال فترة الحجر الصحي، كانت الكتابة ملاذًا نفسيًا وفكريًا، حيث انضممت كإداري إلى إحدى المجلات الثقافية واستفدت من التشجيع الكبير الذي تلقيته من زملاء مشارقة. بفضل هذه التجربة، صقلت مهاراتي الأدبية في الشعر والسرد القصصي، ما أضاف بُعدًا عميقًا إلى رحلتي الإبداعية.

الرؤية والاهتمامات الأدبية:
أطمح إلى المزج بين التجربة الإنسانية والأسلوب الأدبي المتفرد، مع التركيز على تصوير الواقع من خلال قضايا إنسانية واجتماعية. ألهمتني تجاربي المهنية وتحديات التعليم لتقديم أعمال أدبية تعكس هموم الإنسان وروح العصر.

محطات شخصية ومهنية مؤثرة:
التأثير التربوي: تنقلي بين مناصب متعددة في التعليم والإدارة منحني رؤية شاملة حول أثر التعليم في تشكيل الأجيال.

الإقامة في زاكورة: تجربة العمل في الجنوب المغربي ألهمتني في الكتابة، ووثقتها في مذكراتي في ظلال زاكورة.

تحديات التعليم: العمل كمعلم ومدير أثرى تجاربي الحياتية، ما دفعني إلى كتابة القصة القصيرة لتوثيق هذه التجارب الملهمة.

الجوائز الأدبية:
حائز على عدة جوائز ودروع أدبية من منتديات ومجلات ومواقع أدبية إلكترونية عديدة.

شغف الإبداع والتأثير:
أطمح إلى تحقيق توازن بين مسيرتي المهنية ومساري الأدبي، مع إيمان عميق بأن الأدب هو أداة للتغيير والإصلاح، وأن الكتابة وسيلة لتوثيق التجارب الحياتية وسرد القضايا الإنسانية الملهمة.

★أستاذي الفاضل محمد أحمد الطالبي،
بكل فخر واعتزاز، أود أن أتوجه إليك بكلمات الشكر والتقدير، إذ كان لك الفضل الكبير في إتاحة الفرصة لي للمشاركة في برنامج “سيرة ومسار”. إن دعوتك الكريمة كانت بمثابة نافذة جديدة تفتح لي أبوابًا للتعبير عن نفسي أمام جمهور أوسع، وفي فضاء غني بالمعرفة والإبداع.
أنت، أيها الإنسان الفذ، لا تقدم فقط فرصة للمشاركة، بل تساهم بشكل عميق في خدمة الأدب والمبدعين، وتضع بصمتك في نشر الأعمال الأدبية وتعريف الجمهور بأصوات جديدة وأفكار مبتكرة. ليس ذلك فحسب، بل أنت تساهم في إثراء المشهد الثقافي وتعزيز الحوار بين الأجيال المختلفة، مما يجعل عملك أكثر من مجرد خدمة؛ إنه رسالة حقيقية للاحتفاء بالإبداع والمبدعين.
أشكرك جزيل الشكر على دعمك المستمر، ورؤيتك الطموحة التي تدفع الأدب إلى الأمام، وتؤمن بأن لكل مبدع رسالة يمكن أن تلامس قلوب الناس. أسعدني أن أكون جزءًا من هذا المشروع الرائع، وأتمنى لك مزيدًا من النجاح والتوفيق في مسيرتك الأدبية والعلمية.

1) حدثنا عن نشأتك بين “قنيطرة” ودكالة، كيف أثرت البيئة في تكوين شخصيتك وهويتك الإبداعية؟

– نشأتُ بين منطقتين متباينتين، لكن كل واحدة منهما كانت لها بصمتها الخاصة في تشكيل شخصيتي وتطوير هويتي الإبداعية. دكالة هي موطن الوالدين والأجداد، وهي الأرض التي حملت في طياتها تجاربهم وحكاياتهم التي لازمتني منذ نعومة أظفاري. دكالة كانت بمثابة الأصل الذي ظل حاضرًا في مخيلتي، وكانت مزيجًا من البساطة والكرم الذي لا يُضاهى. الناس هناك يعرفون كيف يحتفلون بالحياة، وكيف يكرمون الضيف، وكيف يكون الفرح دائمًا جزءًا من النسيج الاجتماعي. الكرم هو سمة بارزة في دكالة، حيث لا يهم حجم العطاء، بل المهم هو روح العطاء التي تصاحب كل خطوة.
– أما قنيطرة، فهي المدينة التي تربيت فيها، والتي كانت بمثابة مسرحٍ لحياة الطفولة والشباب. عشت بين أزقتها وتعرَّفت على ناسها، وتعلمت منهم البساطة وحسن المعاشرة. قنيطرة ليست مجرد مدينة بالنسبة لي؛ بل هي حالة من التفاعل المستمر بين الناس، حيث الطيبة والتسامح تملأ الأرجاء. وعلى الرغم من أن أهل قنيطرة يشتهرون ببساطتهم، إلا أنهم يظلون محملين بحكايات قديمة عن حياة البحر والمدينة، عن الحب والكرامة. كل زاوية في المدينة تشهد على تفاعل متواصل بين الإنسان والطبيعة، بين الفرح والحزن، وبين التفاؤل والتحديات اليومية.
– البيئة في دكالة كانت تلعب دورًا أساسيًا في تكويني، فهي مهدت لي الطريق لتقدير القيم الإنسانية البسيطة التي تجعل الحياة ذات معنى. لقد تعلمت من دكالة كيف يمكن للكرم أن يصبح لغة عالمية تذيب الفوارق بين البشر. وفي نفس الوقت، قنيطرة علمتني كيف أتعامل مع الواقع بعينٍ أخرى، عينٍ ترى الجمال في التفاصيل الصغيرة، في عيون الناس، وفي الأحاديث اليومية.
– أعتقد أن هذه المقارنة بين دكالة وقنيطرة قد أثرت بشكل كبير في تكوين هويتي الإبداعية. في دكالة، كانت البيئة تؤثر على مشاعري وأحاسيسي، فتعلَّمت كيف أقدِّر اللحظات البسيطة التي لا تقدر بثمن. وفي قنيطرة، حيث الزخم الحضري والمزيج الثقافي، تعلمت أن لكل شخص قصة تستحق أن تروى، وأن هناك عمقًا في الحياة لا يظهر إلا لمن يبحث في التفاصيل. هذه البيئة التعددية هي التي شكلت صوتي الأدبي، الذي يمزج بين الجمال الفطري الذي اكتسبته من دكالة، وبين العمق الذي نبع من تجربتي في قنيطرة.

2 ) كيف كان انتقالك من التعليم إلى الإدارة التربوية؟ وما أبرز التحديات التي واجهتك في هذا المسار؟

– بعد ما يقارب تسعة عشر عامًا قضيتها بين فرعيات المجموعات المدرسية في مناطق نائية، شملت زاكورة، تاونات، الروماني، وتيفلت، عايشت خلالها التحديات البيئية والمناخية الصعبة، جاءت اللحظة التي قررت فيها تغيير مساري المهني. كانت هذه السنوات مليئة بالتجارب الميدانية التي صقلتني، واكتسبت فيها الكثير من الخبرات العملية في التعامل مع مختلف الظروف، لكنني كنت دائمًا أشعر أن هناك حاجة لتوسيع آفاقي ومواجهة تحديات جديدة.
– في ظل تطور النظام التعليمي في المغرب، أعلنت الوزارة عن فتح مسلك الإدارة التربوية، وهو ما جذب انتباهي بشكل خاص. إذ كانت لدي رغبة عميقة في تطوير مسيرتي المهنية، واكتشاف آفاق جديدة في مجال تدبير العمل الإداري والتربوي. ولعل الحصول على إجازة في القانون الإداري كان بمثابة المفتاح الذي سمح لي بالانتقال إلى هذا المسار، حيث أتاح لي هذا التخصص الفرصة للاستفادة من أدوات قانونية وإدارية تمكنني من فهم أعمق للمسؤوليات التي تتطلبها الإدارة التربوية.
– كانت الخطوة التالية هي اجتياز المباراة بنجاح، وهو ما تحقق ضمن أول فوج للمسلكيين في سنة 2014/2015. هذه النقلة لم تكن سهلة، فقد تطلبت مني تكريس الكثير من الجهد والتركيز، خاصة أن الانتقال من الفصل الدراسي إلى التدبير الإداري والتربوي كان يتطلب مهارات مختلفة تمامًا. ومع ذلك، كانت هذه المرحلة بداية لفرصة جديدة لإحداث تغيير ملموس في مجال التعليم الذي لطالما ارتبطت به.
– أبرز التحديات التي واجهتها في هذا المسار كانت تتعلق بالانتقال من بيئة تعليمية تعتمد بشكل رئيسي على التفاعل المباشر مع التلاميذ إلى بيئة إدارية تتطلب اتخاذ قرارات استراتيجية وتنظيم العمل بكفاءة. كان لابد من تطوير مهارات جديدة في الإدارة والتنظيم، بالإضافة إلى ضرورة التعاطي مع قضايا قانونية وتنظيمية معقدة تفرضها مسؤوليات الإدارة. لكن بفضل التجارب التي مررت بها في الميدان، وبفضل الدعم الذي تلقيته من زملائي وإدارتي، استطعت التكيف مع هذا التحول وأثبت نفسي في هذا المجال الذي أصبح شغفًا آخر بالنسبة لي.
– هذه التجربة في مسار الإدارة التربوية منحتني رؤية شاملة وشعورًا بالمسؤولية تجاه العملية التعليمية بأبعادها المختلفة، وكنت حريصًا على أن أترجم هذه الرؤية إلى عمل يومي، يسهم في تحسين جودة التعليم وتطوير بيئة العمل داخل المؤسسات التعليمية.

3) الإقامة في زاكورة شكلت محطة مؤثرة في حياتك، ما هي أبرز التفاصيل التي عايشتها هناك والتي ألهمتك في كتابة “في ظلال زاكورة”؟

– لم تكن إقامتي في زاكورة تحديدًا، بل في منطقة نائية تبعد عنها بحوالي 34 كيلومترًا، في جماعة فزواطة، وهي منطقة تمتاز بكثبانها الرملية الشاسعة وأشجار النخيل التي تمتد على ضفاف نهر درعة. قد تبدو هذه المنطقة، لمن يزورها كسائح، جنة من الرمال والهدوء، حيث لا تتعدى إقامة الزائر الأسبوع الواحد. لكنني، كرجل تعليم، كانت تجربتي هناك مختلفة تمامًا. فقد ابتعدت عن موطني الأصلي بمسافة تزيد عن 750 كيلومترًا، وحطيت رحالي في بيئة، لا تشبه شيئًا مما عهدته من قبل. لكنها عميقة في تأثيرها على شخصي ومساري المهني.
– بعد سنوات من هذه التجربة، قررت العودة إلى تلك الأيام من خلال كتابة مذكراتي، “في ظلال زاكورة”. لم يكن الهدف من الكتابة مجرد استرجاع لتلك الأيام الصعبة، بل كان دافعًا داخليًا لتقاسم تلك التجربة مع الجيل الجديد من المعلمين الذين لم يمروا بما مررت به. ففي الوقت الذي قد يشتكي البعض من التحديات الصغيرة التي يواجهها في العمل، كان لي أن أرى بأم عينيّ قسوة الظروف التي اجتزتها، وكيف أنني وجدت في تلك الظروف ما يصقل شخصيتي ويعلمني الصبر والتحمل.
– كانت التجربة، رغم قسوتها، مصدر إلهام لا يوصف. لقد أدركت أن التعليم ليس مجرد مهنة، بل هو رسالة تتطلب تضحيات، خصوصًا عندما تكون في قلب منطقة نائية. أردت من خلال “في ظلال زاكورة” أن أفتح نافذة لمن لم يعيشوا تلك التجربة ليعرفوا عن كثب كيف أن التحديات يمكن أن تتحول إلى دروس ملهمة، وكيف أن ما نراه في البداية كعقبات قد يصبح، مع مرور الوقت، جزءًا من رواية حياتنا التي نفخر بها.

4) كيف انعكست تجاربك المهنية، خصوصًا في المناطق النائية، على رؤيتك للتعليم وأسلوبك الأدبي؟

– التعليم بالنسبة لي ليس مجرد مهنة، بل هو رسالة نبيلة تتطلب الكثير من الصبر والمثابرة، خاصة عندما تجد نفسك في قلب واقع مختلف تمامًا عن الصورة التي كانت في مخيلتك. ففي المناطق النائية، كنت أواجه عالماً يختلف عن كل ما تعلمته في الكتب أو تخيلته في أيام دراستي، حيث تتشابك التحديات الاجتماعية والمادية مع آمال التلاميذ الذين ينتظرون منك أن تقدم لهم أكثر من مجرد معارف علمية. الواقع هناك مرير، مليء بالعثرات والظروف التي لا تتيح لك القدرة على التغيير السريع، ولكن رغم ذلك، تجد نفسك ملزمًا بأن تعطي كل ما في وسعك، ولو كان التغيير بطيئًا وصعبًا.
– ومع ذلك، في وسط هذه التحديات، أدركت أن التعليم لا يمكن أن يكون مجرد عملية نقل للمعلومات، بل هو فعل مستمر من محاولة تغيير الواقع وإلهام الأجيال الجديدة، رغم وجود مقاومة متجذرة في بعض الجيوب التي ترفض أي محاولة للإصلاح. وكأننا، نحن المعلمون، أداة تواجه جدرانًا صلبة لا يمكنها أن تهدمها بسهولة. لكن، ورغم ذلك، يبقى الأمل في أن نزرع بذور التغيير، ولو ببطء، وأن نؤمن بأننا نقدم رسالة حقيقية تلامس أرواح التلاميذ وتمنحهم أدوات الحياة.
– هذه التجارب المهنية، التي عشتها بين أروقة المدارس في المناطق النائية، انعكست على أسلوب الكتابة الأدبي لدي، فصرت أرى في كل كلمة أكتبها جزءًا من تلك الرحلة الطويلة التي مررت بها. الكتابة، بالنسبة لي، هي وسيلة للتعبير عن صراع لا ينتهي بين الأمل والواقع، بين التحدي والإصرار على أن التغيير ممكن حتى وإن بدا بعيد المنال.

– 5) تأثرت بأستاذ اللغة العربية مصطفى البدوي، ما هي نصيحته الأبرز التي ما زلت تتذكرها وتعمل بها في مسارك الإبداعي؟

– لقد كان للأستاذ مصطفى البدوي، الذي درسني في مرحلة الإعدادي، تأثير بالغ في مسيرتي الأدبية. كان هو أول من قدمني إلى عوالم الشعر الجاهلي، حيث كان يشرح لنا قصائد طرفة بن العبد، امرؤ القيس، وتأبط شرا، مما جعلني أبدأ في فهم عمق الكلمات وثراء المعاني. لكنه لم يقتصر على ذلك فقط، بل كان أيضًا بوابة لي للاطلاع على شعر محمود درويش ونازك الملائكة ونزار قباني، حيث علمني كيف أستلهم الجمال في الشعر الفلسطيني وأدب المرأة العربية.
– كان أستاذ مصطفى، بعلمه العميق وشغفه بالثقافة العربية، هو من فتح أمامي أبواب الأدب العربي الكلاسيكي والمعاصر، فتعرفت على المنفلوطي وجبران خليل جبران وغسان كنفاني. بفضل توجيهاته، تعلمت كيف أغوص في أعماق الروايات، وكيف أن روايات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس تحمل في طياتها فلسفة حياة وروحًا حية، تحتاج إلى تدبر وتأمل.
– لقد كان أستاذ مصطفى البدوي هو المثال الحي للأستاذ القدوة الذي لا يُنسى، بل يظل أثره حاضرًا في كل خطوة أخطوها في مسيرتي الأدبية، كما تبقى نصيحته الحية في قلبي: “اغمر نفسك في الكتابة، وابحث في أعماق النصوص، فإنك ستكتشف هناك عوالم جديدة لا نهاية لها”.

6 – كيف كان للحجر الصحي دور في إعادة اكتشاف موهبتك الإبداعية وتكثيف إنتاجك الأدبي؟

– خلال فترة الحجر الصحي، حيث توقفت الحياة عن الحركة المعتادة وتوقفنا جميعًا عن التنقل، كان العالم الافتراضي هو الملاذ الذي عثرت فيه على مساحة واسعة للبحث والتطوير. مع توقف العمل الميداني، بدأت أبحث في المنتديات الأدبية وأتصفح المجموعات الأدبية عبر الإنترنت، حيث انضممت إلى بعضها وبدأت في نشر ما أكتب من قصائد ومقالات. هذه التجربة كانت بمثابة نقطة تحول بالنسبة لي؛ فقد أتاح لي التواصل مع كتاب ومبدعين من مختلف الأصقاع، ما ساعدني على تطوير مهاراتي الكتابية. ومع كل مشاركة، كنت أكتشف نوافذ جديدة للنقد والتفاعل، مما أثرى تجربتي الأدبية وأضاف بعدًا جديدًا لأسلوبي. لقد كان الحجر الصحي، رغم صعوباته، فرصة ثمينة لإعادة اكتشاف موهبتي، وفتح أفق إبداعي كنت أجهل وجوده في أعماقي.

7 انضمامك كمشارك إداري إلى مجلة ثقافية خلال الحجر، كيف أثر هذا الاحتكاك مع أدباء مشارقة على تجربتك الأدبية؟

– خلال فترة الحجر الصحي، وجدت نفسي أمام فرصة ذهبية حين انضممت كمشارك إداري في مجلة ثقافية، أدارها أدباء من مختلف الأقطار العربية. كان الأديب الفلسطيني السيد أبو نصيرة والشاعرة السورية سلوى يوسف، التي تقيم في تركيا، من أبرز الداعمين لي، إلى جانب الشاعر الجزائري عثمان عون الله، الذي رافقنا في وضع أسس هذه المجلة. أسندت إليّ مهمة توثيق النصوص الشعرية، وهي مهمة لم تكن مجرد عمل إداري بقدر ما كانت نافذة مفتوحة على عوالم الشعراء والكتّاب من المشرق والمغرب.
– هذا الاحتكاك المباشر مع أدباء مشرقيين أغنى تجربتي الأدبية، إذ أتاح لي التعرف على أساليب جديدة في الكتابة الشعرية والنثرية، واستلهام رؤى مختلفة من مدارس أدبية متباينة. كان لكل حوار ونقاش أثره في تطوير أدواتي الفنية وتوسيع آفاقي الإبداعية، حيث شعرت بأنني جزء من حراك ثقافي كبير يتجاوز الحدود، ويمتزج فيه التنوع اللغوي والجمالي ليُكوّن صورة متكاملة للإبداع العربي.

8 )متى تشعر أنك “تحتفي بالجنون” في كتاباتك؟ وما الرسالة التي أردت إيصالها عبر هذا الديوان الشعري؟

– في ديواني “تحتفي بالجنون”، أردت أن أعبّر عن تلك الحالة الإبداعية الخالصة التي تتجاوز حدود المألوف، وتتمرّد على الضوابط التقليدية التي طالما قيّدت الفكر وجعلته أسيرًا لسيكولوجيا الجماعة. الجنون هنا ليس فقدانًا لملكة العقل، بل هو انعتاقٌ من الاشتراطات الجاهزة، هو احتفاء بالحرية المطلقة التي تمنح الخلق والإبداع أجنحته ليحلق في فضاءات أرحب.
– تمامًا كما قال أوشو: “الإبداع هو أكبر تمرد في هذا الوجود”، فالاحتفاء بالجنون هو مغامرة في غابة الحياة، رحلة فردية يخوضها المبدع وحيدًا بعيدًا عن المسارات المألوفة. هذه العزلة لا تعني الهذيان، بل هي اللحظة التي تتكشّف فيها الحقيقة بوضوح، حين تتحرر الكتابة من قيود الواقع المتحجّر والمنطق الرتيب لتلامس عمق الروح البشرية.
– من هذا المنطلق، فإن عنوان الديوان ليس استفزازيًا بقدر ما هو صرخة وجودية: الإبداع لا يمكن أن يولد في ظل الالتزام الصارم بمقاييس العقلانية والتكرار. إنني أحتفي بالجنون لأني أبحث عن صوت مختلف، صوت لا يُشبه أحدًا، صوت يعبّر عنّي ويخرج من صلب تجربتي الإنسانية والفكرية. أردت أن أقول للقارئ إن الخروج عن السائد ليس جنونًا، بل هو فعل خلقٍ يُعيد تعريف الجمال والمعنى في هذا العالم.

9) ديوانك “حين يغيب النهار” قيد التنقيح، كيف تختلف رؤيته الشعرية عن ديوانك السابق “احتفي بالجنون”؟

– ديواني “حين يغيب النهار” يختلف بشكل جذري عن “أحتفي بالجنون” سواء في الرؤية الشعرية أو في الموضوعات التي يتناولها. ففي “أحتفي بالجنون” كان الانشغال منصبًا على الخلق والإبداع، على التحرر من قيود المنطق والاشتراطات التقليدية، والتمرد على المعتاد بحثًا عن صوت مختلف يُجسّد لحظة إبداعية خارج حدود السائد. كان الجنون هنا مرادفًا للحرية، للانطلاق نحو فضاءات جديدة من التفكير والتعبير دون خوف من تصنيف أو حكم مسبق.
– أما في “حين يغيب النهار”, فالرؤية أكثر حميمية، أكثر التصاقًا بالذات الإنسانية في أسمى حالات ضعفها وجمالها معًا. الديوان يتناول تيمة العشق بكل أبعاده: حضورًا وغيابًا، صمتًا وبوحًا، قربًا ومسافة. هو انغماس في تفاصيل الحب، لكنه حب موشوم بالصمت والغياب والحنين، حيث تتحوّل المسافات إلى نسيج من الأحلام، والصمت إلى حكايات لم تُكتب بعد. الديوان هنا أقرب إلى مرآة تعكس مشاعر أولئك الذين عاشوا الحب كتجربة وجدانية خالدة، لكنهم عبّروا عنها بلغة الصمت بدلًا من الكلمات.
– بينما كان “أحتفي بالجنون” صرخةً للإبداع والتمرّد، يأتي “حين يغيب النهار” كنغم هادئ يستمد إيقاعه من نبض القلب، وكأن الديوان دعوة للتأمل في مساحات الحنين والغياب التي تعتمل داخل كل عاشق. الاختلاف هنا يكمن في اللغة والأسلوب أيضًا؛ ففي حين كانت لغة “أحتفي بالجنون” متمردة، حادة، ومُحلّقة في فضاء فكري حر، تأتي لغة “حين يغيب النهار” أكثر رقة وشفافية، تنساب كالماء لتعبر عن أدق الأحاسيس والمشاعر.
– إنه انتقال من جنون الفكر إلى هدوء الروح، ومن الصراخ إلى الهمس، ومن التمرّد إلى التصالح مع ما يخلّفه الحب من أثر خالد.

10) مجموعتك القصصية “صليل الثورة وأصداء الصمت”، كيف توفق بين الشعرية في السرد وبين رصدك للقضايا الاجتماعية؟

– في “صليل الثورة وأصداء الصمت”, أجدني أمزج بين الشعرية في السرد والالتزام برصد القضايا الاجتماعية بشكل طبيعي، وكأن اللغة الشعرية تتسلل من بين الكلمات لتمنح النص القصصي بعدًا جماليًا إضافيًا دون أن تفقده عمقه الواقعي. فالشاعر بداخلي لا يمكنه أن ينفصل عن القاص، بل هو رفيقه الذي يعينه على إضاءة التفاصيل المعتمة في القصة، وصياغة المشاهد الاجتماعية برؤية فنية تجعل القارئ يتأمل القضايا المطروحة من زاوية مغايرة.
– إن الصور الشعرية، بما تحمله من بلاغة وإيقاع، تعطي للنص القصصي قوة تعبيرية تُظهر عمق المشاعر وتُبرز التوترات الإنسانية بلمسة جمالية. فحين أتناول قضايا اجتماعية ترتبط بالثورة أو الصمت أو التحديات التي يعيشها الإنسان في مجتمعه، تصبح الشعرية أداة لتلطيف الألم وتجميل القبح، دون أن تُخفي حقيقة الواقع المرير أو تُغفل جوهر الرسالة.
– التوفيق بين هذين البعدين – الشعرية والسرد الاجتماعي – يكمن في تحقيق التوازن؛ حيث لا تطغى اللغة الشعرية على أحداث النص، ولا تُغرق السرد في ترفٍ لغوي يُفقده نبضه الواقعي. بدلًا من ذلك، تُصبح الشعرية رداءً خفيفًا يلف الحكاية، فيمنحها جمالًا، ويجعلها أقرب إلى القارئ الذي قد يجد نفسه في المشاهد المصاغة بتلك العذوبة.
– إن الالتزام برصد القضايا الاجتماعية هو التزام بالواقع، لكن الشعرية تُمكّنني من اقتناص اللحظات الإنسانية الدفينة التي قد تضيع في زحمة الأحداث. من خلال هذا التزاوج، أسعى إلى أن تكون قصصي مرآةً تُعكس عليها التناقضات والصراعات الاجتماعية، وفي الوقت ذاته مساحة مفتوحة للتأمل في المعاني العميقة التي تختبئ خلف الكلمات.

11 )كتابك “في ظلال زاكورة” يحمل بعدًا توثيقيًا وتجربة ذاتية، ما الذي أضافته هذه التجربة إلى أسلوبك الأدبي؟

– بالطبع، تجربة “في ظلال زاكورة” شكلت منعطفًا مهمًا في مساري الأدبي، إذ جمعت بين البعد التوثيقي والجانب الذاتي بأسلوب يمزج بين السرد الواقعي والرؤية الأدبية. هذه التجربة أضافت إلى أسلوبي الأدبي أبعادًا متعددة، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
– 1. الواقعية العميقة:
– التجربة المعيشة في منطقة نائية وصعبة مثل زاكورة جعلتني أقترب أكثر من نبض الحياة اليومية، حيث اكتشفت التفاصيل الصغيرة التي تشكّل روح المكان والإنسان. هذه الواقعية انعكست في نصوصي، فأصبحت أكثر صدقًا وعمقًا، بعيدة عن التنميق، مفعمة بالحياة كما هي، بحلوها ومرها.
– 2. الارتقاء بوصف المكان والزمان:
– معايشة تضاريس زاكورة القاسية، من كثبانها الرملية إلى نخيلها الممتد، مرّت إلى نصوصي عبر لغةٍ تصويرية دقيقة تستحضر المكان كأنك تراه. أصبحت أكثر قدرة على توظيف المكان في نصوصي ليس كخلفية فقط، بل كعنصر فعّال يؤثر في الشخصيات والأحداث ويمنح القصة روحًا خاصة.
– 3. المزج بين التوثيق والأدب:
– التجربة زوّدتني بقدرة على تحقيق توازن دقيق بين اللغة الأدبية التخييلية واللغة التوثيقية الصادقة. لم تكن مجرد تسجيل للذكريات، بل إعادة خلق للحظات عاشها الكاتب، حيث حوّلت التوثيق إلى مادة سردية قابلة للحياة، يتجاوب معها القارئ ويتفاعل مع صدقها وعفويتها.
– 4. البعد الإنساني والتأمل في الذات:
– المعاناة والعزلة خلال تلك المرحلة كانت دافعًا للتأمل في ذاتي أولًا، وفي الواقع ثانيًا. هذا البعد الإنساني جعل أسلوبي الأدبي أكثر نضجًا وعمقًا، حيث باتت الكتابة تعكس تفاعل الإنسان مع محيطه، وكيف تشكّله الظروف القاسية وتصقل روحه.
– 5. تطوير الحس اللغوي والبناء السردي:
– التحديات التي واجهتها دفعتني إلى التفكير في الكيفية التي يمكنني بها التعبير عن هذه التجربة بأسلوب يشد القارئ. حرصت على استخدام لغة سلسة لكنها غنية بالصور والمعاني، مع بناء سردي يوازن بين الذاتية والموضوعية.
– في المجمل، “في ظلال زاكورة” لم يكن مجرد تسجيل لمرحلة حياتية، بل كان درسًا في كيفية تطويع التجربة الشخصية وتحويلها إلى مادة أدبية ذات بعد إنساني، تمزج بين الصدق في الحكي والقدرة على التخييل. هذه التجربة أكسبتني عمقًا في الرؤية ورهافة في الأسلوب، وجعلتني أُقدّر قوة الكلمة في التقاط لحظات الواقع وتجسيدها بنَفَس إبداعي.

12) أنت تكتب في الشعر، القصة، والمذكرات، فأين يجد يونس كمال نفسه أكثر؟ ولماذا؟

– أجد نفسي مؤخرًا منجذبًا بشكل أكبر لعالم السرد، حيث أصبحت الكتابة القصصية فضاءً رحبًا أُعبّر فيه عن رؤى وأفكار تتجاوز اللحظة الشعرية المكثفة لتغوص في تفاصيل الشخصيات والأحداث. لقد منحتني القصة، وكذلك تجربتي الناشئة في كتابة الرواية، فرصة الخلق والابتكار، حيث أستطيع بناء عوالم متكاملة من نسج الخيال، وربطها بوقائع من المحيط الذي عايشته أو استقيته من تجارب الآخرين.
– من خلال مشاريعي الأدبية، مثل رواية “عثرات يوسف”، حاولت تقديم شخصيات مركّبة وذات أبعاد نفسية وإنسانية معقدة، تعيش صراعات داخلية وخارجية. السرد في هذه الحالة لم يكن مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل كان تمرينًا على اكتشاف الذات وتحليلها، كما أنه فسح المجال أمامي لرصد القضايا الاجتماعية والنفسية برؤية أكثر عمقًا
– وبالرغم من هذا التوجه السردي، تظل شخصية الشاعر تطغى على أسلوبي، حيث تتداخل الصور الشعرية واللغة العميقة في نسيج النصوص القصصية والروائية. الشعر بالنسبة لي هو هوية لا أستطيع التخلي عنها، فهو حاضر في كل ما أكتب، سواء بشكل مباشر أو من خلال الحس اللغوي الذي يُضفي بعدًا جماليًا على النص السردي.
– حتى في الأعمال التي تأخذ طابع الإثارة والتشويق، كـ “مطاردة العميلة الفيدرالية ليلى للزئبقي الدكالي”, يظهر هذا المزيج بين السرد المحكم واللغة الرشيقة الموشّحة بالشعرية، مما يجعل النص قادرًا على استقطاب القارئ من خلال الحبكة والأداء اللغوي معًا.
– إنني أتنقل بين الشعر، القصة، والمذكرات، لأن كل جنس أدبي يعطيني أداة خاصة لرؤية الحياة والتعبير عنها. لكن مؤخرًا، وجدت في القصة والرواية مساحة للتجريب والإبداع، دون أن أفقد لمسة الشاعر التي تُرافقني دومًا.

13 ) في ظل التغيرات الاجتماعية المعاصرة، كيف توظف تجربتك التعليمية في الكتابة عن هموم الإنسان والمجتمع؟

– لا يمكن لأي مثقف حقيقي أن يغضّ الطرف عن هموم الإنسان ومعاناة المجتمع، خاصة في ظل التحولات الجذرية التي يشهدها العالم المعاصر. فمع صعود الليبرالية المتوحشة، بدأت تظهر ملامح جديدة للمجتمعات المحافظة، حيث تراجعت قيم التضامن والتآزر، لتحل محلها مظاهر الأنانية والانشغال بفلسفة التفاهة التي أضحت تهيمن على المشهد الثقافي والاجتماعي.
– في خضم هذه التغيرات، توسعت دائرة الفئات المهمشة، وارتفعت معاناة الطبقات المسحوقة التي غالبًا ما تُغيب أصواتها في الضجيج العام للحداثة المزيفة. هنا يأتي دور المثقف، ليس كمراقب محايد، بل كصوت يعبّر عن صرخات المهمشين وينقل معاناتهم إلى دائرة الضوء. فالمثقف ليس معنيًا فقط بالكتابة عن قضايا الصالونات أو مواضيع الرفاهية، بل يتحمل مسؤولية أخلاقية وإنسانية تجاه الفئات التي لا تجد منصات تُعبّر من خلالها عن آلامها وأحلامها.
– تجربتي التعليمية، التي وضعتني وجهًا لوجه أمام واقع هذه الفئات، ألهمتني تسليط الضوء على قضايا المجتمع من زاوية قريبة وملموسة. في الفصول الدراسية، رأيت أطفالًا يحملون أثقالًا تفوق أعمارهم، وعائلات تكافح تحت وطأة الفقر والتهميش، وشبابًا يتوقون إلى حياة أفضل في ظل محدودية الفرص. هذه المشاهد اليومية تحولت إلى مادة حية في كتاباتي، حيث أسعى إلى خلق نصوص تعبر عن هموم الناس وتعكس واقعهم بكل صدق وشفافية.
– إن الكتابة ليست ترفًا ولا انعزالًا عن الواقع، بل هي فعل مقاومة ومحاولة لزرع بذور التغيير، مهما بدت صغيرة. ومن هنا، أعتبر أن المثقف الذي لا يلتزم بقضايا مجتمعه إنما يفقد صوته الحقيقي، لأن الكتابة عن الإنسان تعني، أولًا وأخيرًا، الانتصار للضعفاء وفتح أبواب الأمل أمام المهمشين في زمن يزداد فيه البؤس.

14) الأدب بالنسبة لك “أداة للتغيير والإصلاح”، ما هي أبرز القضايا التي تراها تستحق أن تُوثق وتُناقش في كتاباتك؟

– الأدب بالنسبة لي ليس مجرد وسيلة للتعبير عن الذات أو الترف الفكري، بل هو أداة فاعلة للتغيير والإصلاح، وساحة لطرح القضايا التي تؤرق الإنسان والمجتمع على حد سواء. من بين أبرز القضايا التي أرى أنها تستحق أن تُوثق وتُناقش هي قضية تمكين الإنسان من العيش الكريم. هذا الحق الأساسي الذي يجب أن يكون ركيزة أي نظام اجتماعي عادل، يبدأ من توفير الضروريات الحياتية مثل السكن، التعليم، والصحة.
– من غير المقبول أن تتحول هذه الحقوق الأساسية إلى أعباء تثقل كاهل الإنسان منذ ولادته وحتى مماته. كيف يمكن لإنسان أن يحقق طموحاته أو يسهم في بناء مجتمعه وهو مكبل بقلق دائم على أساسيات حياته؟ السكن الذي يُفترض أن يكون مأوى وملاذًا آمنًا، أصبح عبئًا يستهلك سنوات من الكدح والمشقة. التعليم، الذي يجب أن يكون وسيلة للنهوض بالمجتمع، أضحى امتيازًا مكلفًا في كثير من الأحيان. أما الصحة، فهي الأخرى أصبحت تجارة تفوق قدرة العديد على تحمل تكاليفها.
– في كتاباتي، أرى أن التفكير في الإنسان كمشروع كما أشار المفكر أنطونيو غرامشي، يجب أن يكون المحور الأساسي. هذا يعني أن نعيد تعريف أولوياتنا بحيث يصبح بناء الإنسان، فكرًا وروحًا وجسدًا، هو الهدف الأول. حين نحرر الإنسان من العبء المادي الذي يعيقه عن الإبداع والتفكير، يمكننا أن نفتح له آفاقًا جديدة ليعيش حياة أكثر ثراء على المستوى الإنساني والروحي.
– الأدب هو منصة للوعي، صرخة في وجه الظلم، ودعوة إلى تأمل أعمق في كيفية بناء مجتمع أكثر إنصافًا. ومن خلال الكتابة، أسعى إلى أن أكون جزءًا من هذا التغيير، أخلق نصوصًا تعكس الواقع بجرأة، وتطرح أسئلة تدفع القارئ إلى التفكير في إمكانيات الإصلاح والتغيير. لأن الأدب، في جوهره، هو نافذة نطل منها على عوالم جديدة، وحافز يدفعنا إلى العمل من أجل مستقبل أفضل.

15) كيف ترى التحدي بين الإبداع الأدبي والتفرغ للمسؤوليات المهنية؟ وهل يتعارض أحدهما مع الآخر؟

– التوفيق بين الإبداع الأدبي والمسؤوليات المهنية يشكل تحديًا كبيرًا، خاصة في ظل غياب الدعم الإداري والضغط المتزايد الناتج عن نقص الموارد البشرية. فالمسؤوليات المهنية غالبًا ما تستنزف الوقت والطاقة، مما يجعل من الصعب إيجاد مساحة للتأمل والإبداع. ومع كل عبء إداري جديد، تتقلص فرص الكاتب للغوص في عالمه الأدبي، حيث يحتاج الإبداع إلى لحظات من الصفاء والتركيز، وهي رفاهية قد لا تتوفر في ظل وتيرة العمل السريعة وضغوطه المستمرة.
– ما يزيد من صعوبة الموازنة هو أن الإبداع الأدبي ليس مجرد نشاط عابر يمكن ممارسته في أوقات الفراغ، بل هو حالة نفسية وفكرية تتطلب أجواءً من الهدوء والانسجام مع الذات. ومع ذلك، يجد الكاتب نفسه مضطرًا لتخصيص وقت متأخر من الليل، حيث يتغلب على التعب والإرهاق ليمنح الكلمات فرصة للتعبير عن أفكاره. لكن هذه التضحية لها ثمنها، فهي تأتي على حساب الصحة النفسية والجسدية، مع ساعات نوم قليلة وتركيز مشتت، ما يضعف في بعض الأحيان جودة العمل الأدبي أو الأداء المهني.
– التحدي الأكبر يكمن في إيجاد توازن حقيقي يتيح للكاتب أن يكون حاضرًا في عمله الإبداعي دون أن يتنازل عن التزاماته المهنية. هذه المهمة ليست سهلة، لكنها ممكنة من خلال إدارة أفضل للوقت والموارد، وكذلك بالاعتراف بقيمة الإبداع كجزء من الهوية الإنسانية، لا كمجرد نشاط ثانوي. فالإبداع الأدبي هو ما يمنح المهنة روحًا، وهو ما يجعل العمل اليومي أكثر تحملًا وأقل رتابة، حين يكون للكاتب نافذة يطل منها على عوالمه الخاصة بعيدًا عن ضغوط الواقع.

16 ) حصدت عدة جوائز ودروع أدبية، إلى أي مدى تشجعك مثل هذه المحطات على مواصلة مشروعك الإبداعي؟

– الجوائز والدروع الأدبية، رغم أنها لحظات من الفخر والاعتراف بالجهد الإبداعي، إلا أنها تحمل في جوهرها أبعادًا تتجاوز مجرد التكريم؛ فهي تكليف قبل أن تكون تشريفًا. عندما يحصل الكاتب على جائزة، يصبح أمام مسؤولية أكبر تجاه قرائه ومجتمعه، فهو لم يعد يمثل نفسه فقط، بل يمثل تطلعات الكثيرين الذين وجدوا في كتاباته صوتًا يعبر عنهم.
– هذه المحطات تمنحني حافزًا لمواصلة مشروعي الإبداعي، ولكنها في الوقت ذاته تضعني أمام تحديات جديدة. فكل إنجاز يحمل معه توقعات أعلى، وكل جائزة تفتح الباب للتساؤل حول الخطوة التالية ومدى القدرة على تقديم شيء مختلف وأعمق. لذلك، أتعامل مع هذه المحطات كتذكير دائم بضرورة التطور والبحث عن أفق جديد في الكتابة، بعيدًا عن الرضا بما تحقق.
– ومع ذلك، تبقى الجوائز في النهاية مجرد شواهد ورقية قد تغنيك عن الطبع والنشر، لكن لا ينبغي لها أن تقتصر على مجرد التكريم. الجوائز المبتغاة يجب أن تساهم بشكل حقيقي في دعم المبدع، خاصة في توفير وسائل طبع منتجه الأدبي على حساب الجائزة نفسها، وليس العكس. فمن غير المقبول أن يصبح الكاتب في حاجة إلى تمويل طبع أعماله من جيبه الخاص بعد أن تم تكريمه بجائزة أدبية.
– الجوائز ليست نهاية المطاف بالنسبة لي، بل بداية لمسار جديد يفرض على الكاتب أن يكون أكثر صدقًا مع نفسه ومع نصوصه، وأن يظل وفيًا لرسالته الأدبية، دون أن يستسلم لضغوط النجاح أو لأضواء الشهرة. هي لحظات تدعو للتأمل والعمل المستمر، وتذكرني دائمًا بأن الإبداع مسؤولية تتطلب الإخلاص، والاجتهاد، والإصرار على تقديم الأفضل.

17) في ظل تزايد الإنتاج الأدبي الرقمي، كيف تقيّم تجربتك الخاصة؟ وهل تفكر في نشر إنتاجك المقبل إلكترونيًا أم ورقيًا؟

– في ظل تزايد الإنتاج الأدبي الرقمي، أرى أن هذه الظاهرة تحمل في طياتها إمكانيات هائلة من حيث الوصول السريع إلى جمهور واسع. لكن في الوقت نفسه، تظل هناك تحديات تتعلق بحماية الملكية الفكرية والأمان الرقمي. بالنسبة لي، قمت بنشر ثلاثة أعمال ورقيًا حفاظًا على ملكيتها وضمانًا لحقوق المؤلف. فالنشر الورقي، رغم التحديات الاقتصادية واللوجستية التي قد يواجهها الكاتب، يظل أكثر أمانًا من حيث الحفاظ على النصوص وحمايتها من النسخ غير المرخص.
– أما فيما يخص النشر الإلكتروني، فإنه يقدم فرصة كبيرة للتعريف بالأعمال الأدبية، لاسيما في ظل غياب انتشار ثقافة الكتاب بشكل كافٍ في المجتمع ، حيث بات الهاتف المحمول هو البديل الأكثر استخدامًا للكتاب. وعلى الرغم من ذلك، يظل النشر الإلكتروني في نظري غير مؤمن تمامًا، إذ تظل هناك مخاوف تتعلق بالقرصنة وصعوبة حماية الأعمال.
– في المستقبل، قد أفكر في نشر بعض أعمالي إلكترونيًا لتوسيع دائرة الانتشار والوصول إلى جمهور أكبر، خاصة في ظل زيادة الإقبال على القراءة الرقمية. لكن هذا لن يكون إلا بعد دراسة دقيقة للوسائل المتاحة التي تضمن حماية حقوقي الأدبية بشكل كافٍ. بالنهاية، يبقى التوازن بين النشر الورقي والإلكتروني هو الخيار الأكثر واقعية والأنسب لمستقبل الأدب في زمن الرقمنة.

18 ) كيف تتصور الأدب كجسر بين الإنسان والواقع، خصوصًا في المناطق النائية حيث عملت؟

– الأدب هو وسيلة فاعلة لنقل معاناة الإنسان في مختلف سياقات حياته، خصوصًا في المناطق النائية التي يغلب عليها الصمت وتغيب عنها الأضواء. في هذه الأماكن، حيث تتعثر الحياة اليومية بين صعوبات اقتصادية واجتماعية، يصبح الأدب جسرًا بين الإنسان وواقعه المعيش. الكتابة عن هؤلاء الناس تعني أن نغوص في تفاصيل حياتهم الصغيرة والكبيرة، لننقل أحلامهم وآلامهم بأمانة ودقة.
– إن الأدب في مثل هذه المناطق لا يقتصر على وصف الواقع كما هو، بل يمتد ليمنح صوتًا لأولئك الذين لا يُسمع صراخهم في الزحام. من خلال الكلمات، يمكن للكاتب أن يروي قصصًا غائبة عن معظم الناس، ويكشف عن أسرار الحياة اليومية التي تُحاك في الظل، مثل معاناة الفقراء، وأملهم البسيط في غدٍ أفضل، وصمودهم في وجه التحديات القاسية.
– الأدب هنا ليس مجرد فعل سردي، بل هو وسيلة للتعبير عن هوية هؤلاء الناس، وعن مراراتهم وأفراحهم. من خلاله، يمكن للكاتب أن يطرح الأسئلة الكبرى حول الظلم الاجتماعي، والفقر، وتهميش الأطراف، بينما يروي أيضًا لحظات الإنسان العادي في تقلبات الحياة. إذ يمكن للأدب أن يصبح أداة لتوثيق هذه التجارب، ومشاركة الواقع بكل جوانبه المعقدة مع القارئ، ليكون الجسر الذي يوصل هموم هؤلاء الناس إلى العالم الأوسع.

19 ) ما هي مشاريعك الأدبية القادمة؟ وهل تفكر في طرق أجناس أدبية أخرى؟

– في الوقت الراهن، أركز جهودي على ثلاثة مشاريع أدبية تتنوع في موضوعاتها وأجناسها. أولاً، هناك روايتي “عثرات يوسف”، التي تستعرض التفاعلات النفسية العميقة للشخصيات وتدور حول معاناتهم الإنسانية في مواجهة التحديات العاطفية والاجتماعية. أما الرواية الثانية “مطاردة العميلة الفيدرالية ليلى للزئبقي الدكالي”، فهي تجمع بين التشويق والإثارة في إطار التحقيقات المعقدة والجريمة، حيث أتطلع إلى استكشاف أبعاد الشخصيات المتورطة في مؤامرات وأحداث مثيرة.
– أما العمل الثالث، فيتمثل في مجموعة مقالات تهدف إلى تعزيز التنمية الذاتية خاصة بين الشباب، حيث أتناول مواضيع كالطاقة الإيجابية، والتسامح، والإبداع، وأهمية التطوع داخل المدارس. هذا المشروع ليس مجرد كتابة نصوص، بل هو دعوة للإيجابية والتغيير داخل المجتمع، من خلال تحفيز الشباب على تبني سلوكيات تعزز من نموهم الشخصي وتساهم في بناء بيئات مدرسية أكثر تفاعلًا وتعاونًا.
– كما أنني أطمح في المستقبل إلى استكشاف أجناس أدبية أخرى، حيث أرى في الكتابة نوعًا من التجربة المستمرة التي تتجدد مع كل فكرة وكل لحظة. قد أختار الكتابة في مجالات أخرى مثل المسرح أو الأدب الفلسفي، حيث أجد في كل مجال إبداعي تحديًا جديدًا وفرصة لتوسيع الأفق الأدبي والنفسي.

20) ما هو الحلم الذي يتطلع إليه يونس كمال على المستوى الأدبي والإنساني؟

– الحلم الذي يسعى إليه يونس كمال هو خلق بيئة ثقافية تنبض بالقراءة والإبداع، حيث يكون الأدب أداة للتغيير الحقيقي. أطمح إلى نشر ثقافة المطالعة بين الأجيال الصاعدة، وتعزيز حب القراءة كجزء أساسي من حياتهم اليومية، لأن الكتاب هو الرفيق الذي يفتح الأفق ويغني الفكر. بالإضافة إلى ذلك، أسعى إلى تطوير أعمال أدبية متنوعة تتناول قضايا إنسانية واجتماعية تلامس الواقع وتؤثر في الحياة بشكل إيجابي.
– بعيدًا عن أي طموحات سطحية أو تسلق غير نزيه، أحلم بتوسيع دائرة القراء، بحيث تصل أعمالي إلى أشخاص مختلفين من ثقافات وتوجهات متنوعة. أطمح إلى أن أكون جزءًا من الحركة الثقافية التي تشجع على التفكير النقدي وتعزز من قيم التعاون والاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع.
– كما أنني أتطلع إلى أن تكون أعمالي الأدبية مصدر إلهام للآخرين، بحيث تحفزهم على الإبداع والتفكير المستقل، بعيدًا عن قيود المألوف أو الضغوطات المجتمعية.

21 ) أخيرًا، كيف تلخص رسالتك للأجيال القادمة من خلال تجربتك الأدبية والتربوية؟

– رسالتي للأجيال القادمة تتلخص في ضرورة خلق مفهوم الإنسان الواعي بذاته، الذي يعي مسؤولياته تجاه نفسه وتجاه مجتمعه. يجب أن يسعى كل فرد إلى بناء شخصيته من خلال قيم إنسانية نبيلة، تتجلى في سلوكياته اليومية، وفي تفاعلاته مع الآخرين. فالإبداع الحقيقي لا يكمن فقط في إنتاج الأعمال الأدبية أو الفنية، بل في قدرتنا على تجسيد المبادئ الإنسانية في حياتنا العملية، وعلى أن نكون سفراء للقيم التي تعزز من السلام الداخلي والتفاهم والتسامح.
– من خلال تجربتي الأدبية والتربوية، أؤمن بأن الإبداع لا يتوقف عند حدود الكتابة أو التأليف، بل هو أداة لخلق عالم أفضل. لذلك، فإن الأجيال القادمة مطالبة أن تكون أكثر وعيًا بذاتها، وأن تبني قيمها على أساس من التفاؤل، والتفكير النقدي، والمشاركة الفعالة في بناء مستقبل مشترك يتسم بالعدالة والمساواة. في النهاية، لا يمكن أن يكون النجاح حقيقيًا إلا إذا تحقق في كل فرد تغيّر إيجابي يدفعه نحو تحقيق ذاته ورؤية هذا التغيير في محيطه.
وشكرا جزيلا على سعة صدركم

عن admin

شاهد أيضاً

ليلة من الثقافة والفحوى… حين يتحول الحي إلى منبر للإبداع

متابعة وتحرير حسن بوسرحان… الموقع الإلكتروني الأفق المغربي. في مشهد ثقافي نابض بالحياة، احتضن فضاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *