أخبار عاجلة

سيرةومسار مع الضيف ذ طارق ابراهيم الشناوي اعداد محمد احمد طالبي اخراج حسن بوسرحان..

[سيرة ومسار]

الضيف د.ابراهيم الشناوي
اعداد محمد احمد طالبي
اخراج حسن بوسرحان

في فضاءات الأدب والفكر، حيث الكلمات تتماهى مع الروح، وحيث الحروف تعيد تشكيل العالم بلون الإبداع، تبرز أسماء كأنها نجوم في سماء الثقافة. واليوم، نتوقف عند اسم مميز، رجل جمع بين العلم والأدب، بين هندسة الكهرباء وإضاءة القلوب بقصصه ورواياته، إنه الدكتور طارق إبراهيم الشناوي، المهندس المبدع، والكاتب المتألق.
من شواطئ الإسكندرية حيث ولِد عام 1972، إلى فضاءات الفكر الممتدة عبر الزمان والمكان، نسج الشناوي عالما أدبيا متفردا، يلتقط فيه تفاصيل الحياة اليومية ويحوّلها إلى أعمال أدبية تسكن الوجدان. مسيرته التي بدأت بعضويته في جماعة الفنانين والكتاب (أتيليه الإسكندرية) منذ عام 1995، كانت شاهدة على موهبته التي أزهرت في الرواية، القصة، المسرح، والمقال.

أصدر ثلاث روايات، أبرزها “لماذا لم تقل أحبك؟”، التي أبحرت في عمق المشاعر الإنسانية، لتتلقى إشادات نقدية واسعة. وفي القصة القصيرة، قدم مجموعات لامست القلوب، مثل “الهالة” و”ريتسا لأميرة البحر”، ليؤكد حضوره المتفرد في ساحة السرد العربي. كما أبدع في صياغة القصص المسرحية والمقالات النقدية، وترك بصمته في المسابقات الأدبية والمؤتمرات الثقافية.
نستضيف اليوم هذا المبدع الذي جمع بين دقة المهندس وحساسية الأديب، لنقترب من تفاصيل رحلته، ونكشف خفايا إبداعاته.
مرحباً بكم في عالم الكلمات التي تضيء المعنى.

سيرة ذاتية

د. طارق إبراهيم الشناوى
– من مواليد الاسكندرية، جمهورية مصر العربية، عام 1972.
– حاصل على درجة الدكتوراه في الهندسة الكهربائية من جامعة الإسكندرية 2010.
– يعمل حاليا مديرًا لقطاع الطاقة بشركة أنربك للبترول بالإسكندرية.
– عضو جماعة الفنانين والكتاب (أتيليه الاسكندرية) منذ عام 1995، وأحد مؤسسي ورشة الشعر وورشة القصة بأتيليه الإسكندرية، وعضو مجلس الإدارة ورئيس اللجنة الثقافية بأتيليه الإسكندرية خلال الفترة من عام 2000 وحتى عام 2004.
– له 3 روايات منشورة:
⦁ لماذا لم تقل أحبكِ؟ دار ديوان العرب للنشر والتوزيع.
⦁ هل من أحدٍ هناك؟ المكتبة العربية للنشر والتوزيع.
⦁ الأندلس – غزة، دار مختلف للنشر والتوزيع.
– له مجموعتان قصصيتان منشورتان:
⦁ ريتسا لأميرة البحر، دار الوصل (الإمارات).
⦁ الهالة، دار ديوان العرب للنشر والتوزيع.
– نشر العديد من القصص القصيرة بالصحف والمجلات مثل الأهرام، القاهرة، الثقافة الجديدة، الدستور، منبر التحرير، أوروك، أمارجي، عروس الآداب، ميسان، بوح قلم، القلم الثقافية.
– نشر العديد من القصص القصيرة بعدد من الكتب المجمعة مع زملاء آخرين.
– حصل على العديد من الجوائز الأدبية عن مشاركاته في مسابقات القصة القصيرة والرواية.
– له عدة مساهمات في كتابة المسرحية والمقال والقراءات النقدية لأعمال زملائه من الأدباء.
– شارك في العديد من المؤتمرات الأدبية والندوات الثقافية.
بيانات التواصل:
موبايل: 01223926297
إيميل: tshennawy@yahoo.com
صفحة الفيسبوك: www.facebook.com/tarek.elshennawy.3/about
روايات منشورة
⦁ لماذا لم تقل أحبكِ؟ من إصدار دار ديوان العرب للنشر والتوزيع، 2024.
⦁ نشر الفصل الأول من الرواية في جريدة ميسان العراقية الأسبوعية، العدد 34، عدد 3 يوليو 2024.
⦁ تقديم نبذة عن الرواية وقراءة صفحة منها في برنامج (صفحة من رواية)، على إذاعة البرنامج الثقافي، يوم الأربعاء 24 يوليو 2024.
⦁ نشر دراسة نقدية بعنوان البنية السردية في رواية (لماذا لم تقل أحبكِ؟)، للناقد كرم الصباغ، العدد 109 من ملحق أوروك الأدبي (العراق)، 16 يوليو 2024.
⦁ تقديم حلقة في برنامج (ما قيل في مقال)، على إذاعة البرنامج الثقافي، لعرض دراسة الناقد كرم الصباغ، يوم الأحد 4 أغسطس 2024.
⦁ نشر دراسة نقدية بعنوان دراسة تفكيكية لرواية (لماذا لم تقل أحبك؟)، للناقد أحمد فاروق بيضون، جريدة المسار العربي، يوم السبت 26 أكتوبر 2024.
⦁ هل من أحد هناك؟ من إصدار المكتبة العربية للنشر والتوزيع، 2024.
⦁ تقديم نبذة عن الرواية وقراءة صفحة منها في برنامج (صفحة من رواية)، على إذاعة البرنامج الثقافي، يوم الجمعة 1 نوفمبر 2024.
⦁ الأندلس – غزة، من إصدار دار مختلف للنشر والتوزيع، 2024.
مجموعات قصصية منشورة
⦁ الهالة، من إصدار دار ديوان العرب للنشر والتوزيع، 2024.
⦁ إجراء حوار إذاعي عن المجموعة في برنامج (فكر، أدب ، فن، خارج العاصمة)، على إذاعة البرنامج الثقافي، يوم الخميس 5 ديسمبر 2024.
⦁ ريتسا لأميرة البحر، من إصدار دار الوصل للنشر والتوزيع بالإمارات بالاشتراك مع دار وليد للنشر والتوزيع والبرمجيات بمصر، 2024.

قصص قصيرة منشورة في دوريات:
⦁ الأمر إليكِ، العدد الثاني من مجلة القلم الثقافية (السويد)، 1 سبتمبر 2023.
⦁ بئر الأمنيات، العدد 1219 من جريدة القاهرة (مصر)، 28 نوفمبر 2023.
⦁ حفل توقيع، العدد الأول من سلسلة بوح قلم، مبدعون بلا ضفاف (المغرب)، 1 ديسمبر 2023.
⦁ حمام الحمى، العدد الرابع من مجلة القلم الثقافية (السويد)، 1 يناير 2024.
⦁ وأعدوا، العدد 98 من جريدة أوروك (العراق)، 23 يناير 2024.
⦁ شتاء داخلي، العدد 1229 من جريدة القاهرة (مصر)، 6 فبراير 2024.
⦁ لا تتركوني وحدي، العدد 99 من ملحق أوروك الأدبي (العراق)، 13 فبراير 2024.
⦁ زواج الويك إند، العدد الخامس من مجلة القلم الثقافية (السويد)، 1 مارس 2024.
⦁ بئر مسعود، العدد 403 من مجلة الثقافة الجديدة (مصر)، 1 مارس 2024.
⦁ عن الفتاة التي والفتى الذي لم، العدد السادس من مجلة القلم الثقافية (السويد)، 1 مايو 2024.
⦁ يوم وفاة أخي فاضل، العدد 115 من مجلة أمارجي السومرية (العراق)، 1 مايو 2024.
⦁ لعبة الموت والحياة، العدد 6013 من جريدة الدستور (مصر)، 5 مايو 2024.
⦁ المباراة النهائية، العدد السابع من مجلة القلم الثقافية (السويد)، 1 يوليو 2024.
⦁ في بيت غيط العنب، العدد 50278 من جريدة الأهرام، ملحق الجمعة، 2 أغسطس 2024.
⦁ أنا حامل، العدد الثامن من مجلة القلم الثقافية (السويد)، 1 سبتمبر 2024.
⦁ طلوع السلالم، العدد 595 من جريدة منبر التحرير (مصر)، 10 سبتمبر 2024.
⦁ لواحظ، العدد 37 من جريدة ميسان (العراق)، 11 سبتمبر 2024.
⦁ أن تكون مساعدا لصاروخ، العدد 30 من مجلة عروس الآداب (العراق)، 1 أكتوبر 2024.

قصص منشورة إلكترونيًّا:
⦁ ألزهايمر، منشورة على منصة (مائة كلمة) التابعة لمجلة (سرد أدبي)، السعودية، 2023.
⦁ أكتوبرية، منشورة في كتاب (لآلئ السرد)، منتدى القصة القصيرة جدا الواقعية، 2023.
⦁ سابعة، الكتاب الالكتروني الخامس، رابطة القصة القصيرة جدًا في سوريا، مايو 2024.

قصص منشورة في كتب مجمعة بالاشتراك مع زملاء آخرين:
⦁ خمس قصص قصيرة، ضمن الجزء 19 من إصدار (نبض المبدعين العرب)، دار الرضا للطبع والنشر والتوزيع، 2023.
⦁ آلهة الإنسان الجديد، إحدى القصص الفائزة في مسابقة دار الواحة لقصص الخيال العلمي، صدرت في مجموعة (أرض الخيال)، دار الواحة للنشر والتوزيع، 2023.
⦁ اللامنتمي، إحدى القصص الفائزة في مسابقة لا مستحيلا، صدرت في مجموعة (حلزونة بالكافيار)، دار الزيات للنشر والتوزيع، 2023.
⦁ خريف داخلي، إحدى القصص الفائزة في مسابقة شبيه الروح، صدرت في مجموعة (ششششش)، دار الملتقى للنشر والتوزيع، 2024.
⦁ المسافر إلى المستقبل، إحدى القصص الفائزة في مسابقة الدكتور عصام محمود للخيال العلمي، صدرت في مجموعة (اختراقات جامحة)، دار الحسيني للنشر والتوزيع، 2024.
⦁ حكاية سلمى، ضمن مجموعة (أريج غزة)، دار ديوان العرب للنشر والتوزيع، 2024.
⦁ 10 قصص قصيرة جدًا، ضمن الجزء 20 من إصدار (نبض المبدعين العرب)، دار الرضا للطبع والنشر والتوزيع، 2024.
⦁ حورمحب وإخناتون، إحدى القصص الفائزة في مسابقة القصة القصيرة، صدرت في مجموعة (تسالي)، شركة الكاتب العربي، 2024. (تم إجراء مداخلة تليفونية مع الكاتب للحديث حول القصة في برنامج كلام مهم جدا على قناة الحدث اليوم الفضائية، يوم السبت 8 يونيو 2024).
⦁ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، إحدى القصص الفائزة في مسابقة القصص الدينية، صدرت في مجموعة (يحدث بعد ذلك أمرًا)، دار (المبدعون العرب للنشر والتوزيع والملتيميديا – نجار إخوان)، سبتمبر 2024.
⦁ عن الفتاة التي والفتى الذي لم & زواج الويك إند، في مجموعة (في إطار من الخيال)، قصص قصيرة مختارة من مجلة القلم الثقافية في عامها الأول، دار نشر رقمنة الكتاب العربي، ستوكهولم، السويد، نوفمبر 2024.

قصص فائزة في مسابقات أدبية:
⦁ ابني الحبيب، المركز الأول في مسابقة أدب الرسائل، نبض الإبداع العربي، دورة الأديب أحمد حسن الزيات، ونشرت في مجلة نبض الثقافة العربية، عدد نوفمبر 2023.
⦁ ريتسا لأميرة، المركز الثاني في مسابقة أكوا الإبداعية للكتابة السكندرية، دورة الأديب محمد الجمل، نوفمبر 2023. (مع قراءة نقدية للأديب سمير الفيل).
⦁ بيت جدتي، المركز الثاني في مسابقة ملتقى دار السرد الروائي بالعراق، دورة الأديبة ابتهال خلف الخياط، ديسمبر 2023.
⦁ مساواة – مستقبل – كتابة، المركز الأول في مسابقة القاص العربي، نبض الإبداع العربي، مارس 2024، ونشرت في مجلة نبض الثقافة العربية، العدد 35، مايو 2024.
⦁ في بيت غيط العنب، المركز الثاني في مسابقة أكوا الإبداعية للكتابة السكندرية، دورة الأديب محمد الصاوي، أبريل 2024.
⦁ الإنسان الجديد، المركز الأول في مسابقة ملتقى الإبداع العربي، دورة الشاعر أحمد مطر، أبريل 2024.
⦁ طلوع السلالم، المركز الثاني في مسابقة حكاية صناع السعادة للثقافة والفنون، أغسطس 2024.

مسرحيات:
⦁ حورمحب وإخناتون، المركز الرابع عشر في مسابقة الرؤى المسرحية، السلسلة الثانية، فئة النص المسرحي القصير، مجلة الرؤى العربية للإبداع والنقد، المغرب، أكتوبر 2024.
⦁ شال صوف، المركز الثاني في مسابقة النص المسرحي القصير، جروب بالتة وحرف، ديسمبر 2024.

مقالات:
– إبراهيم الرفاعي أسطورة الصاعقة، منشور في كتاب (الأبطال)، دار لوتس للنشر الحر، 2024.

حوارات:
⦁ المباشر وما بين السطور: أين يكمن إبداع الكاتب؟ منشور في مجلة (القلم الثقافية)، العدد السابع، يوليو 2024.
⦁ مائدة الحوار، منشور في مجلة نبض الثقافة العربية، العدد 39، سبتمبر 2024.
قراءات نقدية:
– قراءة لقصة (رسالة على شفا قلب) للأديبة السورية (غادة مصطفى)، أذيعت في برنامج (حبر افتراضي) في إذاعة البرنامج الثقافي يوم 22 أكتوبر 2024.
– قراءة للقصة القصيرة جدا (تدويل) للأديب (أحمد فاروق بيضون)، نشرت في مجلة (عروس الآداب)، عدد ديسمبر 2024.
[31/‏12, 11:10] محمد احمد الطالبي: مدخل الذات والكتابة:
“في أزقة الإسكندرية، حيث وُلدتَ وترعرعت، كيف صقلت المدينة ملامح وجدانك الأدبي؟ وما الذي بقي في ذاكرتك من تلك التفاصيل التي تُحييها نصوصك؟”

الصورة النمطية للإسكندرية، التي نراها في الأفلام والمسلسلات، حيث يصحو سكانها من النوم، يفتحون نوافذهم، ويتمتعون برؤية البحر، ويتنسمون هواءه المنعش، هي محض صورة خيالية، اللهم إلا من سكان الشريط الساحلي الضيق، بضعة آلاف من بين عدة ملايين يسكنون المدينة العتيقة. أما البحر، فكنت أركب الحافلة، أو أمشي في شوارع المدينة ما يقرب من الساعة حتى أصل لسور الكورنيش الحجري، حيث الأولاد الصغار يلهون ويلعبون، ينتشر الباعة والصيادين في كل مكان. في قصة “بئر الأمنيات”، كتبت عن العاشقين، الذين يتطلعان للبحر اللانهائي، ويعطيان ظهرهما للعالم، يلقيان عملتيهما في البئر المشهور، ويتمنيان، ماذا يتمنيان؟ وهل تحققت أمنياتهما؟ في قصة “بئر مسعود”، كتبت عن الصبية الذين يغوصون في البئر لجمع العملات والقطع الذهبية والفضية التي يلقيها الناس لجني البئر ليحقق لهم أحلامهم. في رواية “لماذا لم تقل أحبك؟”، كان الفتى والفتاة يسيران معا على سور الكورنيش، تمنت هي أن يمسك يدها، أن يبوح لها بكلمة واحدة، لكنه لم يقلها. كان هو يخشى أن يعدها بشيء لا يستطيع تحقيقه. في قصة “ريتسا لأميرة البحر”، كتبت عن الفتى الذي يصطاد قنفذ البحر (الريتسا)، ويتحمل وخز أشواكه المؤلمة في بسالة، فقط ليسعد برؤية فتاته تلتهم لحم الريتسا الطازج. في قصة “كرة الماء”، كتبت عن الأب الذي ابتلعته الأمواج وهو يحاول الوصول للكرة، كان يفكر في التراجع، ولكنه خشى أن تهتز صورته، كأب، أمام أولاده. في قصة “فريسكا”، كتبت عن الطالب الجامعي، الذي كان يبيع حلوى الفريسكا متخفيا، حافي القدمين، على الشواطئ البعيدة، فقط، ليجد نفسه وجها لوجه أمام فتاة أحلامه. في رواية “الأندلس – غزة”، ابتلع البحر فارس الأندلس الأخير، ليلقي به على شاطئ الإسكندرية في زمننا الحالي.

“بين الهندسة الكهربائية وشغف الأدب، كيف استطعت الموازنة بين عالمي العقل الصارم والقلب المبدع؟ وهل تجد في العلوم انعكاسًا فلسفيًا يغذي كتاباتك؟

الأدب من وجهة نظري هو إعادة هندسة العالم. العالم بوضعه الحالي لا يعجبني، ولا أريد أن أعيش فيه. أريد تفكيكه وإعادة ترتيبه وتركيبه. هذا هو ما تفعله الهندسة. الهندسة تساعدني على تنظيم الكتابة بعد التدفق اللاشعوري للأفكار والمشاعر. الخيال أيضا يساعدني على التفكير خارج الصندوق في عملي. التعارض بين العلم والأدب تعارض وهمي، في الواقع فإن العلاقة بينهما هي علاقة تكامل وليس تعارض. الهندسة تسعى لأن يكون العالم أفضل، وكذلك الأدب.العلم يخاطب العقل، أما الأدب فيخاطب الروح والوجدان، والعقل أيضا.

تجربة الكتابة الروائية: ”
“روايتك لماذا لم تقل أحبك؟ تُثير تساؤلات حول العلاقة بين البوح والصمت. كيف استطعت بناء الشخصيات في هذا النص لتكون مرآة للحياة الداخلية المُعقدة؟”

هذه الرواية هي أول رواية لي. استوحيت أحداث الجزء الأول من شخصيات حقيقية، عشت معهم وبينهم فترة الشباب والدراسة الجامعية، منذ ما يقرب من خمسة وعشرين عاما، حيث فورة الشباب، وتقارب المشاعر والأحاسيس، وتلاقي الأرواح. عقدة الرواية تمثلت في نمو علاقة حب عذري بين طالب جامعي وزميلته، وعندما يتقدم أحد أقارب الفتاة للزواج منها، تنتظر الفتاة من فتاها أن يصارحها بحبه، تريد منه وعد، كلمة واحدة فقط، تواجه بها العالم، ولكن الفتى لا يستطيع أن يبوح، وهو مازال طالبا، يأخذ مصروفه من أبيه، فتوافق الفتاة على الزواج من الخاطب ميسور الحال. بعد سنوات طوال، يلتقي الحبيبان مرة أخرى، الفتاة أصبحت أرملة وأم، والفتى صار زوجا وأب. وعندما يقابل البطل فتاة أحلامه السابقة، يتساءل؛ هل كان سعيدا في زواجه التقليدي؟ هل هناك فرصة لاستعادة الحب القديم؟ وماذا عن التزامه الأسري؟ وماذا عن موقف الحبيبة القديمة؟ أما البطلة الأربعينية، فتعيش مع ابنتيها المراهقتين وضعا اجتماعيا صعبا، وتخوض حروبا يومية لا يدري هو عنها شيئا. ثم يأتي دور الزوجة الغافلة التي تكتشف بالصدفة ما يفكر فيه زوجها الملاك الطاهر ذي الجناحين، فيحدث شرخا غائرا في علاقتهما الزوجية.

“في رواية الأندلس – غزة، يبدو وكأنك تُعيد صياغة أسئلة الهوية والصراع من منظور مختلف. ما الذي ألهمك لهذا المزج بين التاريخ والحاضر؟”

تبدأ الرواية من حدث تاريخي مفصلي، وهو تسليم أمير غرناطة، آخر الإمارات الإسلامية في الأندلس، الإمارة لفرناندو وايزابيلا ملكي أسبانيا، مقابل تعهدهما بحماية حقوق المسلمين، وممتلكاتهم، وحرياتهم في ممارسة الشعائر الدينية وغيرها. أثبتت الوقائع التاريخية أن هذه المعاهدة كانت حبرا على ورق، ومارس الأسبان أبشع وسائل التعذيب ومحاكم التفتيش والتنصير والتهجير القسري لأهل الأندلس. الوحيد الذي كان يرفض الاستسلام هو قائد المقاومة، موسى بن أبي الغسان، والذي اتهمه بعض بني وطنه بأنه لا يقرأ الواقع، وأنه السبب في الشدائد التي يعانون منها، وأن السلامة في التسليم. يبدأ الخيال عندما يبتلع إعصار هائل القائد موسى خلال إحدى عمليات المقاومة ويلقي به على شواطئ الإسكندرية في عصرنا الحالي. بعد أن استوعب الموقف، يبدأ في مقارنة ما حدث في عصره مع ما يحدث الآن، ويكتشف أن العرب والمسلمين لم يتعلموا الدرس، وما زالوا يثقون في وعود جوفاء، يعرفون هم قبل غيرهم أنها لن تنفذ، ويبحث كل منهم عن مصلحته الخاصة، حتى وصل بهم الحال إلى التعاون مع قوى البطش والاحتلال، وإلقاء اللوم على فصيل المقاومة الأخير والوحيد.

“هل تؤمن بأن الرواية الحديثة يجب أن تحمل أبعادًا فلسفية أو سياسية، أم أن جمال السرد يكفي ليُشكل قيمتها؟

الرواية يجب أن تحمل بعدا إنسانيا قبل كل شيء. ما الذي يجعل الأعمال الأدبية الكلاسيكية التي كتبت منذ مئات السنين حية حتى الآن؟ إنه البعد الإنساني. أؤمن أيضا أن لكل كاتب فلسفة حياتية خاصة به، يتفرد بها عن غيره، هذه الفلسفة ستبرز بدون شك في كتاباته، وربما بدون وعي الكاتب نفسه. الكتابة ذات البعد السياسي شبه محظورة في عالمنا العربي، وإذا تجرأ الكاتب وكتب، فإن الناشر لن يخاطر بأن ينشر، ويجعل نفسه وداره في مرمى سهام السلطة. هنا، قد يلجأ الكاتب إلى الرمز، أو إلى استدعاء التاريخ، وفي الحالتين، فإنه يعتمد على قدرة المتلقي على فك شيفرة الكتابة والوصول إلى المعنى المطلوب.

القصة القصيرة والمجموعات الأدبية:

“المجموعة القصصية ريتسا لأميرة البحر تنطوي على دلالات عميقة للتواصل الإنساني والحلم. ما الذي يُلهمك في القصص القصيرة تحديدًا؟ وهل تجدها أكثر تحديًا من الرواية؟”

القصة القصيرة هي فن الإمساك باللحظة. المفارقة الإنسانية. وحدة الزمان والمكان، التركيز على حدث واحد أو شخصية واحدة، عبارات مكثفة تحمل دلالات متعددة. لقد بدأت كاتبا للقصة القصيرة، قبل أن أتحول للرواية. أكتب القصة القصيرة في جلسة واحدة، منفعلا بالفكرة أو الحدث أو الموقف الإنساني. أما الرواية، فلها طقوس كتابة أخرى، وقد أستغرق عدة شهور في كتابتها، وفيها تتعدد الشخصيات وتتعقد الأحداث داخل حبكة الرواية، وأتمكن فيها من سرد التفاصيل الدقيقة، وأتقمص فيها كل شخصية، وأغوص في أعماقها النفسية، وأتحدث بأسلوبها. كل هذا ليس موجودا في القصة القصيرة. تحدي القصة القصيرة يكمن في كيفية التعبير عن الفكرة في كلمات قليلة.

“في قصتك بئر الأمنيات، يتماهى الواقعي بالخيالي. كيف ترى وظيفة الخيال في الأدب اليوم، في ظل هيمنة الواقعية المفرطة على النصوص الحديثة؟

اسمح لي ألا أتفق مع سيادتك في عبارة “هيمنة الواقعية المفرطة على النصوص الحديثة”. أنا أرى أن النصوص الحديثة يسيطر عليها الفانتازيا والرعب، ثم الواقعية ويتفرع منها الرومانسية والاجتماعية والأدب النفسي، ثم على مسافة كبيرة، أدب الخيال العلمي. من تجربتي الخاصة، أنطلق دائما من الواقع، ثم أجمح إلى الخيال. أشعر أن الكاتب الذي يعتمد على الكتابة الواقعية فقط يشبه المصور الفوتوغرافي، الذي ينقل صورة الواقع، بدون أن يتدخل بخياله. في رواياتي الثلاث، بدأت من واقع موجود بالفعل، ما بعد ذلك كله من الخيال. مزج الخيال بالواقع أو كما تقول سيادتك (تماهي الواقعي بالخيالي) هو أرقى الأنواع الأدبية من وجهة نظري.

الجوائز والإبداع الأدبي

“فزتَ بالعديد من الجوائز في مجالات القصة والرواية، كيف تُقيّم أثر الجوائز على مسيرة الكاتب؟ وهل تشعر أنها تُضيف عبئًا إبداعيًا أم تُفتح آفاقًا جديدة؟”

هناك فلسفتان للجوائز، هل ننظر إليها باعتبارها تتويجا لمنجز الكاتب الأدبي، أم ننظر إليها باعتبارها تشجيعا لأصوات أدبية واعدة. جائزة نوبل على سبيل المثال، حولت فلسفتها فى السنوات الأخيرة، بحيث يفاجأ المثقفون كل عام بشخصيات مجهولة نسبيا تحصل على الجائزة، بينما يتم تجاهل أسماء كبيرة، مثل هاروكي موراكامي وميلان كونديرا وإسماعيل قدري وأدونيس وغيرهم. في الآونة الأخيرة بدأت تظهر بعض الجوائز ذات العوائد المالية الضخمة وخصوصا في دول الخليج، مثل جائزة كتارا للرواية وجائزة القلم الذهبي وجائزة الملتقى للقصة القصيرة وجائزة سرد الذهب. مشكلة هذه الجوائز أنه ما إن يتم إعلان نتائجها حتى يتم التشكيك في لجنة الجائزة، واتهام الفائزين بوجود تربيطات أو اتفاقات سرية أو حسابات خاصة أو ما شابه. فكر المؤامرة ما زال يسيطر على تفكير المثقفين في عالمنا العربي. بالنسبة لي، الجوائز مهمة بالفعل، فهي تعد اعترافا من الوسط الأدبي بموهبة الكاتب، وهي تمثل عبئا إبداعيا على الكاتب الذي يريد ألا يتوقف عند تلك المرحلة، بل تفتح له الجوائز آفاقا جديدة ليحاول سبرها والغوص في تفاصيلها ليخرج لنا بأعمال جديدة متفردة لها خصوصيتها الإبداعية.

“ما الدور الذي لعبته المسابقات الأدبية في تطوير تجربتك، خاصة في مواجهة كتّاب آخرين وأصوات جديدة؟

المسابقات الأدبية كانت مفيدة لي من ناحينتين: أولا، هي تضع آجالا نهائية للمشاركة. بدون هذه الآجال، سأظل كسولا في الكتابة، أكتب يوما وأتوقف أياما. فإذا ما انتهيت من الكتابة، تبدأ مرحلة التنقيح والتحسين والتجويد، وحذف كلمات أو جمل أو فقرات من هنا وهناك وإضافة أخرى، بالإضافة إلى التدقيق النحوي والبنائي. فإذا أردت المشاركة بإحدى المسابقات، كان عليّ أن أنتهي من كل هذا قبل موعد انتهاء المسابقة. الناحية الإيجابية الأخرى هي أن عملي يتم تقييمه من قبل لجنة التحكيم المنوطة باختيار أفضل النصوص من بين النصوص المقدمة لهم. هذا يساعدني على معرفة مكاني وسط الزملاء، لا أقول في مواجهة كتاب آخرين، بل بينهم. الأمر لا يخلو من ذائقة النقاد الأدبية، وبعض الاعتبارات الأخرى كمراعاة التنوع في جنسيات الفائزين أو في نسبة الذكور والإناث، ولكن المشاركة المستمرة وتحصيل مراكز متقدمة يعزز من ثقة الكاتب في كتاباته عندما يجد اسمه في القائمة الطويلة أو القائمة القصيرة للمسابقة، لا سيما إذا كان أعضاء لجنة التقييم من ذوي السمعة الطيبة في مجال الأدب، نقادا كانوا أو مبدعين.

التفاعل مع القرّاء والنقد

“نُشرت دراسات نقدية متعددة عن أعمالك. كيف ترى تأثير النقد الأدبي في إثراء نصوصك؟ وهل تجد أحيانًا أن القراءات النقدية تُعيد تعريف العمل الأدبي؟”

كان من حُسن حظي أن الأستاذ كرم الصباغ، وهو قاص وناقد نابه، قد اطلع على روايتي الأولى (لماذا لم تقل أحبك؟)، وكتب عنها دراسة تحليلية، نشرت في إحدى المجلات الأدبية الشهيرة. وقد وضع يده على مفاتيح الرواية بحق، بدلا من النقد الانطباعي المعتاد. الكثيرون قرأوا هذه الدراسة، ودفعتهم إلى أن يقرأوا الرواية نفسها، والبعض آثر أن يقرأ الرواية بنظرة مغايرة ورؤية طازجة غير موجهة، وكل هذه القراءات أعطت ثراءً للعمل الأدبي. على الجانب الآخر، فقد كتب ناقد آخر دراسة نقدية تفكيكية عن الرواية ذاتها، لم أفهم شيئا منها، فقد امتلأت بالمصطلحات الأجنبية، والتنظيرات الغريبة التي حاول ناقدنا أن يجعل الرواية تندرج تحت هذه التصنيفات سابقة التجهيز. النقد الأدبي الرصين هام للغاية للكاتب، وخصوصا إذا كان في خطواته الأولى، ولا بأس من بعض الهمسات في أذن الأديب حتى يطور من نفسه ومن أسلوبه ومن كتاباته في المراحل التالية، بعكس النقد الذي يقدم نفسه باعتباره إبداعا موازيا، محاولا لفت الانتباه إلى النقد ذاته بأكثر مما يفعل بالنص الأصلي.

“هل تعتقد أن على الكاتب أن ينحني قليلاً لرغبات جمهوره، أم أن استقلالية الإبداع مقدسة؟

لا انحناء في الأمر ولا تقديس. للإجابة على هذا السؤال أعود إلى الأسئلة الوجودية للكاتب: لماذا أكتب؟ ولمن أكتب؟ ربما في البدايات تجد الكاتب يقول إن القصة أو الرواية أو القصيدة هي التي تكتبه، وأنه شعر بهاجس يلح عليه يدفعه إلى الكتابة، أو أن لديه أفكارا أو مشاعر معينة أراد أن يشاركها مع المتلقين. بعد أن يرسخ الكاتب أقدامه في مجال الكتابة، وتتكون لديه قاعدة معقولة من القراء، هنا، يحق لنا أن نسأل: ما هي رغبات جمهوره؟ أنا مثلا أحب النهايات المفتوحة، وأحب أن يشاركني القارئ بخياله في رسم النهاية، وربما لا تعجب هذه النهايات أذواق بعض القراء، والذين يعتبرون أن النهايات المفتوحة تبتر القصة في أهم أجزائها. بعض القراء لم يعجبهم النهايات (المقفلة) لبعض أعمالي، وطالبوني بتغييرها في الطبعات التالية. هل (أنحني) لرغبات القراء؟ هناك قصة شهيرة للمؤلف الأمريكي (ستيفن كينج) بعنوان misery أو بؤس، عن قارئة تختطف مؤلف شهير وتقوم بحبسه وتعذيبه حتى يكتب نهاية أخرى لروايته، غير تلك التي لم تعجبها. القصة خيالية بالطبع، ولكننا نستطيع تفهم فكرة (كينج) الذي يتابعه ملايين القراء حول العالم، وبالتأكيد تتباين آراؤهم حول أعماله. في أحد المرات، طالبني أحد القراء بأن أكتب في مجال الرعب، وإلا فإنه سيتوقف عن متابعة أعمالي. هل عليّ في هذه الحالة أن أترك مشروعي الأدبي، ونوعية الكتابة التي أحببتها، لكي ألبي رغبة القارئ العزيز؟ على الجانب الآخر فإنني شديد الحرص على الاستماع لآراء النقاد الثقات، وكذلك لبعض الزملاء الأدباء، فيما تطلق عليه الهندسة مبدأ التغذية العكسية أو feedback حتى أتمكن من تطوير أسلوبي وكتاباتي التالية.

المسرح والتجربة النصية المتعددة:

“كتابتك للمسرحية، مثل حورمحب وإخناتون وشال صوف، تعكس ميلًا للتعبير عن القضايا الكبرى من خلال الحوار. كيف ترى الكتابة المسرحية كفضاء مختلف عن السرد التقليدي؟”

الكتابة للمسرح هي حلم يراودني منذ فترة الشباب. أتذكر عندما كنت طالبا بكلية الهندسة في تسعينيات القرن العشرين، كتبت مسرحية قصيرة تعبر عن القضايا الشبابية في ذلك الوقت، وحاولت تقديمها على مسرح الكلية، إلا أن سيطرة الجماعات الدينية وقتها على الأنشطة الطلابية حالت دون أن ترى المسرحية النور. مسرحية (حورمحب وإخناتون) تطرح فكرة الصراع بين فكرتين: الفكرة الأولى والتي يمثلها إخناتون الفرعون الشاب، ورغبته في إحداث ثورة حقيقية للقضاء على الفكر القديم المتأصل والمتجذر في المجتمع، في كل مجالات الحياة؛ في السياسة وفي الدين وفي الأدب وفي الفن، والفكرة الثانية والتي يمثلها صديقه وقائد جيشه حورمحب، والذي يرى بعينيه أن هذه الثورة قد عرضت البلاد للمخاطر الخارجية من أعدائها المتربصين بها، كما عرضتها لمخاطر نشوب حرب أهلية، بين أنصار إخناتون وبين أعدائه الكثيرين، ويجد نفسه مضطرا للانحياز إلى أحد طرفي الصراع.
مسرحية (شال صوف) كانت في الأصل قصة قصيرة، ووجدت أن عنصر الحوار طغى على عنصر السرد، كما يظهر عنصر الصراع بين الشيخ الثري الذي يريد أن يتزوج خادمته بعد وفاة زوجته، وبين أبنائه الذين يرفضون هذه الزيجة ويرون في الخادمة خطرا داهما على أنصبتهم في إرث والدهم المنتظر. بعد كتابة القصة، أعدت النظر فيها، فوجدتها أقرب إلى المسرحية القصيرة، فأعدت صياغتها لتناسب أجواء المسرح، وكتبتها في صيغتها الجديدة مرتين؛ مرة بالفصحى وأخرى بالعامية، حتى تكون متاحة للعرض بحسب رؤية المخرج.

“هل تعتقد أن المسرح العربي اليوم يُتيح مساحة كافية للنصوص التي تستكشف القضايا الفكرية والوجودية؟

المسرح العربي نفسه في أزمة وجودية كبيرة، فعلى الرغم من وجود العديد من النصوص الإبداعية المتميزة، وعدد كبير من الممثلين والمخرجين المسرحيين النابهين، وخصوصا من الشباب، وكذلك توافر الخبراء التقنيين المسئولين عن الإضاءة والديكور والملابس والمؤثرات الصوتية والبصرية، إلا أن المشكلة الكبرى تتمثل في الرقابة الصارمة التي تفرضها السلطات على العروض المسرحية التي تعرض قضايا فكرية، أما إن كان العرض المسرحي هزليا أو استعراضيا، فلا حرج هناك ولا قيد، بل على العكس، تجد الكثير من الجهات تتسابق على إنتاجه وتقديمه للجمهور. هناك بعض الجهود الفردية من المخلصين لهذا الفن العريق، (أبو الفنون) كما يسمونه، ولكن تظل العقبة الكأداء هي الرقابة الصارمة، والتي تحولت بفعل الأمر الواقع إلى رقابة ذاتية يفرضها المبدع على نفسه وهو يكتب.

تأثير التكنولوجيا على الأدب:

“في زمن المنصات الرقمية والكتابة الإلكترونية، كيف ترى تأثير التكنولوجيا على طبيعة الأدب وذائقة القارئ؟ وهل تجد أن للنشر الإلكتروني مكانة مستحقة في مستقبل الأدب؟”

مع وجود أزمات متعددة في النشر الورقي، ومن أهمها التكلفة العالية للأوراق والأحبار ومستلزمات الطباعة، وقلة إقبال القراء على شراء الكتب غالية الثمن، في ظل أزمات متتالية تعصف بقدرة القارئ على تلبية احتياجاته الأساسية، ومع تطور الفضاء الالكتروني وكثرة المنتديات والجروبات والصفحات الأدبية، كل هذا أثر على نوعية الكتابة الأدبية على المنصات الالكترونية، وعلى ذائقة المتلقي أيضا. فبعض المنصات الالكترونية تسمح بنشر كل ما يتم وضعه على جدار الصفحة مباشرة، من أجل انتشار أوسع، على حساب الجودة. يجب هنا أن يكون هناك نوع من المراجعة من قبل مديري هذه المنتديات، أولا من الناحية اللغوية، حتى لا نرى ما نراه من اغتيال علني للغتنا العربية، وثانيا من ناحية جودة الكتابة، حتى لا نغرق وسط ركام من الركاكة الأدبية، وهو ما قد يدفع القارئ إلى الانصراف بالكلية عن القراءة. على المستوى الشخصي، فإنني أميل إلى ملمس الكتاب الورقي، ورائحته، وتصفحه، والإمساك به، كل هذا يؤدي إلى وجود نوع من العلاقة مع الكتاب الورقي، ولطالما وضعت خطوطا تحت عبارات بعينها، أو كتبت ملاحظة أو اثنتين على هوامش كتبي، وحتى عندما كنت أستعير بعض الكتب من المكتبات العامة أو من مكتبات بعض الأصدقاء، أو أشتري بعض الكتب المستعملة، كنت أشعر وكأنني التقيت بمن قرأ هذا الكتاب قبلي، وترك جزءً من نفسه على صفحات الكتاب. لكن، كل شيء يتطور، وجريدتي المفضلة التي كانت تطبع ملايين النسخ، تحولت هي الأخرى إلى منصة الكترونية لتواكب هذا التطور، وكذلك أرى مستقبل الكتاب. صحيح أن كتبي الخمسة منشورة ورقيا، إلا أنني أفكر جديا بعد انتهاء عقود النشر في نشرها الكترونيا، لكي تكون متاحة بصورة أكبر للجميع.

“هل يختلف شعور الكاتب عند نشر نصوصه إلكترونيًا عما هو عليه في النشر الورقي؟ وكيف تقيم تجربتك مع النصوص المنشورة إلكترونيًا؟

لا يوجد لدي شعور أفضل من أن أرى أعمالي مطبوعة في كتاب، وأن أمسك بيدي النسخ الورقية التي ترسلها لي دور النشر، وأن أرى أعمالي على الرفوف في معارض الكتب، وقد جاورت أعمال الأدباء العظام. في أحد المعارض، جاء كتاب لي بين كتابين للعقاد والمنفلوطي. أي فرحة ونشوة وافتخار، شعور الطفل الذي يجد نفسه فجأة بجوار نجومه الأسطوريين، سوبرمان أو محمد صلاح. النصوص المنشورة الكترونيا تتيح للكاتب مساحة أكبر للانتشار وتجعله مقروءً من فئات لم يكن يحلم بالوصول إليها. تأتيني تعليقات على أعمالي المنشورة الكترونيا من السعودية ومن المغرب ومن الجزائر ومن الأردن ومن ليبيا، وحتى من أمريكا. لم يكن هذا ليحدث بدون النشر الالكتروني، ولكن، إذا خيرني الناشر بين النشر الورقي المطبوع وبين النشر الالكتروني، فإنني سوف أختار النشر الورقي، ثم بعد فترة، أنشره الكترونيا.

الخيال والعالم المعاصر:

“في قصصك الفائزة مثل الإنسان الجديد وآلهة الإنسان الجديد، تُظهر شغفًا بالخوض في أدب الخيال العلمي. هل ترى هذا النوع الأدبي قادرًا على التعبير عن قضايا العصر بشكل أقوى من الواقعية؟”

في الغرب، يقولون إنه ليس أديبا من لا يعرف القانون الثاني للديناميكا الحرارية. المغزى من العبارة أن المجتمع المعاصر هناك قائم على العلم، وأن الأديب، باعتباره يعبر عن المجتمع ويحلل ويناقش قضاياه ومشاكله، يجب أن يكون ملما بالعلوم العصرية. أما عندنا، فإن مجتمعاتنا العربية في معظمها تكره العلم، أو على أحسن الفرضيات، لا تأخذ بأسبابه. بالنسبة لي، فقد نشرت أكثر من ثلاثين بحثا علميا في المجلات العلمية والمؤتمرات الدولية، وقد أفادتني دراستي الأكاديمية والعلمية كثيرا في التفكير في كل الأمور بمنهج علمي، كما أفادتني بشكل خاص في كتابة أعمال الخيال العلمي، مثل رواية (هل من أحد هناك؟)، وعدد من القصص القصيرة. على الجانب الآخر، يجب أن يكون الأديب ذو الخلفية العلمية واعيا تماما عندما يكتب قصة أو رواية لها بعد علمي، حتى لا ينجرف إلى الأسلوب العلمي في الكتابة، وينسى أنه يكتب عملا أدبيا في المقام الأول، يجب أن تتوفر فيه عناصر الإبداع والخيال والتشويق. يحتاج الأمر إلى تهيئة ذهنية mindset للمزج بحرفية بين الأدب والعلم. دائما ما أقول لنفسي وأنا أكتب قصة خيال علمي: تذكر يا طارق، إنها قصة، إنك لا تعطي محاضرة ولا تكتب مقالا علميا، اسرح بخيالك، إنها قصة، قصة.
“الخيال العلمي والأدب الفلسفي غالبًا ما يتقاطعان في قضايا الوجود والمصير. هل وجدت نفسك يومًا في مواجهة أسئلة وجودية أثناء الكتابة؟
بالتأكيد، فرواية (هل من أحد هناك؟) على سبيل المثال، تناقش قضية وجود مخلوقات أخرى عاقلة في الفضاء الشاسع الذي يحيط بنا، ولا تمثل فيه الأرض سوى (نقطة زرقاء باهتة) على طرف مجرتنا، مجرة درب التبانة، والتي تحتوي على ملايين الشموس وبلايين الكواكب، وهذه المجرة نفسها هي واحدة من بلايين المجرات في الكون المنظور. إنه جزء صغير من الكون الذي استطعنا أن نراه أو نرصده. فهل من أحد هناك؟ وإذا وجد هؤلاء الآخرون، وحدث اتصال بيننا وبينهم، فماذا سيكون شكل هذا الاتصال؟ هل سيكون اتصالا سلميا؟ هل سيقطع الفضائيون المتخيلون عشرات السنوات الضوئية في الفضاء المظلم المخيف، فقط ليرسلوا لنا رسالة تحية بإطفاء وإنارة كشافات سفنهم الفضائية العملاقة؟ هل سيقومون بغزونا إن اكتشفوا أننا أقل منهم تكنولوجيا؟ وهل يتحد سكان الأرض إن تعرضوا لهجوم فضائي؟ ولو كنا نحن الأرضيين الأكثر تقدما، فهل سنقوم نحن بغزوهم، كما يفعل الإنسان في جميع العصور؟ وهل هؤلاء الفضائيون المزعومون، يعبدون الله؟ وهل أرسل الله سبحانه وتعالى لهم رسلا، وكتبا منزلة؟ وهل لهم جنة ونار خاصة بهم؟ أم سيتشارك الجميع في الحياة الأخرى؟ وغيرها وغيرها من الأسئلة الوجودية.

أسئلة ذات بعد فلسفي:

“برأيك، هل يمكن للأدب أن يغير مسار التاريخ؟ وكيف ترى العلاقة بين الكاتب والتزامه تجاه قضايا أمته والإنسانية جمعاء؟”

نعم، يمكن للأدب أن يغير مسار التاريخ، ولكن بشكل غير مباشر. الأدب الحقيقي ينفذ إلى الوجدان، وتتشربه العقول، وربما يؤتي ثماره بعد سنوات. صحيح أن دور الأدب قد تم تهميشه منذ فترة طويلة، وإبعاده عن القضايا الكبرى، ولكن يظل الأدب هو المحرك الأساسي لفكر الإنسان وعقله وشخصيته وسلوكياته. لا أتحدث فقط عن تأثر عشرات القادة والزعماء بأفكار وأعمال قرأوها في شبابهم، وتأثروا بها، وقرروا تطبيقها على أرض الواقع، ولكن يحضرني الآن مثال (إيلون ماسك)، أغنى أغنياء العالم، والذي تقترب ثروته وقت كتابة هذه السطور من خمسمائة مليار دولار، وهو يبني خططه لاستعمار الفضاء، والبحث عن كوكب بديل ليعيش عليه الإنسان في حالة نهاية الحياة على كوكب الأرض، ويصنع الروبوت الشبيه بالبشر (الهيومانويد)، وغيرها من الأفكار التي أصبحت واقعا، وهو ينطلق في مشاريعه هذه تأثرا بما قرأه في صباه من أعمال الخيال العلمي. بالتأكيد الأدب قادر على تغيير العالم، وإلا فلماذا نكتب كلنا؟ في بداية الحوار قلت (إن العالم الحالي لا يعجبني وأريد إعادة تشكيله من خلال الأدب). وهذا هو دور الأديب الملتزم بقضايا أمته وقضايا الإنسانية، فالأديب بما له من قوة الملاحظة، والرؤية الناقدة، والتفكيرالعميق، يرصد المجتمع من حوله؛ يحلل قضاياه الاجتماعية والفكرية والإنسانية، ليكتب عنها، ويرى ببصيرته ما لا يراه غيره، إنه زرقاء يمامة هذا العصر.

“هل تعتقد أن الكاتب هو صوت زمني عابر، أم أنه رسول يحمل إرثًا خالدًا من القيم والأسئلة للإنسانية؟

لا أدري لماذا تميل أسئلتك إلى تخييري بين أشد المتناقضات extremes؟ الكاتب ليس هذا ولا ذاك، الكاتب هو إنسان عادي، ولكنه مهموم أكثر من غيره بالإنسان وبالمجتمع. يقول الأديب والفيلسوف الفرنسي (سارتر) إن “الكاتب هو الشخص الذي يتدخل فيما لا يعنيه، ويمتلك المقدرة على الجهر بالحقيقة”. في الحقيقة إن كل ما يحدث في الحياة يعنيني، والكاتب هو الذي ينظر للأمور من وجهة نظر متفردة ومغايرة، وغالبا مختلفة عن السياق الذي يراد لنا أن نرى الأمور من خلاله، ولا يكتفي بهذه الرؤية أو المعرفة، بل يجد دافعا خفيا لديه لأن يجهر بالحق، وهو في هذا يشبه الأنبياء، ولكن الأنبياء مدعومون من السماء، واثقون من رسالتهم، أما الكاتب، فكثيرا ما يسائل نفسه عن صدق ما يعتقده، وعن جدوى ما يكتبه، وهو بهذا يحترق في صراعات داخلية حتى يكتسب الثقة في نفسه، ثم يواجه من ينكر عليه رؤاه وتبصيره، ويتهمه تارة بالجنون، وتارة بالتشكيك في أصالته أو قيمته، وفي معظم الأحوال، ينطبق عليه القول الشهير، أن لا كرامة لكاتب في وطنه.

المستقبل الأدبي:

“ما الذي يشغلك اليوم ككاتب؟ وما هي المشاريع الأدبية التي تحلم بتحقيقها لتضيفها إلى إرثك الأدبي؟” “لو عاد بك الزمن، ما النص الذي تود إعادة كتابته؟ ولماذا؟”

أكثر ما يشغلني اليوم ككاتب هو إحساسي بأن العمر يمضي، فقد جاوزت الخمسين بعامين أو ثلاثة، وبدأت قواي الجسدية تضعف تدريجيا، ولم أكتب بعد الكثير من الأعمال التي أتوق لكتابتها، وتمتلئ بها مفكرتي الأدبية، مع انشغالي بأعباء العمل، ومتطلبات الأسرة، مما لا يجعل لي كثير وقت للتفرغ لاستكمال مشاريعي الأدبية. أعمل حاليا على ثلاث روايات جديدة بالتوازي، الأولى تطرح مشكلة الهجرة غير الشرعية للشباب عن طريق محاولة اجتياز البحر المتوسط إلى أوروبا، والتي تتم عادة عن طريق سفن عتيقة يغرق معظمها قبل أن يصل لوجهته، ومن يصل يقبض عليه ويتم ترحيله أو يضطر للاختباء من السلطات والعمل بمهن متدنية طيلة عمره. الرواية الثانية تطرح قضية زوجة تطلب الانفصال عن زوجها بعد زواج دام أكثر من عشرين عاما، لرغبتها في استكمال حياتها بطريقة حيوية ومنطلقة، خلافا لزوجها الذي بدأ يدخل مرحلة حسن الختام، والرواية الثالثة من أدب الخيال العلمي، وتطرح فكرة تأثير الذكاء الاصطناعي على حياتنا في السنوات القليلة القادمة.
لو عاد بي الزمن، فسوف أضيف فصلين لرواية (هل من أحد هناك)، نبهني إليهما أبي، قارئي وناقدي الأول، وبعض الزملاء والأصدقاء والقراء من أصحاب الذائقة الأدبية من الذين أثق في صدق نصحهم، وهو ما يمكن اعتباره (انحناءً) لرغبات القراء، بعد أن اقتنعت بوجاهة آرائهم.

ختامًا:

“إذا كان لك أن تُرسل رسالة للأجيال القادمة من خلال عمل أدبي، فما الفكرة التي ستختارها لتكون الخيط الذي يجمع تلك الرسالة؟” “بما أنك مسافر دائم بين عوالم الواقع والخيال، إلى أين يتجه أدبك الآن؟ وما الذي تنتظره من المستقبل ككاتب وإنسان؟”

رسالتي للأجيال القادمة ستتخذ من فكرة (الهوية والانتماء) خيطا يجمع تلك الرسالة. فالملاحظ في الأجيال الشابة، وبعد ما مرت، وتمر، به منطقتنا العربية، نجد أن الكثيرين قد فقدوا قيم الهوية والانتماء، وأصبح شغلهم الشاغل هو الانسلاخ بالكلية عن هويتنا العربية والإسلامية، ومحاولة الارتماء في أحضان الغرب، وثقافته، وعولمته، بعد أن أصبح موقفنا الحالي عصيبا، وقضايانا خاسرة، لأنها لم تجد من يدافع عنها بحق. ربما أصيغ هذه الفكرة في قالب قصصي أو روائي أو مسرحي، وربما ناقشتها في كتاب فكري بلغة مباشرة وصريحة، فربما كان هذا هو سؤال المستقبل الأهم، على كل المستويات، هويتنا الإنسانية في التمسك بكل القيم الإنسانية لكي يكون الفرد إنسانا في المقام الأول، وهويتنا العربية الإسلامية في التمسك بقيمنا الروحية والدينية، لكي يجيب كل منا، بمفرده، على السؤال الوجودي: الدنيا امتحان طويل نسبيا، ولا يدري أحد مننا متى سينتهي وقت الامتحان، فهل سأنجح في الامتحان؟

 

عن admin

شاهد أيضاً

برنامج “وقفة مع مبدعة” – د. عالية شعيب: رحلة متكاملة بين الفكر، الأدب والفن

إعداد: حسن بوسرحان الموقع الإلكتروني الأفق المغربي.. في عالم الأدب والفن والفلسفة، قليلون هم الذين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *