أخبار عاجلة

لحظات في ذاكرة الأدب لأحمد طايل الحلقة (2) اعداد محمد احمد طالبي، اخراج حسن بوسرحان 

لحظات في ذاكرة الأدب                                   (2)

اعداد محمد احمد طالبي

اخراج حسن بوسرحان

في عالم الأدب، لا تقتصر الحكايات على النصوص المدونة فوق الورق، بل تتعداها إلى لحظات عابرة، وأحداث عالقة في الذاكرة، تلمع في مسار التجربة وتظل شاهدة على لقاءات مميزة، محفوفة بالدهشة والبوح. هنا، يتوارى الزمن خلف ستار الحروف، ليصبح الأدب نافذة يطل منها القلب قبل العين، فتتداخل التفاصيل الشخصية مع الملامح الإبداعية لتعيد تشكيل صورة الكاتب والإنسان في آن.

في هذه الحلقة الثانية من “لحظات في ذاكرة الأدب”، نتوقف عند لحظة منيرة في مسيرة أحد أعمدة القصة القصيرة في الأدب العربي، إبراهيم أصلان، صاحب اللغة المتفردة المكثفة التي حملت بصمة واضحة لا يشوبها ضجيج الحروف، فكان يكتب بحس أشبه بموسيقى التلغراف، قصيرة ولكنها ثرية بالتفاصيل والإيحاءات.

إنها ليست مجرد سرد لوقائع اللقاء الأول، بل استدعاء حي لذاكرة دافئة، جمعت بين قارئ شغوف وكاتب لم تأسره الشهرة. في محطة قطار طنطا، كان القدر يُهيئ مشهد البداية، حيث وقعت عيناه على مجموعة “بحيرة المساء”. حينذاك لم يدرك بعد أن هذا الاسم سيرافقه في مسار طويل من المحبة الفكرية والود الثقافي، حتى أصبح اللقاء الشخصي تتويجا لتلك المعرفة البعيدة.

بين دفتي هذا النص، نستعيد لحظة لقاء كان عابرا في شكله، لكنه عميق في أثره، وتجربة صحفية أولى لم تكن تخلو من الارتجال والمغامرة، تكللت بحوار مع قامة أدبية قلّ نظيرها، ليتحول هذا اللقاء إلى ذكرى خالدة، نقشها الزمن في سجل الذاكرة الأدبية.

فهيّا بنا إلى تلك اللحظة… حيث ارتعش الحرف أمام هيبة الكاتب، وبقي الأدب شاهدا على لقاء لا يُنسى.

أسماء في الذاكرة

أحمد طايل

… شاعر القصة القصيرة (إبراهيم أصلان)

لا أتذكر تحديد العام الذي كان له معرفتي الأولى أو بالأحرى السماع باسمه، وأظنه كان بدايات السبعينيات وتحديدا على رصيف محطة قطار طنطا للعودة إلى قريتي (حصة شبشير مركز طنطا، محافظة الغربية)، حينما التقيت كعادتي اليومية بالصديق (محمود أصلان) الذي صار صهري فيما بعد، وهو يحمل كتابا. وجهت بصري كعادتي لأي كتاب، قرأت العنوان (بحيرة المساء) مجموعة قصصية، والكاتب (إبراهيم أصلان). للوهلة الأولى ظننت أنه مجرد تشابه أسماء ولم أعر الأمر اهتماما أو حتى تساؤلا حول علاقة صديقي بصاحب الاسم، ولكني طلبت الكتاب لأقرؤه وقد كان. أعترف أنني لم أستطع الفهم بشكل كبير، ولكن بعد سنوات عاودت القراءة من جديد، ففهمت لغته التلغرافية القصيرة، وكانت هذه اللغة من تأثيرات عمله بالتلغراف فترة من حياته العملية، لغته المكثفة الشديدة الثراء الإبداعي والمشهدي.

بعد القراءة الأولى وإعادة الكتاب سألته: هل لك علاقة بصاحب العمل أم إنه تشابه أسماء؟ أخبرني أنه ابن عمه. مرت الأعوام والاسم راسخ بذاكرتي، وكنت قد قرأت له فيما بعد (وردية ليل) و(مالك الحزين) الرواية التي تحولت إلى فيلم سينمائي من علامات السينما المصرية بعنوان (الكيت كات) بطولة القدير الراحل (محمود عبد العزيز)، وكنت مولعا بمتابعة إصداراته، حتى كان العام 1998 تحديدا، طلبت من صديقي رقم هاتفه للاتصال به لرغبتي في النقاش معه بأمور ثقافية. كنت قبلها بسنوات قد بدأت الكتابة بمقالات رأي تنتقد بعض أمور المجتمع وبعض الشخصيات بأسلوب ينتمي للمدرسة الساخرة الهادفة أسوة بالعظماء (محمد عفيفي، أحمد رجب، محمود السعدني، يوسف البشري، وآخرين من رواد هذه المدرسة).

اتصلت به ذات ظهيرة وعرفته بنفسي وعلاقتي بابن عمه، وكان لي أخ – رحمه الله تعالى – متزوجا من ابنة عمه. تكلم معي بود ودماثة وتواضع أشعرني كأننا نعرف بعضنا من زمن. طلبت منه اللقاء، فرحب وقال لي إنه دوما متواجد بمقر صحيفة (الحياة) التي تصدر من لندن، وكان مشرفا على صفحتها الثقافية. واتفقنا على اللقاء باليوم التالي بمقر الصحيفة بجاردن سيتي الواقع أمام السفارة الأمريكية.

في الموعد، كنت أجلس أمامه بمكتبه الصغير المساحة والمليء بكتب وصحف، وخلفه دولاب صغير ممتلئ بمجلدات. لاحظ نظراتي الموجهة بشكل كبير تجاه الدولاب، فأخبرني أنها مجلدات رسائل ماجستير ودكتوراه عن أعماله، وأن أغلبها لباحثين ودارسين عرب. تناقشنا معا في الكثير من الشأن الثقافي لوقت طويل، وأبدى إعجابه بخلفيتي الثقافية.

في لحظة فارقة طرأت بذهني فكرة إجراء حوار معه. عرضت عليه الأمر، فانتابته الدهشة وتسائل:

– هل أعددت تساؤلاتك؟

– لا.

زادت مساحات الدهشة المرتسمة على قسمات وجهه، لكني لاحقته قائلا:

– سوف أرتجل تساؤلات وليدة اللحظة والتو، ولك أن تقبل الحوار أو ترفضه.

فاجأني بموافقته. كان من عادتي أن أحمل جهاز تسجيل بحجم كف اليد. كنت أستخدمه لتسجيل بعض مشاهداتي أو ما أسمع أو أسجل به بعض العبارات المأثورة التي تنال إعجابي من قراءاتي. تحاورت معه، والحمد لله حظيت بسعادته من تساؤلاتي. كان هذا أول حوار لي في حياتي، نشرته فيما بعد بصحيفة (الرأي للشعب) التي كانت تصدر عن دار الشعب، بالصفحة الأدبية التي كان يشرف عليها صديقي الكاتب الصحفي الكبير ابن المحلة الكبرى (حنفي المحلاوي)، والذي كان صحفيا أيضا بأخبار اليوم المصرية. نشرته بعد سنوات بكتابي الأول (على أجنحة أفكارهم… إطلالات ثقافية) عام 2006.

في العام التالي، أقمت له احتفالية كبرى بقريته (شبشير الحصة مركز طنطا، محافظة الغربية) بعد انقطاعه عنها قرابة الربع قرن، وبحضور لفيف من الكتّاب والإعلاميين، على سبيل المثال لا الحصر:

– الراحل الكاتب (فؤاد قنديل).

– الراحل الكاتب (سعيد الكفراوي).

– الناقد والأكاديمي (د. محمد بدوي).

والعديد من الأسماء ووسط حشد كبير من أبناء قريته الذين تسابقوا إلى معانقته وتقبيله، في مشهد جعله يذرف الدموع بغزارة.

استمرت علاقتي به والتواصل معه هاتفيا كثيرا، وكان لقائي الأخير به أثناء منتدى أدبي أقامته هيئة البريد المصري، وكان معنونا باسم الكاتب الكبير (يحيى حقي). حتى فوجئت ذات صباح بخبر وفاته بالصحف. أبلغت أسرته بالقرية الذين سارعوا بالذهاب لحضور تشييع جثمانه.

رجل ترك بصمة كبيرة في الكتابة الإبداعية، وعاش إنسانا بسيطا متواضعا من لحظة ميلاده حتى لحظة وفاته، لم تغيره الشهرة مطلقا. رحمه الله تعالى برحمته الواسعة، وأسكنه فسيح جناته.

عن admin

شاهد أيضاً

برنامج “وقفة مع مبدعة” – د. عالية شعيب: رحلة متكاملة بين الفكر، الأدب والفن

إعداد: حسن بوسرحان الموقع الإلكتروني الأفق المغربي.. في عالم الأدب والفن والفلسفة، قليلون هم الذين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *