لحظات في ذاكرة الأدب
الحلقة (3)
إعداد: محمد أحمد طالبي
إخراج: حسن بوسرحان
في عالم الأدب والإبداع، تتألق أسماء لا تنطفئ أنوارها، تبقى حاضرة في الذاكرة، تلهم الأجيال بعطائها وتجاربها المتجددة. من بين هذه الأسماء اللامعة تبرز د. وفاء عبد الرزاق، الشاعرة والروائية والناقدة العراقية المقيمة في لندن، التي نجحت في المزج بين عمق الفكر وجمال التعبير الفني، لترسم عبر مسيرتها الأدبية معالم فريدة من التميز الإبداعي.
لم تكن مسيرتها مجرد رحلة أدبية عابرة، بل تجربة ثرية متشابكة بخيوط من التحدي والعطاء الإنساني والتواصل الثقافي مع مختلف البيئات، ما أكسبها احترام وتقدير الأدباء والمثقفين في كل مكان.
لقاؤها الأول مع الأستاذ أحمد طايل، والتواصل المستمر بينهما، سواء عبر اللقاءات الواقعية في مصر أو من خلال فضاءات العالم الافتراضي، فتح الباب أمام محطات غنية بالنقاشات الفكرية والفاعليات الأدبية.
في هذه الحلقة السادسة من سلسلة “لحظات في ذاكرة الأدب”، يتم استعراض إحدى أبرز محطات حياة د. وفاء عبد الرزاق من خلال توثيق زيارتها الأولى إلى مصر، وتفاصيل اللقاءات الأدبية التي جمعتها مع رموز الإبداع هناك، بالإضافة إلى التكريمات التي حظيت بها في العديد من المحافل الثقافية
هذه الرحلة الأدبية لا تقتصر على توثيق لحظات، بل هي استدعاء لذكريات تحمل في طياتها الدفء الإنساني والوهج الإبداعي، تأكيدًا على أن الأدب يظل جسراً متيناً للتواصل الإنساني والحوار الثقافي.
تحية لكل من أسهم في صنع هذه اللحظات، ولروح الإبداع التي تتجدد باستمرار، متألقة في عوالم الأدب والمعرفة.
يقول الأستاذ أحمد طايل:
في بدايات انتشار الإنترنت بمصر، كنت شغوفًا بالتعرف من خلاله على الكُتّاب والكُتّاب العرب، وحرصت على البحث الدائم عبر محركات البحث لقراءة سيرهم الذاتية والاطلاع على بعض من أعمالهم الأدبية. من هنا بدأ تعارفي الأول بالدكتورة وفاء عبد الرزاق، الكاتبة العراقية المقيمة في لندن، متعددة الإبداعات؛ فهي شاعرة وقاصة وروائية وناقدة، بالإضافة إلى كونها ناشطة ثقافية ذات حضور لافت في العديد من البلدان العربية والأجنبية.
أتذكر أنني تواصلت معها عبر الوسائط الإلكترونية عدة مرات، ثم طلبت منها إجراء حوار أدبي، ولم تتردد في الموافقة. أرسلت إليها أسئلتي، وما هي إلا أيام قليلة حتى جاءتني بإجابات شافية نُشرت في صحيفة الرأي للشعب ومجلة ضاد التي كان يصدرها اتحاد كتاب مصر.
مع استمرار الحديث بيننا عبر الإنترنت، طرحت عليها فكرة زيارة مصر، وبالفعل وافقت وحددت موعدًا لقدومها. اتفقت معها على اللقاء في جاليري كونست بشارع شريف، الذي يديره الشاعر العراقي وسام هاشم، ويعد ملتقى ثقافيًّا يضم مكتبة صغيرة ويستضيف فعاليات أدبية متنوعة.
في اليوم المحدد، ذهبت إلى المطار لاستقبالها، وعدنا معًا إلى الجاليري حيث قضينا وقتًا في حديث عام. بعد اللقاء الأول، عدت إلى مدينتي طنطا مع وعد بإعداد برنامج فعاليات خاص بها. بدأت التحضيرات من لحظة علمي بحضورها، ونظمت لها ندوة في نقابة الصحفيين المصرية، ثم دعوتها لحضور أمسية خاصة باتحاد كتاب وسط الدلتا بطنطا.
في اليوم المحدد، انتظرتها في محطة القطار في تمام العاشرة صباحًا. استقبلتها وبدأنا جولتنا بزيارة نادي طنطا الرياضي، حيث كان هناك لقاء متفق عليه مع القناة السادسة الإقليمية، واستغرق اللقاء حوالي نصف ساعة مع الإعلامي إبراهيم ياسين. بعدها توجهنا إلى قرية إبشواي الملق، حيث كان لنا موعد مع الناقد الكبير د. محمد زيدان الذي أجرينا معه نقاشًا مطولًا حول الشأن الثقافي.
غادرنا بعدها إلى قرية سامول للقاء الأديب الكبير الراحل فريد محمد معوض، حيث استقبلنا مع مجموعة من الكُتّاب الذين تتميز القرية بوجود عدد كبير منهم يكتبون للأطفال وينشرون في الصحف والمجلات العربية. استمر الحديث حول قضايا الكتابة وأفقها، ثم اتجهنا إلى قرية سنديس بدعوة من د. إبراهيم المغازي لتناول الغداء.
عدنا سريعًا إلى اتحاد كتاب وسط الدلتا بطنطا، حيث كان الجمهور في انتظارنا لحضور الأمسية الخاصة بالدكتورة وفاء. كان الحضور مكثفًا من الكتّاب والمهتمين بالشأن الأدبي. تحدثت د. وفاء عن سيرتها الذاتية وألقت العديد من قصائدها، وطلبت وجود عازف عود لمرافقتها أثناء الإلقاء. لبى أحد الحاضرين الطلب سريعًا، مما أضفى جوًا من الدفء والإبداع على الأمسية.
ودّعتها عند مغادرة القطار، واتفقنا على المزيد من الفعاليات في القاهرة. عرّفتها لاحقًا بالناقد والمفكر الكبير د. صلاح فضل والمخرج الكبير مجدي أحمد علي، الذي التقت به في مقهى الجريون الشهير بشارع قصر النيل، حيث دار نقاش حول تحويل إحدى رواياتها إلى دراما سينمائية، إلا أن الفكرة لم تكتمل بسبب صعوبة اللهجة العراقية على المشاهد العربي.
بعد ذلك، أُقيم لها لقاء كبير في جاليري كونست بحضور عدد من المثقفين وأبناء الجالية العراقية، وبُث اللقاء عبر قناة البغدادية العراقية من مدينة الإنتاج الإعلامي بالقاهرة. كانت المفاجأة عندما أشادت بي د. وفاء أمام الحضور قبل انطلاق الفعالية، مما ترك أثرًا طيبًا في نفسي.
في هذه الندوة، تعرفت على الكاتب والإعلامي العراقي الراحل خضير ميري، الذي سيكون له حظ من الحديث لاحقًا في حلقات قادمة. توالت الفعاليات والأنشطة حتى انتهاء رحلتها، وعادت إلى لندن حاملة معها الكثير من الذكريات والعلاقات المثمرة.
على مدار مسيرتها الإبداعية، ترجمت الكثير من أعمالها إلى لغات عديدة، منها اللغة الهندية، وتُدرس كتاباتها في العديد من الجامعات العربية والعالمية. حصلت على العديد من التكريمات على المستويين العربي والدولي، وهي دائمًا حاضرة في المشهد الثقافي العربي والدولي.
اسمها راسخ في ذاكرتي إنسانيا وفكريا وإبداعيا. أرجو من الله أن يمنحها الصحة والعافية لمواصلة عطائها الأدبي والثقافي.
الأفق المغربي موقع ووردبريس عربي آخر
