لحظات في ذاكرة الأدب الحلقة (4)
إعداد: محمد أحمد طالبي
إخراج: حسن بوسرحان
الموقع الإلكتروني الافق المغربي
يعد الإبداع الروائي العربي أحد أبرز الأشكال الأدبية التي وثقت التحولات الاجتماعية والسياسية والفكرية في المجتمعات العربية، حيث أتاحت الرواية مساحة فريدة للتأمل في القضايا المعقدة التي عصفت بهذه المجتمعات عبر العصور. ومن خلاله، برزت أسماء لامعة استطاعت أن تصنع بصمتها في الساحة الأدبية محليًا ودوليا، مجسدة هويتها الثقافية ومسائلة تاريخها وتراثها. ومن بين هؤلاء الروائيين العرب يبرز واسيني الأعرج، الكاتب الجزائري المرموق، الذي ولد عام 1954. وهو أستاذ كرسي في جامعة السوربون بباريس والجامعة المركزية بالجزائر. استقر في باريس منذ عام 1994، ليصبح واحدًا من أهم الأصوات الأدبية المعاصرة التي تناولت التحولات القاسية في تاريخ وطنه.
يمتاز مشروع واسيني الأعرج الروائي بقدرته الفائقة على مساءلة التاريخ العربي الذي طالما وقع في براثن التقديس والجمود، إذ قدّم نصوصًا روائية عميقة تمزج بين الواقع والخيال، وتنهل من التاريخ والتراث لتفتح فضاءات جديدة للتفكير والنقاش. صدرت له أعمال باللغتين العربية والفرنسية، ولاقت اهتمامًا نقديًا واسعًا، فضلًا عن تحقيقها انتشارًا جماهيريا كبيرا. حصل على العديد من الجوائز المرموقة، أبرزها جائزة الشيخ زايد للأدب عام 2007. كما وصلت ثلاث من رواياته إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، وهي:
البيت الأندلسي (2011)
أصابع لوليتا (2013)
رماد الشرق: الذئب الذي نبت في البراري (2014).
في هذا السياق، يروي الكاتب أحمد طايل في نصه شهادة حية عن لقائه بواسيني الأعرج، بدءا من تعرفه الأول على أعماله الأدبية وتأثره العميق بها، مرورا بتواصلهم الأدبي والثقافي، وصولا إلى احتفائه به في أمسية ثقافية أقيمت بمدينة طنطا في مصر. هذه الشهادة ليست مجرد سرد لتجربة شخصية، بل هي انعكاس حقيقي لأثر الأدب في بناء جسور الحوار الثقافي وتعزيز التواصل بين المثقفين العرب، وهو ما يُبرز المكانة المتميزة التي يحتلها واسيني الأعرج في المشهد الروائي العربي المعاصر.
تعد تجربة واسيني نموذجا مشرقا للأديب الذي تجاوز الحدود الجغرافية ليصبح رمزا من رموز الإبداع الإنساني، مساهمًا في إثراء الأدب العربي وتعميق وعي القارئ بتاريخ أمته وهويته الثقافية.
يقول الأستاذ أحمد طايل
بدأت معرفتي بالكاتب واسيني الأعرج حين اقتنيت أحد أعداد مجلة “دبي الثقافية” التي كنت حريصاً على متابعتها شهرياً. كان كل عدد يصاحبه هدية عبارة عن إصدار إبداعي من مختلف الأجناس الأدبية والفكرية. في ذلك العدد، حصلت على رواية “أصابع لوليتا”، وحين قرأتها وجدت نفسي أمام عمل فريد بأسلوبه المميز وطريقته السردية المشوقة التي تحمل بصمته الخاصة. من حينها، أصبحت دائم البحث عن أعماله، وقرأت له العديد من الإصدارات، منها: “مرايا الصرير”، “طوق الياسمين”، “أنثى المطر”، و”كتاب الأمير”.
مع مرور الوقت، قررت البحث عنه عبر الإنترنت، وأرسلت له طلب صداقة، وبعد أيام جاءني الرد بالموافقة. بدأت بيننا محادثات طويلة أثمرت عن نوع من التقارب الأدبي. وفي أحد الأيام، أخبرني أنه سيزور مصر، فاقترحت عليه إقامة أمسية أدبية بطنطا للحديث عن تجربته الإبداعية. رحب بالفكرة على الفور، وطلب مني ترتيب الموعد والمكان.
سارعت إلى التواصل مع الصديق الكاتب والناقد محمد العزوني، الذي كان حينها رئيس اتحاد الكتاب بوسط الدلتا بطنطا، وعرضت عليه الأمر، فرحب به بشدة. تواصلنا مع مديرية الثقافة بالغربية، التي كان يترأسها الصديق الفاضل مبارك مصطفى، وتمت الموافقة على إقامة الاحتفالية بقصر ثقافة طنطا.
بعد وصول واسيني إلى مصر بأيام، هاتفته وأخبرته بموعد الاحتفالية. كان صوته مفعماً بالسعادة. اتفقت معه على أن أرافقه في ذلك اليوم. في الليلة السابقة، اتفقت مع الصديق الفنان التشكيلي كمال قنديل على اصطحابه بسيارته، فرحب بذلك كثيرا. في صباح اليوم المحدد، توجهنا إلى الفندق حيث كان يقيم واسيني، وانتظرناه في بهو الفندق، فاستقبلنا بحفاوة وقدّم لنا بعضاً من إصداراته كهدية.
توجهنا إلى طنطا، وعند وصولنا بعد الظهر، غادرنا الصديق كمال قنديل لقضاء بعض أموره الخاصة، على أن يعود في موعد الاحتفالية. استقبلنا الأستاذ مبارك مصطفى، الذي أخذنا إلى فندق “جرين بلاس” لتناول الغداء. بعدها، اصطحبت واسيني في جولة قصيرة بمدينة طنطا، حيث زرنا سوق النحاس، الذي كان لا يزال محتفظاً بنشاطه القديم بين طرقات الصناع، ثم توجهنا إلى المسجد الأحمدي، حيث أبدى إعجابه بزخارف السقف، واهتم بمعرفة المزيد عن الأضرحة الموجودة فيه.
في الموعد المحدد، توجهنا إلى قصر ثقافة طنطا. منذ لحظة وصولنا، فوجئنا بحشد كبير من الحضور، الذي علمنا لاحقا أن بعضهم جاء من محافظات ومدن مجاورة. كان المكان مكتظاً، واحتشدت وسائل الإعلام من إذاعة وتلفزيون وصحف لتغطية الحدث. بعد انتظار دام قرابة الساعة، استطعنا الوصول إلى المنصة، وبدأت الاحتفالية التي قدمها الصديق الشاعر والإعلامي محمود شرف، ابن الشاعر الكبير الراحل عبد الله السيد شرف.
توالت كلمات الترحيب من الحضور، ثم بدأ واسيني الحديث عن سيرته الذاتية، وتطرق إلى أصول عائلته المنتمية للأندلس، ومسيرته الإبداعية. فتح المجال للحوار مع الحاضرين، واستمرت الندوة لوقت طويل دون أن يشعر أحد بمرور الزمن. بعد انتهاء الندوة، التُقطت الصور التذكارية، ووقع واسيني على بعض إصداراته التي أحضرها الرواد. غادر المكان بمرافقة السيارة التي خصصناها لنقله.
ما زالت تلك الاحتفالية تعيش في وجدان واسيني حتى اليوم، ولم ينقطع التواصل بيننا منذ ذلك الوقت. التقيت به في عدة مناسبات، منها مؤتمر الرواية العربية، وأثناء حضوره معرض الكتاب الدولي بالقاهرة. لا تزال تجمعنا علاقة من المودة والاحترام المتبادل، وما زلت أتابع أخباره وإنجازاته وتكريماته المتعددة.
حقا، واسيني الأعرج هو علامة فارقة في الإبداع الروائي والفكري العربي.
