سير وأثر
الضيف بشرى أبو شرار
اعداد محمد احمد طالبي
إخراج حسن بوسرحان
بشرى أبوشرار… صوت فلسطيني ينزف أدبا وضياء
حين تفتح نافذة الأدب الفلسطيني، تتسرب إليك حروف تنبض بالمقاومة والوجع، وأخرى تترجم الحنين بألوان الهوية. في ذلك الفضاء، تبرز بشرى أبوشرار كقامة أدبية تجمع بين عمق الفكرة وجمال السرد، لتصبح سفيرة فلسطين في حقول الإبداع.
بشرى أبوشرار ليست مجرد كاتبة تتقن القصة والرواية، بل هي ذاكرة وطن تختزل النكبة والشتات في كلمات تقطر أصالة وحقيقة. درست الحقوق في جامعة الإسكندرية، لكن قلمها كان دومًا مرافعتها الكبرى أمام العالم، حيث رفعت قضية فلسطين في أعمالها وجعلت القدس أيقونة تتردد على ألسنة قرّائها.
مسيرتها الأدبية شهدت ولادة أعمالٍ خالدة مثل رواية “أعواد ثقاب” التي أضاءت أروقة الأدب العربي، ومجموعتها القصصية “أنين المأسورين” التي حملت أصوات الأسرى وآلامهم. جوائزها المرموقة، كجائزة دمشق للرواية العربية عن “مدن بطعم البارود”، وجائزة مهرجان زهرة المدائن، ليست سوى اعتراف بسيط بما تزرعه هذه المبدعة من وعي وقيم في حدائق الأدب.
في هذا اللقاء الحواري، نحاول الغوص في عالم بشرى أبوشرار، نستكشف دواخل الروائية التي رسمت فلسطين بالكلمات، والإنسانة التي اختارت القلم ليكون شاهدًا على الحلم والمعاناة. كيف شكلت التجربة الفلسطينية ملامح كتاباتها؟ وما سر هذا المزج الفريد بين القصة والرواية كأداتين للتعبير؟
بيننا اليوم صوت يتجاوز الحدود، حكاية تُروى بين سطور الكتب ومسامع الزمن. نترك لبشرى أبوشرار المجال لتحدثنا عن الأدب حين يتسربل بالنضال، وعن الإبداع حين يكون مرآة للوطن…
بشرى ابوشرار كاتبة قصة ورواية
مواليد فلسطين
عضو في إتحاد كتاب مصر
عضوفي نادي القصة , عضوة في مجلس إدارة نادي القصة في القاهرة
عضو في إتحاد كتاب فلسطين
حاصلة على ليسانس حقوق جامعة الإسكندرية
الجوائز :
• فازت بجائزة دمشق للرواية العربية ” مدن بطعم البارود ” 2016 الصادرة عن
وزارة الثقافةالهيئة العامة السورية للكتاب
• فازت بجائزة مهرجان ” زهرة المدائن ” في القدس , جائزة أفضل رواية ” أعواد ثقاب ” في المهرجان الحادي عشر , الذي ينظمه ملتقى المثقفين المقدسي تقديرا لإبداعاتها الروائية في شرح القضية الفلسطينية وبالأخص قضية القدس
• جائزة احسان عبد القدوس في القصة القصيرة ” برج العرب ”
*مركز أول في مجموعة قصصية ” حبات البرتقال ” مؤتمر الدكتور محمد زكي العشماوي ومركز أول في مؤتمر العشماوي في الرواية ” حنين ” مخطوطة 2009
* فازت بجائزة الجمهورية عن روايتها ” شمس ” الصادرة من الهيئة العامة للكتاب 2009
• الأعمال التي صدرت لها في القصة القصيرة :
• مجموعة قصيصية: أنين المأسورين , القلادة , جبل النار , اقتلاع , حبات البرتقال صدرت من اتحاد كتاب مصر 2012.
• ” من يوميات الحزن العادي ” اصدار مجلة ” الرافد ” 2016
• \ الهاربة إلى السراب ” دائرة الثقافة الشارقة ” نشر الكتروني
• ” بكاء الفجر ” قصص 2019 ندوة الإثنين
الأعمال التي صدرت لها في الرواية :
• ” أعواد ثقاب ” 2003 ندوة الاثنين
• ” شهب من وادي رم ” 2005 ” اصدار ندوة الإثنين
• ” من هنا…. وهناك ” 2006″ ندوة الاثنين
• ” أنشودة شمس ” صدرت من فرع ثقافة الإسكندرية إقليم وسط وغرب
الدلتا 2009
* “حنين ” سلسلة الكتاب الفضي ” إصدارات نادي القصة 2010
• ” قمر في الظهيرة ” رواية ” صدرت عن دار الهلال 2010
• ” شهب من وادي رم ” طبعة ثانية عن دار الهلال 2012
• ” دورا ” رواية صدرت عن دار الهلال 2013
• من هنا …. وهناك ” رواية ” عن دار الهلال 2014
• شمس ” صدرت من الهيئة العامة للكتاب 2008
• العربة الرمادية صدرت عن دار الهلال 2015
• العربة الرمادية ” رواية ” صدرت عن وزارة الثقافة الاردنية ” 2015 مدن بطعم البارود ” رواية ” 2016 صدرت عن الهيئة العامة السورية للكتاب وزارة الثقافة
• تاج الياسمين … أغنية كنعانية ” صدرت عن دار الهلال 2017
• شهب من وادي رم 2017 طبعة ثالثة مكتبة الاسرة الأردنية
• رسائل الكرز 2018 ابداعات عربية ” دائرة الثقافة الشارقة ”
ثلاثية مدن بطعم البارود ” قارورة عطر ” ” تاج الياسمين … أغنية كنعانية ” صدرت عن دار مكتوب ” القاهرة ” 2021
• شال الحرير صدرت عن وزارة الثقافة الأردنية 2021
المحور الأول:
البدايات ورحلة التكوين.
1في البدء كانت الكلمة…
كيف وُلدت في داخلك بذرة الكتابة، وهل كان الوطن بأشجانه ومآسيه هو الماء الذي أروى تلك البذرة لتنمو وتصير شجرة قصص وروايات…
• الكتابة عالم أورقت زهرات ربيعه في قلبي من عشقي للغة العربية وأنا لا زلت طالبة في المدرسة الاعدادي والثانوي , أحبو على حروف الأبجدية من خلال مواضيع الإنشاء , كان من النادر حصول الطالب على الدرجات النهائية , أنا كنت أحصل على أعلى الدرجات , من خلال مدرستي وعشقي للغة كانت البوابة الى دخولي لعالم الكتابة , كنت أفضل أن نتحدث بين الحصص أنا وزميلاتي باللغة الفصحى , أشدو القصائد , أقرأ بصوت عال لأني عاشقة لترنيمة حروف الأبجدية , حين سافرت لاستكمال دراستي الجامعية , أكتب لوالدتي رسائل من حروف تسكن روحي وقلبي , كانت رسائلي تبكي قلبها , لدرجة أن والدي كان يحتفظ برسائلي اليها خوفا من ما قد يصيبها من وجع ألم الفراق وحروفي التي تأخذها لعالم البكاء , الكتابة صارت نافذتي إلى قلب أمي في بدايات غربتي , كانت رفيقتي في السكن تقول لي :” كيف تكتبي كل هذا و أنا لا أجيد كتابة سطرا واحدا .. ” كانت تندهش لعالم هو لي ما بين أوراقي وأقلامي .
• كتاباتي كانت وطن وفقد من روح الوجع
• الوطن أتقد من عشقه فأصير حروفا , ظل الوطن هو الفقد العظيم , أيقنت أنه يسكنني وأنني تركت مطارح أقدامي هناك لحين عودتي .
2- درستِ القانون في جامعة الإسكندرية، وها أنتِ تخوضين غمار الأدب. كيف التقى العدل بالقلم في حياتك؟
وهل تجدين في الكتابة نوعاً من المرافعة عن الحق والحقيقة؟
• عشت حياتي في ” فلسطين ” حياة قانون والتزام بحكم وظيفة والدي ” محمد أبو شرار ” حيث كان رئيس محكمة التمييز وكنت أذهب إلى المحكمة أراه قاضيا يجلس على المنصة , يصدر أحكامه , بعد أن وصل الى التقاعد التحق بالقضاء الواقف ” محامي ” كان كل ما يؤرقه قضايا الدفاع عن الفدائيين , كان يصحبني معه إلى المحاكم العسكرية قبل التحاقي بالجامعة, يقضي الليل باحثا يدرس القضايا حتى بزوغ الفجر دون كلل أو ملل , وأنا رفيقته في مشواره الطويل , وفي طريق عودتنا كان يحاورني , يسألني عن رأيي في مرافعته , أجبته ” وهل رأيي أنا مهم يا أبي ؟!..” أجابني باصرار وحزم ” نعم مهم يا ابنتي ..” ومن يومها حين أذهب معه صرت أدقق في كل ما يدور في الجلسة كي أكون في جهوزية حين عودتنا ويسألني ولا تكون مهمتي أن أحمل الكتب و المراجع القانونية التي يستند اليها في دفاعه .
والدي هو البداية لعالم القص وتسلسل الأحداث , كان يقص لنا ما يحدث معه أثناء زيارته للمعتقلات في ” بئر السبع ” ” ديمونه ” كان يصر أن أول يوم من أيام العيد أن يكون بين المعتقلين لرفع روحهم المعنوية , حين عودته يحدثنا عن كل ما يلاقيه من الجيش المحتل , كان هو أول من ألقى بالجريدة إلى الفدائيين المعتقلين حين كتب على صفحاتها الأولى ” عبور الجيش المصري قناة السويس ” وكيف وصلتهم أصوات الفرح , الهتافات بالنصر , المعتقليين كانوا لا يعرفون عن العالم الخارجي أي شيء , حين كان يقف في قاعة المحكمة العسكرية كان يقول لهم ” لقد ابتعلتم وطنا بأكمله ولا ترغبون أن ينغزكم الشوك في حلوقكم ”
ويوم عاد من دفن أخي الشهيد في ” بيروت ” التقيت به في المسجد الإبراهيمي لم أراه منكسرا , بل كان في ملامح وجهه أنه ماض يكمل مسيرته , يصلي لأجل أن يعود جثمان أخي ” ماجد ” ليدفن في جبال ” دورا ” تحت شجرة بلوط كما كانت وصيته .
هذه بدايات تكويني من المعلم الأول في حياتي , والدي القامة الذي تربيت في بيته وكل أبناء وطننا , كان يحتوينا , يردد :
” كلكم أبنائي … ”
حين ذهبت إلى مصر للإلتحاق بالجامعة , كنت أرغب في الدراسة في كلية اللإعلام , أرسل لي والدي يعترض على اختياري قال لي ” ليس لنا دولة , بلسان من ستكتبن وتتحدثين , هو القانون يا ابنتي , منه ستكونين كل شيء ” فكان توجهي إلى كلية الحقوق التي كان لها الفضل في تشكيل شخصيتي والتي وجدتها تتماهى وشخصية والدي .
3- أنين المأسورين”، “اقتلاع”، “جبل النار”… عناوين تحمل أوجاعاً دفينة. كيف تتعاملين مع الألم حين يتحول إلى نص ؟ وهل تجدين في الكتابة خلاصاً شخصياً أم أنها صوت لمآسي الآخرين؟
هي عناوين لم تأت صدفة , بل هي من حجرات قلب سكنه الوجع ” أنين المأسورين ” هي أول أعمالي الأدبية في عالم القص ومنها دخلت إلى عالم الرواية , هي ” أنين المأسورين ” ومن قصص مجموعتها ” حكاية لجوء ” إلى ” عزف حزين ” ” إلى حيفا نعود ” ومن مجموعتي القصصية ” اقتلاع ” كان ميلاد ” شارعنا البعيد ” ” يوم حاكيت القمر ” حكايات القمر أخذتني إلى ” صور باهته ” … ومن هناك حيث ” جبل النار ” كتبت على صفحات مجموعتها ” أنا عائد يا أمي ” ” إلى رام الله ” وأعود من رام الله حيث قصة ” وتحنو أشجار الزيتون ”
القصة القصيرة معزوفتي الأثيرة , حين أعود لقرائتها يسكنني تعب وألم , حروف قصصي القصيرة كانت الخلاص , ترنيمة ألم لم ولن تغادر حجرات قلبي .
المحور الثاني:
الرواية كجسر بين الذاكرة والواقع .
• 4 في روايتك “مدن بطعم البارود”, جبتِ بنا أزقة الذكرى ورائحة الحرب. كيف تمكنتِ من تحويل الدمار إلى نص قادر على العيش في وجدان القارئ؟
هي مدننا التي صارت بطعم البارود , هذه الملحمة الروائية كل من يمر بها يجدها الوطن , الألم , والمصاب واحد , والفقد واحد , رواية عبرت حدود الجغرافيا , صارت سورية , فلسطين وكما كتب الأستاذ ” ناصر قنديل ” هو ايقاع العناق بين أبدية الجغرافيا وعشق السنين , الموعد بين حلب ودمشق , تنتفض في القلوب نبتة برية تزهر دما , اسمها فلسطين , مدن بطعم البارود بورك فيها جنوب العرب لبنان , جنوب العرب فلسطين , وجنوب جنوب اليمن , كل الجهات جنوب وكل الجهات فلسطين , كما كتب الشهيد ” ماجد أبو شرار ” كان هناك لي بيت وأرض , وهنا لي بيت بلا أرض , هناك كان لي ماض وكنت أملك ناصية يومي , كنت أزرع أحلاما تشرق بهية في غدي , وأنا هنا بلا ماض , يومي بطاقة سوداء تسلمني بعناد ونزق إلى غد أشد سوادا , هنا أنا بلا جذور , بلا دعائم , بلا أصل , تلة الرمل الشقراء لا زالت تنهال على جسدي المحطم فتختفي , ” عطاف ” الميتة لم تزرع ما يؤكل وشمس مدينتي لا زالت نائمة في البحر ” هناك كتب ” ماجد ” وكأنه يرى من البعد مدنا صارت دخان وبارود …
مدن بطعم البارود هي كما ” وردة ” البطلة التي تنهض من رمادها كطائر الفينيق , هي رواية توثيقية لزمن الحرب الكونية على سورية , بعضها في فلسطين , بيروت , صبرا وشاتيلا , اليمن , العراق , الجزائر وسواها من البلدان العربية التي اتشحت بالحزن وتلوثت بدخان البارود منكفئة على أصالتها وعروبتها , متجذرة من خلال مقاومتها ووجودها وكل ثوابتها .
5 – حين تكتبين عن فلسطين، هل تكتبين بوصفك شاهدة على ما كان، أم أنكِ تصنعين من الحبر وطناً بديلاً لمن لا يزال يتوق إلى العودة؟
“حين أدقق في ملامحي , في ذاتي أراني هي فلسطين”
حين أكتب عن ” فلسطين ” أكتبني أنا , هناك أجدني , فوق جبالها , على طرقاتها , تحت ظلال زيتونها , من يبحث عني يجدني عاشقة لنسماتها ما بين بحر وجبل , بحر ” غزة ” جبال ” دورا ” حيث ” الخليل ” أكتب ” فلسطين ” حيث أنا من آلامها , أتون وجعها , من زهرات ربيعها , هنا أنا في مدن المنافي البعيدة , أعيش جسدا وروحي هناك , أما عن حبري وأوراقي فهم عالم لي من وطن وطن , أنقش على الورق خطوط ومحطات الوصول , أنقش ملامح أبي , أمي , أحبتي , ألون مساحات من وجوه من ضحوا لأجل وطن وطن , ترنيمة عشق أرددها كل صباح , اليك يا فلسطيننا الحبيبة نعود , حيث هناك , حيث أنت نعود .
6 – لكل نص روح تسكنه… إلى أي مدى يعكس كل عمل من أعمالك روحك الخاصة ؟.. وهل تجدين نفسك أحياناً أسيرة
لشخصياتك؟
لكل نص روح تسكنه وهذا يتجلى في القصة القصيرة وعالم الرواية , كل عمل روائي هو أنا , لكن الرواية حيلة , حين سأل أستاذنا ” نجيب محفوظ ” لما لم يكتب سيرة ذاتية ؟ أجاب أنه وزع ذاته على كل أعماله الروائية , هنا أتماهى وحديث أستاذنا أن البطلة في كل عمل هي أنا وإن اختلفت الأسماء , في رواية ” مدن بطعم البارود ” كنت أنا ” وردة ” في رواية ” من هنا وهناك ” كانت ” جميلة ” أنا ولا أحد سواي , وفي رواية ” قمر في الظهيرة ” كنت هي ” نهيل ” هي أول رواية عربية تتناول مأساة واحدة من نساء الوطن ” نهيل ” التي تعاني من أوجاع الفقد والغربة ومن حياة زوجية وجدت بها صك عبودية وقهر ” نهيل ” تعيش بروح التحدي , اتخذت من الكتابة سلاحا تذود به عن كيانها وهويتها ووطنها ” قمر في الظهيرة ” والجهوزية للبداية فيها حين قرأت رواية ” باولا ” للروائية التشيلية ” إيزابيل ألليندي ” من رواية ” باولا ” كان القرار لأن أكتبني واخترت اسم ” نهيل ” ومنها تجسدت جدلية العلاقة بين الأنا والآخر , الرجل والمرأة , التسلط والإستكانة , القهر والعجز , العبودية والحرية , من ” نهيل ” وقمر في الظهيرة فككت أسري لأصير في عالم حر وحر وحر .
المحور الثالث: الجوائز وأثرها في مسيرتك الأدبية
7 – الجوائز التي نلتها هي بمثابة إشادات على مستوى رفيع… لكن هل تعتبرين الجوائز غاية في حد ذاتها أم أنها مجرد محطة في مسيرة الإبداع الطويلة؟
الجوائز في حياتي الأدبية جاءت إليّ دون توقع في الحصول عليها , حين كنت أشارك في الجوائز كان من فكرة أن لا أكون مقصرة في حق نفسي , دوما حين يمر في خاطري عالم الجوائز أذكر أستاذنا ” نجيب محفوظ ” كتب وكتب في مسيرته الإبداعية ولم يكن له هدف في الحصول على أي جائزة , هذا هو حال كل مبدع حقيقي , حصولي على الجائزة يفرح قلبي , أنتظر قليلا حيث محطة وصول لانطلاقة جديدة وتشكيل جديد .
8 – كيف تعاطيت مع تتويج روايتك “شمس” بجائزة الجمهورية؟ وهل تؤمنين بأن الجوائز قادرة على فتح نوافذ جديدة للأدب في عالمنا العربي؟
كانت فرحتي لا حدود لها , كانت الدهشة الغير متوقعة , بالذات أنا لا أنحاز لما أقدمه من أعمال , هي رواية ” شمس ” التي أعادتني إلى ” بشرى ” الطفلة التي هي أنا , شمس هي طفولتي في مدينتي التي ولدت فيها ” غزة ” هناك رسمت مدينتي , حي ” الرمال ” حيث بيتنا , حي ” الشجاعية ” بيت جدي , شارع الفواخير , الطريق لبيت جدتي , شارع ” عمر المختار ” مدرستي ” المأمونية للآجئات ” شمس هي ” غزة ” هي ذاكرة المكان وموروثنا الثقافي , حين فازت رواية ” شمس ” لم يعرفوا ان غزة ستباد وترحل عنها كل الأمكنة , تصير رمادا , تصير ركاما , غابت شمس غزة وبقيت شمس تسكن أوراقها البيضاء , غزة الرمال , سوق فراس , الزيتون , الصبرة , حي الشيخ رضوان , مسجد فلسطين , المسجد العمري , ذاكرة المكان لا زالت باقية وقلادة الجائزة ستظل على بريقها ولن تتسلل اليها العتمة , وغزة وشمسها ستعود تشرق من جديد .
الجوائز قادرة على فتح نوافذ جديدة للأدب في عالمنا العربي ,
نعم الأدب هو مرآة حضارتنا , الجائزة هي اتقاد بالتميز والإهتمام بالعمل , نعود اليه باهتمام أكبر , نجمع من مآثره ونستزيد منه لبناء قادم أجمل من خلال ابداع يؤكد هويتنا وانتمائنا.
المحور الرابع:
بين القصة والرواية
9. لكل نوع أدبي نبضه الخاص… كيف تجدين الفرق بين كتابة القصة القصيرة التي تتطلب تكثيفاً مشحوناً، وكتابة الرواية التي تفسح مجالاً للسرد الممتد؟.
الفرق يتسع لكثير من القول ما بين عالم القصة والرواية , أنا تجربتي في القصة أنها اللحظة , ويقين يسكنني حين أردد ” أكتبها وهي دافئة ” كتابة القصة في طقوسي الإبداعية تأخذ دقائق ويكتمل من خلالها روح البناء .
أما عالم الرواية في مسيرتي الابداعية فهو كما قالت أستاذتنا ” فدوى طوقان ” ” هي رحلة جبلية صعبة ” الرواية قد أعيش حالتها عاما أو ثلاثة أعوام وحين أنتهي منها تصيبني حالة حزن لأنني خرجت من عالم سكنني لسنوات , حالة فقد لشخوص وأمكنة , ومحطة التقاط الأنفاس من الخروج من عالم وحالة كتابة الرواية التي سكنتني هو عالم القصة القصيرة , أعيش حياة القص ورصد اللحظة لزمن لا يطول وأعود من جديد لعالم رواية تتسلل إلى ذاتي وتحرضني فكرتها لأعود أرتب أوراقي من جديد .
10- أصدرتِ العديد من المجموعات القصصية، مثل “حبات البرتقال” و”بكاء الفجر”. كيف تنظرين إلى القصة القصيرة في زمن طغى فيه وهج الرواية؟
سيظل عالم القص متفردا في بناءه ورصده المكثف للأحداث من خلال سطور تضم المعاني والصور وروح الفكرة وعمقها , هي اللحظة , هو بريقها , هي مرايا الحروف فيها , هذا هو عالم القصة القصيرة , وسيظل عالم الرواية هو عالم تسكنه ألف ألف حياة , للقصة القصيرة نورها وللرواية عبقها , ما أجمل أن نحيا ما بين عالم القصة القصيرة وعالم الرواية .
المحور الخامس:
الأدب والهوية
11 – في روايتك “العربة الرمادية”، تطرحين سؤالاً حاداً عن الهوية في الشتات. ما الذي يعنيه لكِ سؤال الهوية في ظل التمزق الجغرافي والنفسي الذي يعيشه الفلسطينيون؟
هي عربتي الرمادية التي كانت تمضي بي عبر طرقات مدن المنافي البعيدة , حين أفتح أول صفحات الرواية , يطالعني الإهداء فيها ” إلى روحي التي هناك …. إلى روح غيبها رماد الأرض ”
هي العربة الرمادية التي تمضي بها وتسابق كل السيارات القادمة نحوها والتي تمضي عنها , عربتها الرمادية هي حياة , هي الوطن , هي الإنتماء الذي تماهى بكيان البطلة وارتباطها بوالدتها التي رحلت عنها ودفنت في ثرى فلسطين , تصفها بحروفها ” كلما ظهر الانسان في داخلي تكون هي ولا أحد سواها , الوطن أم , الوطن ألف ألف حياة حتى وإن نهبوا الجغرافيا , لكننا باقون , متجذرون في عشقنا الأبدي ” فلسطين ”
12 – كيف تجدين صوت المرأة في أدبك؟ وهل تتعاملين مع قضايا المرأة بوصفها محوراً قائماً بذاته أم جزءاً من قضايا أعم وأشمل؟
المرأة في حياتي الإبداعية هي الأم , الأخت , الصديقة , المرأة كيان من عقل , يمضي مع الحياة من روح العطاء والبناء , صوت المرأة كان بداياته في أعمالي هو صوت أمي وجدتي , أمي هي مدرستي التي أخذتني إلى عالم القراءة , حين تقرأ الأعمال الأدبية المترجمة تجمعنا من حولها , تسألنا ” ماذا كا يقصد الكاتب حين كتب هذه الجملة ؟!” هي مدرستي في التفكر والتأمل وإعمال العقل , وكي تراني هي بحب أكبر عشقت عالمها من كتب كتب , ومن مدرسة أمي أكملت طريقي في حياة أعيد تشكيلها من خلال رؤى حضارية , أنا أنتمي لعالم المرأة التي قدمت لنا الأجمل في هذه الحياة .
المحور السادس:
الإبداع في مواجهة التحديات
13 – الأدب الفلسطيني يواجه تحديات كبرى على صعيد النشر والتوزيع. كيف تعاملتِ مع هذه التحديات؟
وهل استطعتِ إيصال صوتك إلى القارئ العربي؟.
الأدب الفلسطيني وما يقال عن هذه التحديات ستظل في دوائر مفرغة , لا أثر فاعل لها , لأن الأدب الفلسطيني تتجلى من خلاله قضيتنا العادلة , المفعمة بانسانيتها , حتى وإن لم تنشر الأعمال ولم توزع لعدد أكبر من القراء , سيظل قلب كل عربي يسكنه انتماء لهذه القضية كما نور شمسنا الأبدية , والأحداث التي طغت على الساحة العربية والعالمية من خلال ” طوفان الأقصى ” حيث رأى العالم حرب الإبادة , قتل النساء والأطفال دون حسيب أو رقيب , سقط القناع عن القناع , عادت فلسطين تسكن عقول أناس لم يعرفوا عنها إلا من خلال عدو يملك أدواته الإعلامية في أنحاء العالم , وكل أكاذيبه كشفت , وهم من اعتادوا تزوير الحقائق , فصارت التحديات من ثوابتنا , من هويتنا , هي انتمائنا .
• هل استطعت ايصال صوتك للقارىء ؟
هنا يتجلى دور الكاتب حيث هي رسالته الفاعلة , رسالته من قلب ضمير انساني يسكن قلب كل كاتب يعرف حقيقة الدور الذي يجب أن يقوم به , الكاتب مرآة زمانه ووقته , تمر الأحداث وتبقى حروف الكلمات تنطق بالحقيقة , أنا لم يتوقف قلمي , حروفي تعبر الأثير , لا تعرف حدود الجغرافيا , هم يعرفونني أني وطن باق , من المحيط إلى الخليج يصل الحرف , يصل الصوت , يصير ربيعا يسكن كل الفصول .
14 – هل شعرتِ يوماً بأن هناك مناطق مظلمة في روحك ككاتبة لم تجرؤي على الاقتراب منها بعد؟ وإن وُجدت، هل تخططين لملامسة تلك العوالم قريباً؟
حين أستقبل يومي تتسرب عتمة مواقيتي بعيدا , أعشق نور الشمس , هو نورها الذي يسكن حجرات قلبي ويزيح عتمته , أعشق اسم ” شمس ” والتي هي بطلة روايتي شمس الطفلة , وروايتي ” أنشودة شمس ” المرأة العاشقة التي وجدت في آخر أناشيدها أن عشقها الأبدي هو وطن وطن , كل نساء رواياتي هن ” أنا ” لا أحد سواي , أكتبني من ذات ترنو للخلاص على صفحات بيضاء تسكنها حروف تصير كتب , كتب .
ان تعثرت بي الخطى ووجدت أن هناك عالم لم يقترب مني وصرت أنا فيه سأكتبني ألف ألف مرة .
المحور السابع:
رؤى المستقبل
15 – بين الرواية، القصة، واليوميات… هل تفكرين في خوض تجربة جديدة قد تأخذ منحىً مختلفاً عن مسارك المعتاد؟
أنا عشت مسيرتي الإبداعية ما بين الرواية والقصة واليوميات وكان ما قدمته بشهادة النقاد تجربة جديدة من خلال البناء الفني في أعمالي الروائية أذكر منها رواية ” من هنا .. وهناك ” ” أعواد ثقاب ” البناء الفني فيها يعتمد على الربط بين الأحداث , والإسقاط على أحداث بعيدة , قريبة , أذكر حين ناقشني ” د. مدحت الجيار ” في نقابة الصحافيين في القاهرة , قال لي أن رواية ” من هنا وهناك ” لن يستطيع أحد الوصول إلى فنية هذا البناء سوى الكاتبة ” بشرى ” أنا أقر أنها رواية , هذا البناء غير مألوف في الرواية العربية والتي تعتمد جلها على النمطية وتنامي الأحداث وأبطال تتردد أسمائهم لأنهم وحدهم من يصنعون الحدث , ” من هنا وهناك , وأعواد ثقاب , مدن بطعم البارود وغيرها من أعمال ليس فيهم بطل وحيد أو بناء تقليدي , نمطي , كانت الأعمال تنتمي الى عمل ملحمي , الجميع يشارك في روعة البناء .
من الصعب أن يتحدث الكاتب عن ابداعه وتقيمه وتوصيفه لكن السؤال هو من أخذني لهذا التوضيح , أتمنى أن تصل اليكم أعمالي التي لا يوجد فيها بطل وحيد ولن تجدوا نهايات نمطية .
16 – بعد كل هذه الإصدارات والنجاحات، هل تشعرين أنكِ بلغتِ ما كنتِ تحلمين به حين بدأتِ الكتابة، أم أن الحلم ما زال يتجدد مع كل نص جديد؟.
حلمي الذي يحتل كياني هو الفكرة حين تلاحقني لأكتبها , أجمل تداعيات هذا الحلم هو القبض على قلمي ولملمة أوراقي البيضاء لأنقش عليها فكرة تلاحقني , هذا هو حلمي الأثير , حين تكتمل الفكرة أكتبها , يسافر عني الحلم ليعود لي من جديد , وأعود أنا ألملم أوراقي التي تهديني روح الفرح .
17 – كيف تتصورين مستقبل الأدب الفلسطيني في ظل ما يمر به العالم العربي من تحولات، وما دورك ككاتبة في تشكيل هذا المستقبل؟
الأدب الفلسطيني سيظل ويبقى الرقم الصعب , كل ما يمر به الوطن العربي هو وقود يغذي طاقة الإبداع العربي عامة والفلسطيني خاصة , نحن لن ينكسر داخلنا , فينا تتجذر قوة التحدي والصلابة , سنبقى ونظل عصيين على الكسر هي كلمات أكتبها من ثوابتي , يقين يسكنني أن مسيرتي لن تتوقف , كتبت كثيرا عن أحداث مرت بنا من عالم القص ” لي بيت هناك .. ” حيث بيتنا في ” غزة ” أحلامي , طفولتي , ذكرياتي , ما زرعته يد أبي , داليات العنب تحوط بيتنا , كل هذا صار من ذاكرة ” شمس ” الطفلة , الأقلام لن تصيبها الغفوة , وأحبارنا ستكتب وتصير لحاضرنا وللتاريخ , سنظل نردد ” عهدا لن ننسى … ”
المحور الثامن:
عن الحياة والكتابة.
18 – الكتابة أشبه برحلة طويلة لا نهاية لها… ما الذي اكتشفته عن نفسك خلال هذه الرحلة؟.
الذي اكتشفته عن نفسي في رحلتي والكتابة أن كياني الحقيقي يسكن الحروف والورق , من يريد أن يعرفني سيجدني هناك حيث كتب كتبتها من روحي ودمي , أنا لست أنا في الحياة حين أعيش دون فكرة ودون سطور تكتبني , الرواية تكتبني , القصة تكتبني , أنا هناك , من يبحث عني سيجدني في كتابات هي مني وأنا منها .
19- حين تقفين أمام بياض الورق، هل تخوضين معركة معه، أم أنكِ تتماهين معه ليصبح شريكاً في البوح؟.
أمام بياض الورق أصير كما أوراقي , روح متقدة بروح الأبيض , أختار أوراقي دون سطور كي أكون حرة وأنا أخط عليها , أوراقي البيضاء دون سطور , هي مني وأنا منها , هي شريك أثير في مسيرتي الإبداعية , أذهب للنوم تحوطني أوراقي البيضاء بجوار وسادتي لأنها تكتبني وأنا أكتبها .
20 – لو أردتِ أن تختصري مسيرتك الأدبية في جملة واحدة، ماذا تقولين؟
” حياة واحدة لا تكفيني … ”
