- لحظات في ذاكرة الأدب
اعداد محمد احمد طالبي
اخراج حسن بوسرحان
“مدينة تذبل في أعماقي”
بشرى أبو شرار
تقديم:
يأتي نص “مدينة تذبل في أعماقي” كمرثاة للحب، للوطن، ولذاكرة تزهر في أحلك لحظات الغياب. إنه تأمل سردي شعري ينسج فيه مبدعه، بشرى أبو شرار، خيوط الحنين والوجع، ليتحول النص إلى مرآة تعكس شظايا الروح التائهة بين مدن تحيا في الذاكرة ومدن تنهار في الواقع.
بأسلوب يحمل طابعا أدبيا متعدد الأبعاد، تمتزج الحكاية الشخصية بأطياف الأدب العالمي، ليصبح النص مسارا يتقاطع فيه الذاتي والجمعي، حيث تتشابك الإسكندرية، غزة، وفلسطين في مشهد مفعم بالتوتر الإنساني بين الفقد والبقاء.
تستلهم الكاتبة من أعمال لورانس داريل، وبطله “نسيم”، لتعيد استنطاق مأساة “بهادر” تحت الركام، في إسقاط رمزي يصور وجع الهوية الفلسطينية والصراع مع قوى الطمس والاحتلال. النص ليس فقط استدعاءً للذاكرة، لكنه أيضاً استدعاء للمقاومة، للحب، وللقدرة على إعادة تشكيل الحلم.
ببراعة سردية، تأخذنا أبو شرار في رحلة بين المادي والروحي، بين الماضي والحاضر، حيث الكلمات تصبح وطنا والقراءة مقاومة. إنه نص يسائل القارئ عن جوهر الحب، الوطن، والانتماء، داعيا إياه لتأمل الألم الذي ينمو كغصن زيتون، لا يموت رغم الخراب.
بشرى أبو شرار، صوت ينتمي إلى أدب القضية والإنسانية، تقدم لنا من خلال هذا النص تجربة تلامس حدود الأدب العالمي، لكنها تظل متجذرة في التربة الفلسطينية، شاهدة على وجع لا يندثر وأمل لا ينطفئ.
مدينة تذبل في أعماقي
هي صديقتي منذ وقت الدراسة الجامعية، التقينا وكانت فرحة اللقاء قالت لي :
_ هل لنا أن نستعيد ذكرياتنا معا ونمضي إلى شوارع ” الاسكندرية ” التي ضمتنا سنوات أزهرت من مواقيتها براعم غربتنا , مضينا عبر شوارع المدينة , شارع ” السلطان حسين ” ” سعد زغلول ” ” شارع فؤاد ” ” النبي دانيال ” وعالم كتب كتب , نرتقي الأرصفة , نمر بين الزحام , أضواء المدينة , محلات البيع , أكلات , مقرمشات , مقاهي , دور السينما , أشير لها حيث مطعم كان يضمنا , ومقهى نستعيد منه طاقاتنا , طريق الجامعة , كورنيش البحر كنت أجلس على سوره أرقب حركة سير السيارات وأعود أرنو للموج فيأخذني دوما حيث بحر ” غزة ” وقفت أنا وهي بجوار كشك خشبي يحمل رفوفا تسكنها كتب قديمة , وقفت أتحدث مع الواقف إلى جواره, أشير الى الكتب الساكنة في مطرحها , يلتقط واحد منها , يناولني اياه ” رباعية الاسكندرية ” ” ماونت أوليف ” ناولني كتاب آخر من أجزاء الرباعية ” كليا ” والإهداء ” إلى أبي .. ” يعتلي اسم الرواية بحروف باهته ” رباعية الاسكندرية ” أدقق في اسم الكاتب وقد تلاشت حروف اسمه , هو ” لورانس داريل ” ترجمة الاستاذ ” فخري لبيب ” الأوراق متهالكة , الغلاف سكنه الغبش , الحروف في ظهر الكتاب تقطع حبرها , وأضاف لي البائع رواية للأستاذ ” مصطفى نصر ” ما لم يقله البحر ” عدت بالكتب إلى البيت وصرت أملأ حروف تقطعت على غلافها لأبدأ رحلتي في عالم ” ماونت أوليف ” وما خطه ” لورانس داريل ” , رحلتي في عالم أوراق تهالكت كانت طويلة , متعبة , دهشة لم تفارقني طوال قرائتي للرباعية , بطل الرواية كان ” نسيم ” هل عاد نسيم من جديد ؟… هل عاد ؟!…لحظة وقوفي أمام الكشك الخشبي ألتقط الرباعية ونسيم هو الساكن فيها منذ سنوات طويلة , كيف لنسيم أن يعود وهو هناك حيث ” غزة ” هو هناك لا زال تحت الردم , بين ركام ودمار , نالت منه قذيفة غدر , لم نعرف مطرح استقر فيه ولا قبر نذهب اليه , غاب نسيم ليعود لي من جديد حيث أنا وحيث غربتي البعيدة , وحيدة أنا ورباعية الاسكندرية ولورانس داريل .
*** ***
” علمته مهنته أشق الدروس , ألا ينطق البته بفكرة بصوت مرتفع ”
” أصبحت الحياة مجرى مدفون ينساب تحت الأرض ”
” الدول المتخلفة المتعفنة كما هي الآن لن تستطيع أن تتماسك .
” الكاتب أكثر الحيوانات البشرية وحدة ”
” ماونت أوليف ” التقى بنسيم , سعدا ببعضهما وبحبهما للعالم
حياة نسيم أمام خطر داهم , نسيم بريىء من كل ذنب , هل نسيم سعيد ؟ … هل كان سعيدا على الاطلاق ؟… قد يكون الآن أتعس مما كان .
هناك أراه يجلس في قطار ” أورشليم ” السريع , هل يمر بنسيم حيث ” غزة ”
قطار يمر متصلبا سريعا وسط الكثبان الرملية وبيارات البرتقال , الغريب يمتص بلسم غليونه الطويل في عربة حارة , الضباب يعيد طلاء الأبنية بالدخان , صارت أرض مطفأة , ملامح الناس كادت تذوب بسبب السراب , أحلام تبرق كالفراشات , أقرأ الكتب في بطء لأني أحب الاستسلام لقوة كل كلمة لأصل إلى لب الأفكار ,
وجوه سوداء أذابتها العتمة , ثياب خاوية , قبعات فوق وجوه متلاشية , انه الظلام , تماثيل شمعية , أشخاص نحتو بالجبس في مقبرة بلاستيكية .
أجسد اللحظات التي أعيشها على الورق , تصير دافئة كأنها خارجة من الفرن , عارية , مكشوفة .
” نسيم ” يجمع الأسلحة حيث هو والمقاومة ” فلسطين ”
ظهرت ” غزة ” لحظة كتب ” لورانس داريل ” في ماونت أوليف
سيأخذ قطار الليل إلى ” غزة ” لقضاء اجازته وهو يحمل مسودات رواياته الأخيرة ومعطف واقي من المطر , هو ” نسيم ” هي ” غزة ” هو الوطن .
” نسيم ” في الرواية يهرب الأسلحة إلى فلسطين لقتال الانجليز وكان يفعل ذلك منذ زمن .
” ماونت أوليف ” أحس بأن اعماق روحه قد غدا متربا كمقبرة مصرية خانقة .
” نسيم ” يرتدي بلوفرا مخططا , يمسك بجيتار لا يمكنه اللعب عليه , هل نسيم الاسكندرية حزن قلبه على نسيم فلسطين الذي أخذته القذيفة تحت الركام حيث ” غزة ”
” كليا ” توقفت تتأمل وجه ” نسيم ” تبتسم , تمسح ركن اللوحة والتي ترسمها بإبهامها , تقول :
” الفارس الذي لا يهاب الموت هو أنت يا نسيم ”
” كليا ” رأت نسيم شهيدا , لم يهاب الموت , رحل وهو باق فوق أرضه , دفن في ثراها , وصار قبره يسكن تلال ورمال وجبال فلسطين .
” نسيم ” الاسكندرية يصلني صوته حين كتب ” داريل ”
” سيدتي .. لنا كل الحق أن ندافع عن أنفسنا , عن حياتنا , ندافع عن حقنا في البقاء هنا على أرضنا , لن نحافظ على مكاننا في الحياة إلا بفضل أمة متحضرة قوية بما يكفي لتسود المنطقة كلها , هناك أمة واحدة في مقدورها أن تحدد مستقبل كل شيء في الشرق الأوسط , هل علي أن أنطق باسمها ؟
ابتسم لها ابتسامة ذات بريق , التقت عيناهما , أعاد حروفه بصورة أكثر حدة :
_ هل عليّ أن أنطق إسمها ؟
هزت رأسها تهمس بكلمة واحدة ” فلسطين ” هي أملنا الوحيد
هل صارت مشاعر نسيم في قبضة بيت عنكبوت كبير ؟!
أحس نسيم بالإرهاق وهو يبكي ضوء فجر شاحب يحوطهما , خطواتهما ترتقي الدرجات في بطء , انطفأ النور , غاب كل شيء إلا بقايا عطرها , اسم عطرها ” الحياة أبدا ”
يصلهم صوت نواح السيارات في الميادين الخالية , الأمكنة متربة تنساق نحو الموت .
رسالة نسيم وصلت قد تعيدنا ما بين الوهم والحقيقة .
يسأل :
” كيف تعبرين عن الحب ؟… ”
سؤال يتجلى فيه السهاد , الوحدة , الحظ , الشجن … لكن هي رغم كل شيء ” يهودية “اليهود سلالة ستموت , هي مشاركة في المؤامرة على فلسطين .
يظل ويبقى طني هو عاصمة ذكرياتي , كل كتاباتي اقتبستها من مطارح أخذتني اليها , مدينتي عتيقة , قد تتبدل مع رحيل الأفكار اليها , مدينتي تصرخ من أجل هويتها التي يريدون استباحتها وسرقتها , أكتب كلماتي , تغوص في كهوف الخيال بلا قرار , ادراكي صار كما نجم قطبي , مدينتي ابتلعتها الحرب , هناك صارت كما بحار بلا رياح , هل يعود أصدقائي يشرقوا من جديد وقد عرفوا برحيل مدينتهم , هل يعود نسيم ؟… أحبتي لم يعودوا ظلالا , لم يعودوا , سيأتي الينا ذلك الفجر , يشق طريقه بين أشجار الزيتون , ليلون أوراقها بلون الفضة , مدينتي هناك ستظل ربيعا معلقا , سماء مدينتي تتساقط نجومها , أمواج المد تغسل الشواطىء المهجورة , صرنا هنا حيث مدنا منسية , هل سألنا أنفسنا ” عند أي نقطة تبدأ الحياة الحقيقة ؟.. ”
عزلة سوف تبتلعها المدينة قريبا , أبحث عنهم , هل تركوا أجسادهم للمرايا , لقصائد الشعر , للموت وهم أحياء , المدينة هناك تقطنها وجوه أحبتي , لكن لا بد من الحياة فيها ثانية وإلى الأبد , هل صارت مدينتي نجما شاحبا أسفل الأفق في سكون الموت ؟….
” نسيم ” في الاسكندرية فقد واحدة من عينيه واصبعا من يده في غارة جوية , انها الحرب .
لم يعد بمقدوري أن أرى أصابعي أمام وجهي , غدا البحر غرفة انتظار خاوية , فقاعة من الظلام مجوفة .
يصلني أنين مخيف عبر الماء , يخفق مثل ضربات جناح طائر من طيور ما قبل التاريخ , صفارات تعوي عواء سجين حكم عليه بالهلاك .
لوحة السماء تنداح إلى العتمة ….
تتحرك ذكرياتي , بعضها رقيق يبعث السعادة وبعضها قاس كما آثار الجراح , تبقى ندوب عواطف قديمة لم تغادر مطارحها .
نمضي فوق أرض افترشها الحصى , حصى فوق باحات مظلمة , هل نكون في نقطة فراق ؟… أم هي عودة لنقطة البداية ؟!…
الماضي والحاضر وفد اتحدا مرة أخرى دون فواصل , دون تقسيمات
أستعيد غربتي ثانية , هي ذاتها المدينة , قد تكون الأقل قسوة وإثارة لرعب عاشته في الماضي , هل بليت بعض من أجزاء نسيجها القديم , وهل يكون هناك القادم الأجمل فيها ؟…
هل لي أن أبدل ما بداخلي نحوها من الإغتراب إلى الألفة ؟… هل هبت رياح جديدة ؟…. هل يصلني شدوا جديدا ؟
جداول المياه أراها راكدة دون روح , أكادها تشرف على الموت , هل هي الحرب ؟… هو ألم كئيب , هو العدو يخمش فينا كما كلب اشتعل بالجرب .
منازل أهلنا تفجر داخلها , ملابسهم تتدلى كما قلائد من الأشجار المجاورة , الشوارع مفزعة , أطلق الموت المزدهر فيهم عواطف فجور مدفونة في كل قطيع , المدينة مرهقة , وباحث لا يتوقف عن البحث عن متعة حزنه , تمزق في كل توافق وتآلف , انهكوا وأرهقوا كل الصلات التي تربط أحبتنا ببعضهم البعض , صار من الصعب أن يحتفظ الانسان هناك برأيه , لا نستطيع أن نحب الأماكن التي دفعت بنا إلى المعاناة .
” الفنانين كالقطط المريضة يعرفون تماما بالغريزة أي عشب يحتاجون لشفائهم , العشب المر , الحلو الذي يكشف لهم عن أنفسهم , عشب ينمو في مكان واحد , وطن وطن “.
” النباتات هي كما عقل متأمل , كما أنغام موسيقية تنتمي إلى مقطوعة أكبر ”
المرء يمسك بصمت الليل , يحس به وهو يذوب في بطء , هذه المدينة التي أعيش فيها تذبل في أعماقي , في أفكاري كما وهم أودعه , كما التاريخ الحربي لملكة ما عظيمة غرقت ثرواتها بين الخرائب والجيوش ورمال الزمن , وتظل الحياة شاقة , لكنها طيبة.
قالت : انني أموت مما في القلب من أحزان ….
كتب ” لورانس داريل ” مئات الصفحات , أخذني معه في كل مكان , أعاد لي ” نسيم ” ابن أختي ” بهادر ” ولم يعد لي بهادر التي لا زالت هناك تحت الردم , سأبحث عن كتب هناك حيث شارع ” النبي دانيال ” قد أجدها على صفحات رواية لم تقرأ بعد , رواية كما ” رباعية الاسكندرية ” سكنها الغبش , وغابت حروفها لتستعيد حروف البهاء من جديد وتعود ” بهادر ” وتعود ” غزة ” الحب والوطن .
بشرى أبو شرار