لحظات في ذاكرة الادب
اعداد محمد احمد طالبي
اخراج حسن بوسرحان
الحلقة الثامنة
فاروق خلف – الوهج الشعري
في رحاب الأدب والشعر، يسطع اسم فاروق خلف كنجمٍ أضاء المشهد الثقافي بحضوره العميق وإبداعه المتجدد. لم يكن مجرد شاعر يكتب القصيدة، بل كان مثقفًا موسوعيًا، تتجلى في رؤيته ملامح الوعي والفهم العميق لمجريات الثقافة. ترك بصمته في فضاء الإبداع، ليس فقط من خلال قصائده التي تجاوزت العشرين ديوانًا، بل أيضًا من خلال دوره كفاعل ثقافي، حاضرٍ في الندوات واللقاءات الأدبية، ومتفاعلٍ مع رموز الفكر والإبداع في مصر والوطن العربي.
هذا النص ليس مجرد شهادة في حق رجلٍ أعطى الكثير، بل هو احتفاءٌ بمسيرته، واستحضارٌ لعطائه الذي ما زال ينبض في وجدان من عرفوه، قرأوه، وجالسوه. في زمنٍ تتكاثر فيه التساؤلات حول دور المثقف ومسؤولياته، يبقى فاروق خلف نموذجًا حيًا للالتزام الأدبي، للصدق مع الكلمة، وللرؤية العميقة التي تتجاوز حدود اللحظة لتصنع أثرًا ممتدًا في الزمان والمكان.
يقول احمد طايل
علاقتي به لم تبدأ من خلال عالمه الإبداعي والفكري، بل تعود إلى فترة وجوده على رأس الهرم الوظيفي بمديرية الشباب والرياضة بالغربية. كان إداريًا حكيمًا، متفهمًا، ومتقبلًا للنقاشات، حتى وإن اختلفت معه، بصدر رحب. ومن المفارقات الجميلة أنني علمت منه عن علاقة والده، الحاج محمد خلف، بوالدي – رحمهم الله – حيث كانا يجلسان دائمًا مع مجموعة كبيرة من وجهاء المجتمع في مقهى “سمير أميس” بميدان الساعة في طنطا، ذلك المكان الذي اختفى من المشهد كما يختفي كل يوم رمز من رموز الجمال في حياتنا.
امتدت علاقتي به على مدار سنوات طويلة من خلال اللقاءات باتحاد الكتاب بوسط الدلتا في طنطا، وغيرها من الفعاليات الفكرية. وكم من مرة جلست معه في منزله، برفقة الراحل فوزي شلبي، والشاعر إبراهيم خطاب، والقاص والروائي عادل عصمت، وغيرهم كثير. لطالما تناقشنا في قضايا الثقافة المتنوعة، وكان دوماً ينظر إلى المشهد الثقافي بوعي وفهم عميقين.
أهداني معظم إصداراته الشعرية، التي تجاوزت العشرين عملًا، جميعها اتسمت بالتميز والتأثير القوي في عالم الأدب. من بينها، على سبيل المثال لا الحصر:
إذا أحوال الفتى الطائر
إشارات ضبط المكان
كان فاروق خلف حاضرًا بقوة في الساحة الأدبية، وارتبط بعلاقات وثيقة مع كبار الكُتّاب في مصر والعالم العربي. وكعادتنا، سرعان ما ننسى من أعطوا الكثير بحب وإخلاص، دون أي مآرب أخرى. نحن اليوم في حاجة ماسّة إلى رموز ثقافية مثله، ليعيدوا للمشهد الثقافي مساره الصحيح، بعيدًا عن التعثرات والانحرافات التي تبعده عن جادّة الطريق.
رحم الله الأخ والصديق والإنسان، الشاعر الكبير فاروق خلف.
