قراءة :محمد أحمد طالبي
قراءة نقدية وتحليلية لنص “بين السطور” – خديجة لحرار
الزجل النسائي: صوت شعري متجدد في الساحة الإبداعية
يعتبر الزجل أحد الفنون الشعرية الشعبية التي ارتبطت بالتعبير عن قضايا المجتمع بأسلوب قريب من المتلقي، حيث يجمع بين الإيقاع الموسيقي والبساطة اللغوية والعمق الدلالي. وعلى الرغم من أن الزجل ارتبط في بداياته بالأداء الذكوري، إلا أن المرأة استطاعت أن تفرض صوتها في هذا الفن، فكان لها حضور بارز كشاعرة وزجالة حملت همومها وهموم مجتمعها، وأبدعت بأسلوبها الخاص الذي يجمع بين العفوية والبلاغة، وبين التجربة الذاتية والرؤية المجتمعية.
يشكل صوت المرأة في الزجل امتدادا طبيعيا لحضورها في مختلف الأشكال الإبداعية، حيث عبرت من خلاله عن تجاربها الإنسانية، وطرحت قضاياها بجرأة، مثل قضايا الحب، الهوية، الحرية، والعدالة الاجتماعية، دون إغفال لمسة الحكي والسرد التي أضفت على نصوصها بعدا دراميا عاطفيا.
الزجل النسائي اليوم لم يعد مجرد صوت هامشي، بل أصبح جزءا أساسيا من المشهد الثقافي، حيث استطاعت الزجالات تطوير هذا الفن بأساليب جديدة، مع الحفاظ على روحه الشعبية العريقة. فباتت نصوصهن تعكس رؤى نقدية عميقة، تشتبك مع الواقع، وتنتصر للذات النسائية ككيان فاعل في المجتمع، لا مجرد متلق سلبي للأحداث.
وعليه فإن شعر الزجل عند المرأة يشكل بوحا شعريا صادقا، وصوتا نضاليا يحمل في ثناياه مزيجا من الحنين، الألم، والتحدي، وليبقى الزجل النسائي مرآة تعكس واقع المرأة وروحها التواقة للتحرر والتعبير.
****
بين السطور
كتبت شلا حروف
لا زواق
لاريحة الورد منو تفوح
لا مضمة الصم
تخبئ عيشت الهم
لا زواق بكاغيط لهدية
و مدادي
بجدام الحال هي مسقية
لا طلية بخضر و حمر
نستر به محاين لعمر
لا خلخال من ساكّ النسا
و لعيشة وسط عشا مكرفصا
لا تنبات بجوهر
لا خيط الروح
يستر كلام مجروح
من روح باغا هي به تبوح
لا دهنة لا جيلاتين
و فلسطين باقا تنين
محتاجة دوا و بيطادين
لا حفل لا شعر
و شعير قلال
ما يعمر جوف ولا يشبّع بعير
لا ستيلو خضر ولا حمر
نزوق به فتحة كسرة و ضم
و مدادي ريحتو ما يتشم بمذاق السم و العلقم
لا حركوس لا كحل
لا خالة لحروفي تجمل
تبين واقع مجدام
الراس منو ينمل
واضح بحال سنام جمل
بو صفير بوحمرون بومزوي
و حتى كورونا ساست لعضم
و علاش نرصع و نزوق
و بنادم
وسط فلاقة هو مشنق
يدق باب يلقاه مطرق
ساروتو منقوش
و الفوق هو معلق
تسنى نوبتك
باش عليك يمن
و بلقليل و قل من لقليل
عليك يصدق
خديجة لحرار
****
1. العتبة النصية: العنوان كمفتاح للقراءة
يحمل عنوان النص “بين السطور” دلالة مزدوجة، إذ يحيل على ما هو غير مصرح به بشكل مباشر، وما يختبئ بين الكلمات من رسائل مشفرة تستوجب التأمل والتفكيك. إنه دعوة للقارئ للغوص في أعماق النص، والبحث عن المعاني المبطنة التي لا تقف عند حدود اللغة المباشرة، بل تتجاوزها إلى أبعاد أخرى، قد تكون رمزية، اجتماعية، أو حتى سياسية.
2. البنية الدلالية والمعجمية: شعرية الواقعية الفجّة
النص مشبع بصور ذات طابع واقعي صارخ، إذ يتبنى لغة مباشرة لا تتزين بزخرف القول، بل تأتي نثرية زجلية ذات نفس احتجاجي، متجردة من التجميل اللفظي الذي قد يميع الحقيقة أو يحجبها. تعلن الشاعرة منذ البداية موقفها الرافض لأي “زواق” أو “عطر الورد”، موضحة أن نصها لا يتزين بالمجازات الحالمة، بل ينبض بصدق الواقع المرير.
اللغة المعجمية هنا بسيطة لكنها نافذة، تعتمد على صور حسية مألوفة، مثل:
“لا مضمة الصم تخبي عيشت الهم” الصورة هنا تمزج بين الرمز والمباشرة، فالمضمة التي تُستخدم للتزيين والفرح والاعراس والفخر، ما فائدتها، وقد ابدعت الشاعرة في هذا التوظيف كرمز للتغطية على المعاناة.
“لا زواق بكاغيط لهدية” إشارة إلى الأقنعة الاجتماعية التي تخفي خلفها زيفا وخداعا، لبوس بغير لبوسه.
“لا خلخال من ساكّ النسا” استدعاء للتراث الشعبي، حيث يمثل الخلخال رمزا للمرأة، لكن هنا يتجاوزه ليعبر عن وضع مأساوي يخص النساء في سياق معيشي صعب.
3. الإيقاع الداخلي: الموسيقى والإيقاع الزجلي
يعتمد النص على إيقاع داخلي نابع من التكرار الصوتي، ومن نسق العبارات المتوازية التي تمنح النص قوة إيقاعية. التكرار اللافت لـ”لا” في بداية العديد من الجمل يؤكد على النفس الاحتجاجي والرفض القاطع للزيف والتلميع.
“لا زواق، لا مضمة الصم، لا خلخال، لا تنبات، لا دهنة، لا حفل، لا ستيلو”
هذا التكرار لا يخلق فقط نسقا موسيقيا، بل يبني حالة تصاعدية من التذمر والرفض، وكأن النص يتشكل كتصعيد تدريجي لواقع مأزوم.
4. الأبعاد الرمزية: النص بين الاجتماعي والسياسي
النص لا يتوقف عند كونه وصفا لحالة فردية، بل يتعداها ليصبح صورة للمجتمع ككل، حيث نجد تلميحات سياسية قوية:
“و فلسطين باقا تنين محتاجة دوا و بيطادين”
هنا تخرج الشاعرة من المحلي إلى القومي، مشيرة إلى القضية الفلسطينية التي تظل جرحا مفتوحا، تحتاج إلى أكثر من مجرد التضامن اللفظي.
“و علاش نرصع و نزوق و بنادم وسط فلاقة هو مشنق”
صورة قاتمة لحالة الإنسان البسيط الذي يجد نفسه عالقا في دوامة الظلم الاجتماعي والاقتصادي، حيث الأبواب موصدة، والمصير مجهول.
5. البعد الإنساني والنقد المجتمعي
النص ليس فقط نقدا للوضع السياسي أو الاجتماعي، بل هو أيضا مرآة تعكس قلق الإنسان المعاصر في مجتمع تسوده الازدواجية والتناقضات.
“يدق باب يلقاه مطرق ساروتو منقوش و الفوق هو معلق”
الصورة هنا شديدة الواقعية، تصف حالة انسداد الأفق وانعدام الفرص، حيث يصبح الإنسان عالقا بين الحاجة والعجز، وبين الأمل والخيبة.
6. الأسلوب والتجريب: بين الزجل والشعر الحر هذا ما لفت انتباهي، إذ تمزج خديجة لحرار في نصها بين روح الزجل المغربي وإيقاعات الشعر الحر، إذ توظف العبارات القوية والصور المستمدة من الحياة اليومية، لكنها تتجاوز البساطة الزجلية إلى عمق فلسفي يتساءل عن جدوى التجميل في واقع مأزوم.
نص “بين السطور” هو أكثر من مجرد قصيدة زجلية، إنه بيان احتجاجي يصرخ بمرارة الواقع، ويكشف زيف المظاهر الاجتماعية والسياسية. بأسلوب مباشر، إيقاع قوي، وصور نابضة بالحياة، نجحت خديجة لحرار في خلق نص صادق، لا يتزين بالمحسنات، بل يواجه القارئ بالحقيقة كما هي، دون أقنعة.
