بقلم : محمد أحمد طالبي
دراسة نقدية تحليلية لنص “ݣَالُو شْيُوخِْ الْعَيْطَة”
للشاعر عبد الجليل الفولاذي الاسفي.
ينتمي هذا النص إلى الشعر الزجلي المغربي، وهو مستلهم من فن “العيطة”، وهو نمط غنائي شفهي مرتبط بالتاريخ الشعبي المغربي.
تكتسي العيطة أهمية ثقافية كبرى، إذ تشكل مرآة للواقع الاجتماعي والسياسي والتاريخي، وتنقل أحداث الماضي في إطار فني درامي متكامل.
يعتبر النص نموذجا للزجل التراثي الذي يستلهم تقاليد العيطة المغربية، ويعيد إنتاجها بأسلوب حداثي دون الانفصال عن روحها الأصلية. فهو يوظف لغة دارجة مغربية عميقة، ذات طابع إيحائي، محملة بالدلالات الثقافية والتاريخية والرمزية.
شعر العيطة: جذوره، مميزاته، ودلالاته الاجتماعية.
يعد شعر العيطة من أبرز الفنون الشفهية المغربية، إذ يجسد ذاكرة المجتمع البدوي ويعكس تحولاته عبر الزمن. نشأ هذا الفن في بيئة قبلية تتسم بالبساطة والتلقائية، وهو يتميز بالارتجال والتداول الشفوي، مما يجعل مؤلفيه في الغالب مجهولين. رغم ذلك، استطاعت العيطة أن تصمد أمام الزمن، محافظة على أصالتها ومتجددة في أشكالها ومضامينها، مما يجعلها موضوعا هاما للدراسة الأكاديمية، وهناك ابحاث ودراسات مهمةفي هذا الباب، لكننا نعجز عن تحديد أو افتراض تاريخ معلوم ومحدد لظهور هذا الفن، حيث كانت تعبيرا عن قضايا المجتمع البدوي، سواء في المناسبات الاحتفالية أو في الأزمات والحروب. وقصيدة العيطة وسيلة للتواصل والتعبير عن مشاعر الأفراد والجماعات، حيث يتناول الشعراء والشيخات فيها مواضيع مثل الحب، الفروسية، الهجرة، والمقاومة.
وقد لعبت العيطة دورا هاما في التوثيق الشفوي للأحداث، مثل مقاومة المستعمر الفرنسي، حيث برزت “عيطة خربوشة” كمثال بارز على استخدام العيطة في النضال.
يتميز شعر العيطة بعدة خصائص فنية تميزه عن غيره من الأنواع الشعرية، ومن أبرزها:
1. العفوية والارتجال: يعتمد شعر العيطة على الأداء المباشر، حيث يبدع الشاعر أو الشيخ في خلق أبيات شعرية آنية تتماشى مع اللحظة والسياق الاجتماعي.
2. التكرار والإيقاع: تتسم العيطة بتكرار العبارات والجمل الشعرية، مما يعزز الطابع الموسيقي لها ويجعلها سهلة الحفظ والتداول.
3. التفاعل الجماعي: يؤدى شعر العيطة غالبا في تجمعات جماعية، حيث يتفاعل الجمهور مع الأداء من خلال التصفيق والغناء والتجاوب الحركي.
4. الرمزية والتلميح: تعتمد العيطة على أسلوب غير مباشر في التعبير عن القضايا الاجتماعية والسياسية، حيث يستخدم الشعراء الرموز والاستعارات لنقل المعاني العميقة.
للعيطة دور حيوي في المجتمع المغربي، حيث تتجاوز كونها مجرد لون غنائي إلى كونها أداة لنقل القيم والعادات والتقاليد. فهي تؤدي وظائف مختلفة، من أبرزها:
التوثيق التاريخي: إذ تحافظ على تفاصيل الأحداث الهامة التي مرت بها القبائل والمناطق.
التعبير عن المشاعر الجماعية: حيث تنقل هموم الناس وأفراحهم وأحزانهم عبر الكلمات والأداء.
التأثير في الوعي الجمعي: من خلال تمرير رسائل سياسية أو اجتماعية بطريقة غير مباشرة، لكن
مع تطور وسائل الإعلام وانتشار التكنولوجيا، شهدت العيطة تحولات هامة، حيث تم تسجيل العديد من العيطات التراثية ونشرها عبر الإذاعات والمنصات الرقمية. كما دخلت العيطة في تجارب موسيقية جديدة تمزجها بموسيقى حديثة، مما ساهم في انتشارها عالميا. رغم ذلك، يواجه هذا الفن تحديات كبيرة، مثل خطر اندثار بعض أنماطه التقليدية نتيجة العولمة والتغيرات الثقافية.
يظل شعر العيطة جزءا لا يتجزأ من التراث الثقافي المغربي، حيث يعكس الهوية الجماعية ويسجل تفاصيل الحياة البدوية بأسلوب فني مميز. ورغم التحديات التي يواجهها هذا الفن، فإن الجهود المبذولة للحفاظ عليه وإعادة إحيائه تثبت أنه لا يزال يحتفظ بمكانته كواحد من أهم الفنون الشفهية المغربية.
يقول الشاعر عبد الجليل الفولاذي
ݣَالُو شْيُوخِْ الْعَيْطَة
دَخَّلْتْ اعْلِيكْ بِرْمَا وَالطُّلْبَة وَرْجَالْ شَالَّة
لَمَ ݣُولْ ؤُ زِيدْ فِ لْݣُولْ
ݣُولْ عْلَ شِيخِي لْمَكْمُولْ
ؤُ بَلَّغْ اسْلَامِي لْذِيكْ لَمْهَلَّة
يْدَفْݣُو وَجْبَاتْ ؤُعْيُوطْ شَلَّا
يَاكْ لِّغَابُو
مَ عَابُو غَلَّة
مَ جَابُو عَلَّة
جَابُو السَّاكَنْ دَافَݣْ
وَالْمَعْنَى الْمَعْنَى شَاهَݣْ
سَلْبُو عْقَيْلِي مَ رُدُّوهْ
ضَرْبُو مَ هَرْبُو
مَ حَطُّو سْنَاحْ
مَ لَمُوكْ مَ لَمُونِي
مَ لَمُو وْجَعْ اعْزِيرِي فَاضْ ؤُسَاحْ
يَاكْ أَنَا فِكُلْ مَرَّة غَ دَاوِي
نْعَافَرْ
انْكَابَرْ
صَابَرْ
انْسَاوِي وَطْرَاتْ الْخَاطَرْ
بِمْجَاجْ مَكْسُورْ
بِسَاكْنِ مَغْدُورْ
بٍرْشُوقْ مَضْرُورْ
مْخَاوِي لْمَرْسَاوِي
ؤُنَݣْشَاتْ لَݣْنَاوِي
تْهَزْنِي سْوَاكَنْ الْحَصْبَة
وَلْوَالِي مُولَايْ عَبْدْ اللهْ
نْلَاغِي بَنْتْ الْمَعْطِي
عُݣْدِي ؤُ طَمْرِي
ؤُطَلْݣِي السَّالَف يَتْغَاغَا
رَاهْ لعَلْوَة فَرَّاعَا والمِيزَانْ اقْوَافِي
ݣُولُو لْبَابَا ادْرِيسْ مَ يْجَافِي
مَ يْحَافِي
رَاهْ تْكَبَّتْ الْخِيلْ عَلْ الْخِيلْ
ؤُ دَاعَتْ شَنْعَة
حَالْهَا بَكَّانِي
رَشَّانِي
طَيْحَتْ الدَّمْعَة
خَلَّاتْ عَبْدَة مَجْلِيَة
ؤُ احْمَرْ افْيَافِي
يَاكْ بِينْ الجَّمْعَة ؤُ ثْلاَتْ
مْشَاتْ اݣْصَاصْ ؤُجَاتْ
تَلْْفُو شَلَّا وْقَاتْ
ضَاعُو شَلَّا طَفْلَاتْ
ؤُݣَلْتُو ݣَالَتْ خَرْبُوشَة
دَارْ سِّي عِيسَى خْلَاتْ
امْقَابْلَة لَمْعَشَاتْ
مَدَى ݣَلْتُو اعْيُوطْ عُنْوَة
ارْزَايَة لْذَاكْ الْقَيْدْ اتْلَفْقَاتْ
يَاكْ لَكْذُوبْ بَاطَلْ اصْعِيبْ
وَاشْ اكْرَيْضَة تَعْلَمْ الْغِيبْ
شَايْلَّاهْ ؤُ بِيكْ يَا قَيْدِي
رَانِي وْحِيدْ مَا نَاسِي
كَاسِي وَلْكَاسْ افْرِيدْ
جَدْبِي يَا لَالَّة عَيْشَة لْبَحْرِيَّة
ؤرْكَزْ يا الْعَمَّالَة لَعْبِيدِيَّة
وَعْلَ لْجَالِينِي يَا بَابَا
تَزْدَحْ اطْيُورْ الْغَابَة
وَا الصَّيَّادَة نُضُو تْصَيْدُو
طِيرْ امْشَا لِيَّا
تَرْدَحْ الزِّيدَانِيَّة
يْحَضْرُو لْجْوَادْ لِّفِيَّا
أَرَاوْ لْبَارُودْ لَبْسُونِي لْكُمِّيَّة
سِيدِي حَسَانْ عَدَّتُّو رُومِيَّة
ݣَالَتْ الحَبَّة
نْتَا بَابَا نْتَا سِيدِي
وَا سِيدِي احْمَدْ
إِلَا طَاحْ لَحْزَامْ
قْرَا لَوْحَيْدَة اسْلَامْ
حَرَّكْ ؤُ بْكِي
لُومِ ؤُ شْكِي
جِينِي انْجِيكْ
وَالرَّاضُونِي الرَّاضُونِي
جْرَحْتُو ݣْلِيبِي وَتْعَيْطُو حَبِيبِي
رَاهْ حَاجْتِي فِي اݣْرِينِي
وَا لْكَافْرَة عْلَاشْ اغْدَرْتِي
هِيَ وَجْبَة جَدْبَة عَتْبَة
خَلَّاتْ الطَّالَبْ عَسْرِي يَجْدَبْ اهْجَرْ الْمَحْرَابْ
شَرَّݣْ فَرْدَݣْ مَزَّݣْ اتْشَامِيرْ لَحْيَا طَبْعُو خَابْ
تَبَّعْ لَهْوَا خْرَجْ حَاشْيَة
ؤُتََلَّفْ السَّلْكَة لِّجَابْ
عَدَ عَدَا شَدْ شَدْ
يَاكْ زِينْ لَغْنَا رْجَايَا فِ الْعَالِي
ؤُ مُولَايْ بُوشْعَيْبْ الرَّدَادْ الْوَالِي
يَاكْ زِينْ لَبْنَاتْ دَامِي
عْلِيهَا لْݣَلْبْ قَانِي دَامِي
ٱلْحَاصُولْ ؤُ مَافِيهْ
عَزْ الطَّمَاتْ
ؤُمُّتْ ٱلْقَفْلَاتْ
مَرْݣَبْ لَعْلَا وُلَا شْفَايَتْ لَعْدَا.
1. العنوان ودلالاته
العنوان “ݣَالُو شْيُوخِْ الْعَيْطَة” يفتح أفق التلقي على الطابع الشفوي التراثي للنص، إذ يحيل على النقل الشفهي للمرويات والقصص التاريخية والحكايات الشعبية.
“ݣَالُو” تعبير شفوي يعكس طبيعة العيطة التي تقوم على التناقل الجماعي للحكايات والوقائع.
“شيوخ العيطة” إشارة إلى الحاملين للذاكرة الجماعية، وإلى مصدر الموروث الفني، فهم المرجعية في حفظ التراث ونقله.
يؤسس العنوان لمضمون النص، حيث يعكس استمرار حضور الذاكرة الجماعية في النصوص الزجلية، ويوحي بأن ما سنسمعه هو شهادة مأخوذة من أفواه الرواد، تتجذر في التقاليد الشفوية.
2. البنية الدلالية والتيمات الأساسية
يحمل النص في طياته عدة موضوعات رئيسية، يمكن تلخيصها في الآتي:
استحضار الماضي والتاريخ: يتم استدعاء شخصيات وأماكن لها بعد تاريخي (رجال شالة، بابا إدريس، سيدي أحمد، مولاي بوشعيب الرداد)، مما يربط النص بجذور تراثية وثقافية عميقة.
التنديد بالظلم والاستبداد: يظهر ذلك في الإشارة إلى “القيد” والمظلومية الاجتماعية، حيث تتردد أصداء مقاومة المستعمر وظلم الحكام في النص.
الاغتراب النفسي والمعاناة الوجدانية: يتجلى ذلك في عبارات الألم والفقدان مثل “سلبو عقيلي ما ردوه”، “طاحت الدمعة”، “حاجتي في اݣريني”، مما يضفي طابعا إنسانيا مؤلما على النص.
التوظيف الصوفي والرمزي: هناك إشارات صوفية مثل “لالة عيشة البحرية” و”مولاي بوشعيب الرداد”، حيث يتم توظيف هذه الرموز لطلب الإنصاف والخلاص.
3. البنية الإيقاعية والموسيقية
يعتمد النص على إيقاع موسيقي داخلي قوي مستوحى من العيطة، من خلال:
التكرار: مثل “ݣُولْ عْلَ شِيخِي لْمَكْمُولْ”، “يَاكْ زِينْ لَغْنَا”، مما يخلق نسقا إيقاعيا متواترا يعزز الجانب الغنائي.
التوازن الصوتي: يظهر في تقسيم الجمل إلى مقاطع قصيرة، مع اعتماد قوافي متجاوبة تحدث انسجاما صوتيا وموسيقيا.
التضمين والإيقاع الحواري: يتمثل في إدخال أساليب خطابية مثل النداء (“ݣُولُو لْبَابَا ادْرِيسْ”) والاستفهام (“وَاشْ اكْرَيْضَة تَعْلَمْ الْغِيبْ؟”) مما يمنح النص حيوية خطابية.
4. الأسلوب واللغة
يعتمد الزجل في هذا النص على لغة شعبية أصيلة، ذات حمولات دلالية قوية.
الصور البلاغية والتشبيهات: نجد استعارات مكنية مثل “طاحت الدمعة” التي تعبر عن الحزن الشديد، وكذلك التشبيه في “المعنى المعنى شَاهَݣْ” الذي يعطي بعدًا دراميًا للتعبير عن الإحساس بالضياع.
التكثيف الرمزي: توظيف رموز تاريخية (خربوشة، القيد، سيدي أحمد) يمنح النص بعدا تأويليًا مفتوحًا، إذ يمكن قراءة هذه الأسماء باعتبارها دلالات على الثورة والمقاومة.
الحوارية والسردية: يتخذ النص طابعا حكائيا، حيث يتم التنقل بين السرد والوصف والحوار غير المباشر، مما يجعله أقرب إلى المونولوج الدرامي.
5. البعد الاجتماعي والسياسي
يحمل النص شحنة نقدية تجاه الواقع الاجتماعي، حيث يتم التركيز على قضايا الظلم والتهميش والبحث عن العدالة. يستدعي أحداثا من الماضي ليضعها في سياق الحاضر، مما يجعل النص صدى للأوضاع الاجتماعية والسياسية التي يعيشها الإنسان المغربي.
يعتبر هذا النص نموذجا متكاملا للزجل المغربي المرتبط بفن العيطة، حيث يجمع بين الوظيفة التوثيقية والتعبيرية، مقدما رؤية نقدية للتاريخ والمجتمع من خلال إيقاع موسيقي قوي، ولغة شعبية مشبعة بالرموز والدلالات. إنه نص يتجاوز كونه مجرد قطعة زجلية، ليصبح شهادة ثقافية وتراثية تحمل بين طياتها نبض الجماعة الشعبية، وتخلد صدى أصوات الذين صنعوا تاريخها.
