لحظات في ذاكرة الأدب  اعداد محمد احمد طالبي  اخراج حسن بوسرحان  [القصيدة النثرية: ارتحال في فضاءات البوح والحرية]

كتب : الجمعة، 14 فبراير 2025 - 1:54 م أنشطة ثقافية

لحظات في ذاكرة الأدب

اعداد محمد احمد طالبي

اخراج حسن بوسرحان

[القصيدة النثرية: ارتحال في فضاءات البوح والحرية]

توطئة

في رحاب الكتابة، حيث يتقاطع البوح مع التأمل، تولد التجارب الإبداعية كحالات وجودية لا تسير وفق القوالب، بل تتشكل بحرية، كالماء الذي يتخذ هيئة الأفق الذي يحتضنه. هناك، في مساحات التعبير المفتوحة، حيث لا وزن يكبّل الكلمات ولا قافية تحاصر الرؤى، اختارت الشاعرة “فدوى كدور” أن تسلك درب القصيدة النثرية، لا باعتبارها خيارا مدروسا، بل كحتمية شعورية دفعتها نحو الانسياب دون قيود.

لم تكن رحلتها مع القصيدة النثرية خالية من التساؤلات، بل كانت أشبه برياح لا تهدأ، تحملها بين يقين الإحساس وشكوك التصنيف. لكنها، في كل محطة، كانت تدرك أن الشعر ليس مجرد إيقاع مسموع، بل هو نبض داخلي، تشكّله الصورة، المعنى، والإحساس المتغلغل في النص.

في هذه التجربة، تكشف فدوى كدور عن رؤيتها للكتابة بوصفها فضاء لا نهائيا من الحرية، وعن القصيدة النثرية ككائن متماسك، لا ينفلت إلى العشوائية، بل ينحت إيقاعه الخاص عبر هندسة خفية، تتجلى في انسجام الكلمة والصورة والدلالة. إنها رحلة في عوالم اللغة، بحث عن موسيقى غير مسموعة، وعن روح تسكن الكلمات، حيث لا مكان للقيود، ولا حدود للإبداع سوى ما تفرضه الذات على ذاتها.

تقول الشاعرة فدوى كدور:

“تجربتي مع القصيدة النثرية: انسياب المعنى وتحرر الشكل.

حين أمسك القلم وأفتح باب البوح على مصراعيه، لا أبحث عن قافية تلتئم، ولا عن وزن يشد خطوي، بل أبحث عن أفق أطلق فيه صوتي، عن فضاء رحب أمتد فيه دون قيود.

هكذا وجدتُ نفسي في رحاب القصيدة النثرية، ولم يكن انجذابي إليها عن قصدٍ أو تخطيط، بل كانت الكلمات هي التي أخذت بيدي نحوها. لم أتعمد الانتماء إلى هذا الشكل الأدبي، ولم يكن هاجسي أن أكتب “قصيدة نثر” وفق تصنيفات النقاد، بل إن حبري هو من انساق إليها، وكأنها الشكل الأكثر اتساعا لاستيعاب رؤاي.

في نظري، لا حدود للكتابة إلا حدود اللغة ذاتها، ولا قيود إلا ما يفرضه الإحساس على الكلمات. أما التصنيفات الأدبية، فليست سوى وسائل لتنظيم الأعمال واختزالها، لكنها لا تعبّر عن جوهر الإبداع. لقائي الأول بالقصيدة النثرية لم يكن مدروسا، بل كان ضرورة وجودية، حاجة ملحّة للبوح بلغة تتسع للمجاز، تتشظى في الرمز، وتنطلق بانسيابيةٍ حرّة.

كنتُ مترددة في البداية، ليس في الكتابة، بل في نشر ما أكتب، وكنتُ—وما زلت—أتحاشى تصنيفه، فأنا لا أملك الجرأة لأسمّيه شعرا وفق النظرة التقليدية التي ترى الشعر مقترنا بالوزن العروضي. لكنني كنتُ على يقين أن الشعر ليس مجرد موسيقى تُسمع، بل هو إيقاع داخلي يتشكّل عبر الصورة والمعنى والإحساس.

لم تكن رحلتي مع القصيدة النثرية سهلة، فقد واجهتُ عوائق عدة، كان أبرزها النظرة النقدية التي ترى في هذا النوع ضعفا شعريا أو خروجا عن المألوف. ومع ذلك، لم أنشغل بمحاولة إثبات شرعية هذا الشكل، بل تركت كلماتي تبرر وجودها بنفسها. لطالما آمنت أن الكتابة فعل متحرر، وأنها—كأي كائنٍ حي—يجب أن تنمو بطريقتها الخاصة دون قيودٍ أو قوالب جاهزة.

أنا قارئة نهمة، أفتح نوافذي على كل الأصوات والتجارب، لكنني حين أكتب، أكون نفسي. لا أقلد أحدا، ولا أبحث عن ظلالٍ أسير خلفها، بل أترك لغتي ترسم مساراتها، وتخطّ فرادتها.

في كتابتي، أبحث عن التكثيف، عن الكلمة التي تتعدد دلالاتها، عن الصورة التي تمتد إلى ما وراء السطور. القصيدة النثرية بالنسبة لي ليست مجرد نصٍّ يُكتب، بل هي فضاءٌ أبحث فيه عن الجمال في التفاصيل الهامشية، عن الموسيقى الخفية التي لا تُسمع بل تُحسّ.

القصيدة النثرية تشبه اللوحة التجريدية، تُمنح قراءاتٍ مختلفة، وتأويلات لا نهائية. يظن البعض أنها فوضى لغوية، لكنها في حقيقتها توازن دقيق بين الحرية والانضباط. فهي ليست مجرد كلماتٍ منثورة، بل كيان متماسك، يحتاج إلى هندسة داخلية تحفظ انسجامه. كل كلمة يجب أن تكون في موضعها، وكل جملة تُصاغ لتخلق إيقاعًا غير مرئي، لكنه محسوس.

اليوم، أصبحت القصيدة النثرية جزءا من هويتي الكتابية، هي المساحة التي أجد فيها ذاتي، حيث أستطيع أن أقول ما أشعر به دون أن أبحث عن تبريرٍ إيقاعي. ولمن يرغب في خوض غمارها، أقول: اكتبْ بحرية، دع اللغة تقودك، ولا تخشَ التجريب، فالشعر ليس في الشكل، بل في الروح التي تسكن الكلمات.

مقطع من إحدى قصائدي:

كل إشباعٍ للرغبات ليس إلا سرابا يورث عوزا أعمق،

فكلما ظن الإنسان أنه بلغ تمامه،

تكشفت له هاوية أخرى من المعاناة.”

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :