اعداد حسن بوسرحان
لحظات في ذاكرة الأدب
الكتابة هند غزالي
توطئة:
حين يختزل الزمن في “خمس دقائق فقط”، تصبح الحياة أشبه برقعة شطرنج، تتحرك فيها الأقدار بخطى خفية، فتسرق منا البهجة في لمح البصر، وتلقي بنا في متاهة من الحزن والخذلان. في هذه القصة، تسطر هند غزالي مأساة تنبض بالألم، حيث تتحول براءة الطفولة إلى جرح غائر في قلب الزمن، وحيث تفضح اللحظات العابرة زيف الأقنعة التي كنا نظنها وجوهًا حقيقية.
بلغة سلسة ورؤية عميقة، تسرد الكاتبة حكاية تمتزج فيها الظلال بالنور، والفرح بالدموع، لنجد أنفسنا أمام مشهد يرسم بفرشاة الكلمات أوجاع الفقد والخيانة. هي ليست مجرد قصة، بل مرثية للبراءة الضائعة، وتحذير صامت من عالم لا يخلو من الذئاب المتربصة خلف ستار الوداعة.
“خمس دقائق فقط” كانت كفيلة بإحداث زلزال يبعثر الأمان، ليترك خلفه صرخات تائهة في العدم، وندوبًا أبدية في قلوب لن تهدأ ثورتها إلا حين ينال العدل حقه، ولو بعد حين.
{ خمس دقائق فقط }
قصة قصيرة
خمس دقائق فقط كانت كافية لتَعْبُرَ من رقعة الضوء إلى ذلك المكان المظلم و المليء بالأسرار والغموض.
الأعناق مشرئبة و العيون مترقبة أما الحناجر فأصواتها تعلو وترتفع حتى ملأت صدر الكون بالنحيب و العويل .
على عتبة البيت جالسةً، اقترب منها فرفعت رأسَها تنظر إليه بعينيها المخمليتين تشع منهما شمس البراءة . أمسك يدها ذات الملمس الحريري و قادها إلى متجر كبير .ضحكت وتفتحت أسارير وجهها عندما مد لها العلبة المفضلة من الحلويات ثم خرجا يتسابقان .فتح باب سيارته لتجلس في المقعد الخلفي تراقب الطريق مبتهجة ، لكنها بين الفينة و الأخرى تراه يسترق النظر إليها في المرآة و يبتسم في صمت .
باتت المدينةُ تلك الليلة على قدم وساق تجهز لاستقبال جسدها الجميل والنحيل بعدما عُثِرَ عليها بين أشجار الصنوبر في الغابة المجاورة ملفوفة في كسوتها البنفسجية المطرزة ومضرجة في الدماء .
نَزَلَ الخبرُ كالبرق على قلب أمها المنفطر أما والدها فانبرى يواجه زوجته بالصراخ متهما إياها بالإهمال والتقصير وعدم أخذ الحيطة والحذر . الأم المكلومة كالصماء تكتفي بترديد اسم ملائكي . كان يحيط بها جمع غفير من النسوة يحاولن إمساكها بعدما همت أن تلقي بنفسها من الشرفة.
” ذلك الحمل الوديع هو الذي علمني كيف أمسك خيوط الطائرة الورقية على شاطئ البحر و هو الذي كان يرتجف من الخوف كلما هممت بالسباحة . لقد سقط القناع يا أبتي بين يدي الذئبِ صديقِك الحميم”.
صوتها القادم من السماء يحوم حول رأسه و يلطم وجهه ليرميه أرضا ثم يقع مغشيا عليه .
عندما عاد إلى وعيه بعد جهد جهيد أخذ يتوعد من قطف زهرة الحياة التي تفوح بأريج الحب في حضنه ولو بعد حين.