اعداد محمد احمد طالبي
اخراج حسن بوسرحان
[بين الاحتراق والمطر: جدلية الوجع والخلاص]
توطئة
في هذا النص العميق، تأخذنا الكاتبة راضية بن ستي في رحلة داخلية تتأرجح بين الاحتراق والخلاص، بين الاحتدام والانطفاء. إنه نص مشبع بالصور الحسية، حيث تتحول النار إلى كينونة متأصلة في الذات، والدخان إلى انعكاس للوجع المتصاعد.
منذ البداية، يتجلى الصراع الداخلي بين الرغبة في الاستمرار والخوف من السقوط، بين محاولة إطفاء النار واستحالة الهروب منها. إنه صراع يتجاوز البعد النفسي ليغدو ملموسًا، حيث يصبح الجسد ذاته ساحة للمعركة، والروح محاصرة بين شظايا الألم والرجاء.
يستحضر النص مفهوم المنتصف كحالة بينية، كمحطة للتقاط الأنفاس، لكنها ليست أكثر من هدنة واهية أمام لهيب يتجدد في كل مرة. في المقابل، يطل الأمل عبر نافذة التساؤل: أيعقل؟، وكأن الكاتبة تطرح الاحتمال لا بوصفه يقينًا، بل كرغبة خافتة في استعادة الحياة بعيدًا عن الدخان المتصاعد من الفم، بعيدًا عن الزجاج المكسور، وباتجاه المطر الذي يغني للعشب الأخضر.
إنه نص يرتكز على جدلية الاحتراق والانبعاث، يعكس بعمق حالة من التأرجح بين الهاوية والخلاص، بين الانهيار والتمسك بآخر خيوط الرجاء، في لغة متوهجة تعكس حرارة المشاعر، وصور شعرية تجسد الانفعالات بحدة وصدق.
“النار لا تنتهي بداخلي، والدخان يتصاعد من فمي أفواجا أفواجا..
أرقد على السحاب علني أشحذ بعض الندى، وعلني أُخمد بعضا من ناري المتقدة.. وأنزوي، وأنزوي في نفسي، أحرقها وتحرقني..
أخشى الصعود أكثر. أخشى الغوص في باطن المطر وأن امتلئ بالحزن أكثر.. أخشى أن أسقط معه أشواطا أشواطا .. فأُصلب على الأرض وأتكسر من كل الجهات.. حتى لا أقوى على ضم أنفاسي إلى بعضها، فأحترق مجددا بشظايا المحاولات الفاشلة..
-عديني أن تنسي الفكرة وأن تتحملي هول الانسحاب من خرم الوعد المنكوث.. بأقل الموتات..
-عبثا عبثا!!
لن أقوى ولن أعدل عن الفكرة أيضا، ولن أقاوم ولن أنسحب..
أحيانا يكون المنتصف فرصة لالتقاط الروح من بين أنياب النهايات البشعة.. من حقي أن أغفو علني أحلم أو علني أنام فقط.. ولا أغفو ولا أنام ولا أحلم ولا أستفيق، ولا أنسى..
النار تزداد احتداما.. وفمي لم يعد يستوعب الدخان.. أختنق فصلا فصلا…
أضع يدي على راحة قلبي المذابة لعلي ألتقط بضع قطرات من النبض الحار .. فيسقط من يديّ لهيبا لهيبا..
ثم أمضي بموتي المشلول على زجاج حلمي المكسور..!
أيعقل؟ أن أستعيد لذة المطر و أن أنصت إليه حين يغني للعشب الأخضر..
أن أشعر به على وجهي كالحياة.. أن ينفذ إلى جوفي، أنهارا أنهارا..
وأستعيد لذة النظر إلى الوجود دون ضباب..
-أيعقل؟..”
