لحظات في ذاكرة الادب
اعداد محمد احمد طالبي
اخراج حسن بوسرحان
في كل محطة من محطات الإبداع الأدبي، تلوح أسماء تلمع في الظل، تكتب وتؤثر وتصنع الفرق، ولكنها تظل حبيسة التهميش أو النسيان. ومن هنا تنبع أهمية المبادرات التوثيقية التي تُنقّب في ذاكرة الأدب لتنتشل المبدعين من الغياب، وتقدّمهم إلى المتلقي في أبهى صورهم، ككائنات من نور وكلمة وتجربة.
وها نحن اليوم نقف عند عمل أدبي توثيقي مميز، هو كتاب “رحلة في أبعاد الإبداع: سير وأثر”، الذي يُعتبر ثمرة جهد رصين جمع بين الرؤية العميقة والطرح الإنساني النبيل، وقد وقفت عليه الأستاذة عسال مالكة بقراءة مفعمة بالاحترام والتقدير، مستكشفة أبعاد هذا العمل الفريد، ومسلطة الضوء على خصوصيته في جمع السير الأدبية وتأريخ الأثر الإبداعي.
في هذه المداخلة، سننصت معا إلى تحليل رصين وتأمل عميق في هذا الكتاب، الذي لا يوثق فحسب، بل يُعيد الاعتبار إلى الكلمة الحرة والمبدع الحقيقي.
مداخلة حول كتاب (رحلة في أبعاد الإبداع: سير وأثر)
الأستاذة الفاضلة عسال مالكة
_____ تهيئة
لقد تعدد الإبداع في جميع الأجناس الأدبية سردا وشعرا وقصة وزجلا، فتشكلت التجارب وتنوعت، فخلقت القرائح نماذج ثرّة متنوعة ومختلفة، والكتاب الذي بين أيدينا هو وثيقة لرحلة استكشافية للمسارات الأدبية بنزاهة، والغوصُ في المراحل التي مرّ منها كل مبدع بموضوعية لمعرفة المعارف التي غرف منها مادته، والتي قد تكون مستنبطة مما هو موروث من الحكايات والسيَر والأمثال الشعبية، وما هو مسموع عن طريق الأحاديث الشفاهية، وما هو مُعايَن ومُشاهَد في الواقع المعيش من الوقائع والظواهر الطبيعية والوطنية والهموم اليومية والقضايا الإنسانية، وإدراك الطرق التي سلكها المبدع في استنطاق الذات وتمثل الواقع، إلى أن تم إخراج ما يَعتمل في الداخل إلى قرائه لمشاركته مشاعرَه وأحاسيسه، وبما أن لكل مبدع طقوسه وطرقه، وتجربته التي يتفرد بها عن غيره كرسالة نبيلة تحمل القيم الإنسانية إلى المتلقي، كان ولابد من اقتفاء الأثر ببوصلة تضيء سراديب التجربة في أبعادها الإنسانية والوطنية والطبيعية…
_____الغلاف بوابة إلى قلعة التجارب
فعملية التوثيق ليست سهلة، فهي عملية حفر في الصخر لانتشال المغمورين من بين رماله، الذين تضيئ شموعُ أقلامهم الداكنَ من السراديب والأغوار، للسطو على المرحلة المظلمة من سيَرهم وحياتهم من خلال التأمل في عمق التجربة، ونبش الترب عن كنوزها اللؤلئية.. ولو مررنا أعيننا على لوحة الغلاف نجدها تعكس تماما عملية الحفر في وِهاد الأدب من خلال الألوان السوداء الغامقة والألوان الضوئية ، التي تشير إلى أن أشعة الشمس تسطع من ثنايا السحب ليتسرب نورها وينتشرَ فيملأ الجنبات، وهذه إشارة واضحة إلى أن سماء الإبداع حبلى بأقلام جادة ومتميزة في مختلف الأجناس، محملة بهالة من النور، ولكن ظلمة التهميش تُغْبيها وتُغَيّبها، لكن ولابد أن يأتي عليها حين من الدهر، أو بعضُ الأيادي البيضاء فتنشقّ الحجبُ السوداء وتُمزّق الأستار السميكة لتَخرج إلى النور وتضيء المكان.
______التفرد في تصميم البرنامج باحترافية
لقد تم تصميم البرنامج باحترافية كبرى ليخلق منه الطاقم القائم عليه في شخص محمد أحمد الطالبي وحسن بوسرحان حقلا خصبا، تؤثثه أسماء لها بصمتها في عالم الإبداع، لم يأتِ اختيارها وفق معاييرَ معينةٍ ولا لاعتباراتٍ مبَيّتةٍ ، وإنما نزلت تلبي شغف المبدعيْن لما التمعت الفكرة لتوثيق مرحلة أدبية معينة والتأسيس لتنزيلها إلى التطبيق، مع اختيار عنوان مناسب الذي هو (( رحلة في أبعاد الإبداع /سير وأثر))…
لنتأمل العنوان الذي أتى بشكل دقيق ومحكم، وربما تم التفكير فيه مليّاً ليناسب الهدف المقصود كمرآة أو عين مجهرية تسلط الضوء على المبدع كشخص وعوالمه، والإبداع كإنجاز وأبعاده..
(( رحلة في أبعاد الإبداع )) لا تعني رحلة في الإبداع نفسه لأن هذا بات معروفا، وتداوله النقاد والقراء بقراءات أكاديمية وأخرى عاشقة بالإطناب الممل، وإنما المقصود دور الإبداع/ مراميه وأهدافه، في ماذا يصب كرسالة لها غايات كبرى يود المبدع تحقيقها، وإلى من توجّه هذه الرسالة.. أما لفظة أبعاد فهي تتنوع بعمق وفق تأمل المبدع لحياته وواقعه ومحيطه بما يسمى بالبعد الذاتي.. ومعايشة أوضاع الإنسان ومشاركته همومَه وأحزانه وقضاياه بما يسمى بالبعد الإنساني.. بالإضافة إلى البعد الوطني والبعد الكوني، حيث يُسرِج المبدع نفسه قربانا للتضحية والعطاء والبحث عن الجديد من أجل التغيير، للسير بالأمة إلى الأمام حتى يعيش الإنسان في رخاء بكرامة وكافة الحقوق.. والتوثيق كان قفزة نوعية إذ اعتمد المؤلفان على ثلاثة مراحل تفرّدا بها على من ألفوا نوسطاليجيات سابقة في الشعر أو السرد أو الإبداع عموما..
ــ أولها تقديم المبدع بمقدمة محترمة خاصة تليق به بأسلوب لبق محفوفٍ بالثناء والتقدير، معزّزة بصورة تسر الضيف وتحفزه إلى العطاء والبحث عن الجديد، كعنصر فعال حظي باهتمام كبير..
ـــ والمحطة الثانية تستعرض سيرة المبدع الإبداعية مفصلة لأهم مراحل حياته التي تصب في ما هو ذاتي و إبداعي، والمؤثرات السلبية أو الإيجابية التي خلخلت مشاعره، والعوامل التي ساهمت في تكوينه لتخلق منه مبدعا، وقد وظف المؤلف سيرة كل أديب كصفيحة زجاجية تنعكس عليها شخصية المبدع بين ماضيها وحاضرها من خلال الظروف التي مرت بها، والعوامل الشخصية والاجتماعية والمعرفية التي ساهمت في تكوينها وإنباتها عنصرا مهما في حقل الإبداع..
ـــ والمحطة الثالثة إجراء حوار مع المبدع اختيرت له أسئلة محددة ومضبوطة قد تُعَدُّ نوافذَ يطل منها كل مُتلقٍّ على جوانب من شخصية المبدع، لمعرفة تكوينه وتوجهه الإبداعي من خلال إطلالة مختصرة على نشأته والظروف الشخصية والأسرية والبيئية التي خصبت تربته ليترعرع ثمرة ناضجة يتذوق شهدها النشء …
____إضاءة محترمة للكتاب من خلال التقديم
تم تقديم الكتاب من قبل أحمد محمد الطالبي ليس للتباهي، أو لاستعراض عضلات التوثيق، وإنما يهدف إلى وضع إصبعه على ثلة من المبدعين أثثوا حقل الإبداع بمنجزات هامة تتضمن قيما نبيلة، ولكن يتسكعون تحت ظلال التهميش، ويشتغلون في قباء الإقصاء الداكنة.. وحركة النبش جاءت في زمن اعتَلّ بالزبونية والصداقة، لترفع الأستار عن أقلام جادة لها بصمتها الذهبية ليس بقول كلمة عابرة تتلاشى في مهب الريح وكفى، بل بإفساح المجال على شساعته للغوص في عوالم كل مبدع وإلهامه، مع التعمق في تجربته وسبر غورها، لإدراك بدايتها ومشروع نهايتها، وما تحمله من نجاحات وعثرات، وأحلام وتحديات، و طموحات، وتنوع مساراتها ومحطاتها
_____ لماذا التوثيق ومادوره وأهميته
التوثيق يقدم خدمات جليلة للمبدع والإبداع والقارئ، من خلال غايات وأهداف كبرى على عدة أصعدة نذكر بعضها باختزال شديد: ــ أولها تسجيل قائمة من المبدعين قد يكون البعض منهم مغمورا للتعريف به وبأدبه كإنسان ليملأ حيزا في خانة التاريخ الأدبي، حيث ستبقى شاهدة على أدب ذاك العصر ..
ـــ ثانيا يخصص التوثيق لكل مبدع نموذجا محترما من تجربته في الكتاب كصرخة تستعرض تفاصيل من حياته، وجزءًا من مساره بأسلوب صادق ينأ ى عن الرياء للحفاظ على أدبه من الضياع كإضافة نوعية أثرت المشهد الأدبي / الثقافي..
ـــ ثالثا يبقى التوثيق مرجعية ثقافية مهمة يعود إليها المتلقي متى كان في حاجة إلى ذلك، ومصدرا مفيدا للناشئة لتوسيع مداركهم وإثراء معلوماتهم حول الأدب والأديب المغربيين …كما يُعَدّ التوثيق صلة وصل بين السابق واللاحق، لتؤثث على أنقاض الماضي أسسا متينة وداعمة للمستقبل حيث ستبدأ الأجيال القادمة من حيث انتهى هؤلاء المحتفى بهم …
____على سبيل الختم
من خلال ما ورد يبدو أن الأخوين أحمد محمد الطالبي وحسن بوسرحان، قد بذلا مجهودات جبارة في إخراج هذه الثمرة الناضجة من برعمها، من حيث البحث والتنقيب والتجميع والترتيب، فليس بالأمر الهين أن تتعرف على المبدع وتدرك طقوسه وتلامس أثره وتتفهم مساره، دون أن تغوص في تجربته من جميع نواحيها، لغتِه أسلوبِه مواضيعِه، صياغته الفنية..
