اعداد حسن بوسرحان
عَهْدُ الفًصّ، وَشمٌ في الروح
بقلم: هناء ميكو
Hanae Mikou
“إلى الصديقة المبدعة هناء ميكو:
كوني عاشقةً تُصَلِّي وتُصَلِّي.
محبةً لكِ،
أحمد الشهاوي”
Ahmad Al Shahawy
كان هذا الإهداء مفترقَ نورٍ في دربٍ تتخلله العتمات،
علامةً على بابٍ كان مغلقًا طويلًا، فأزاح عن القلب صدأ الحيرة،
ومدّني بمفاتيح لا تفتح الأبواب فقط، بل تعلّمني كيف أنطق السرّ بلغة السرّ، وكيف أُصغي للكلمات حين تصير صلاة.
اللغة، ثم اللغة، ثم اللغة…
هي وحدها من تُضيء درب العاشق حين يتيه في المعنى.
متوهجةٌ بالصمت، كقطرة ندى من مناطق الإشراق، تهزّ شجرة المعنى في القلب، فتتناثر منها المفاتيح:
مفاتيح لا تُفتح بها الأبواب فقط، بل يُفتح بها البصر على ما لا يُرى، واللغة على ما لا يُنطق، والروح على ما لا يُحدّ.
بهذا التوقيع المُضاء بمحبةٍ خالصة،
بدأت الرحلة…
بروحٍ فلسفيةٍ شاعريّة، مشبعةٍ بالإيماء الجماليّ التشكيليّ،
تحوّلت الكلمات إلى ضربات ريشةٍ على قماش المعنى.
كلما هممتُ بالكتابة عنه، تبعثرت الأبجديات كألوانٍ على طرف لوحةٍ لم تكتمل، تتراقص المعاني بين يديّ كأنها ضوءٌ يتسلّل من شقوق الروح، ثم تعود لتنتظم، لا وفق منطق اللغة، بل وفق نبض الوجود، وفق مقامه العالي.
هناك، حيث الشمس لا تُستعار، بل تُستحضَر، تنسج الكلمات خيوطها الذهبية على عرشها، ويكتمل البدر في دائرته الكبرى،كأن الأفلاك تتهيّأ لاستقباله، تُنقّى المجرات من غبارها، وتُنصت العوالم لصمته، كأن حضوره لحظة خلقٍ جديدة،
أو إشراقٌ أول للحكمة في قلب عاشق.
ابن الفقد، ابن الصمت، وابن الإشارة، وابن الفراغ الممتلئ، وابن الشك…
هكذا قدّم أحمد الشهاوي نفسه، لا كذاتٍ فردية، بل كنقطة التقاء بين الانكشاف والمعنى، بين الكتابة والمحو، بين اللغة والتوق.
شاعرٌ يعيش على حدود النور والظلال، يتنفس من ثقوب الوجود،
ويكتب من مسامّ العدم.
معرفتي به لم تكن مجرد مصادفة، بل كانت استجابةً لنداءٍ روحيٍّ خفي، لقاءٌ في الرباط، في حضرة تكريمه، حيث شعّ حضوره لا بما قيل، بل بما تسامى في الصمت. كان قدرًا مشعًّا، لا لشيء،
إلا لأنه يحمل في قلبه قوةَ تقديسِ المرأةِ الإلهة، يمنحها مقامَ الكينونة، ويكتبها كأنها الأصل، والنور، والغاية.
شاعرٌ يكتب من مجرّة العشق الكوني، يأنس بكتاباته كما يأنس العاشق بعطر الورد وحرارة الجمر، نصوصه قريبة من الوريد، ساكنة في ماء القلب، تمسّ الداخل كما تمسّ النارُ ماءً لا يتبخّر، وتترك أثرها كعطرٍ لا يغادر الذاكرة.
من ديوان” أتحدث باسمك ككمان ”
أعذُرُ قلقًا يَسْتَرْخِي فوقَ سريرِكْ
لماذَا أُخفِي عن ليلِي الأسْرارَ
وهُو العارِفُ بِي
ونجُومٌ تحتَ وسادتهِ تصْحُو
وتقُولُ بأنَّ الدَّاخلَ يحْملُ يُتْمًا لامرأةٍ
تَخْشَى التَّرْكَ
كأنَّ الغدْرَ ينامُ على عتبَتِهَا
ويدَاها ترتجفَانِ إذَا ما رَأتَا البابَ المسْدُودَ بِلا عُنوان
وتحتشِدَانِ لضَرْبِ العَاشِقِ في الحِيطَان
وتستلَّانِ من العينيْنِ النُّورَ
لكأنَّ نوافذَهَا مُغْلَقَةٌ
وكَأنِّي أصْرُخُ في الرَّأسِ أن اتَّئِدِي
فلا مطَرَ هُناكَ سيسمَعُني
ولا طيْرَ سيحملُ عنِّي رسائلَ عشقِي
لامرأةٍ تضْرِبُ رأسَ الحَائطِ بِي
حدَّقْتُ عمِيقًا وملأتُ يدَيَّ بشَمْسٍ من نَهديْهَا
وبِبُطءٍ رُحْتُ أفكُّ الخَطَّ الواصِلَ
بينَ الشَّطحِ وبينَ السَّطحِ
بينَ البابِ وبينَ جِدارٍ من ماضٍ مَمْلُوءٍ بالغدْرِ
كأنَّ خيانةَ سيِّدةٍ رَايةُ جِيلٍ
حيثُ الأمْواهُ تُسِيلُ الرُّوحَ
وحيثُ الرَّعدُ يُراقِصُ شَبَحًا طُولَ الليلِ
وحيثُ يعيشُ الحُبُّ وحِيدًا
في أعماقِ مُحيطٍ غَدَرَتْ بمراكِبهِ الشُّطْآن.
أنا والله أماثلُ شَمْسًا تتوَهجْ
أحمِي زمنًا يترصَّدُ بِكْ
وأعلِّقُ رأسِي في الأعلَى
كيْ يتدلَّى حرْفُكِ لِي
وكيْ أطْمِرَ ما خلَّفَ أنذَالُ الأرضِ
أولئكَ هُم من قتلُوا العُشْبَ النَّابتَ في كفَّيْكْ
أنا واللهِ أحفظُ إبهامَكِ من بَصَمَاتِ الزُّورِ
أقدِّسُ اسْمَكْ
أعذُرُ قلقًا يسْترخِي فوقَ سريرٍ لكْ.
وأشدُّ منَ الرِّيحِ الكأْسَ
أقُولُ أنا الثَّملُ سأبقى
أبسطَ من صخَبٍ لحيَاةٍ عاشَتْها امرأةٌ
تتراكَضُ خلفَ الموْتِ لعلَّ أبَاها يعُودُ
ويعرِفُ أنِّي الباحثُ عن معنَى
في مُعجَمِ نهديْها حينَ يقُودَانِ اللغَةَ إلى الشَّطْحِ
وحينَ يحُطُّ الشَّاعرُ زمنًا في جيْبٍ سِريٍّ لَهْ.
أنَا واللهِ أقدمُ قمَرِي بالمِلْعَقَةِ إليْكِ
أعُضُّ ذرَاعَ الوقْتِ الفاسِدِ
أسحَقُ ماءً في الهَوْنِ لعَلَّ الصَّمتَ
يُحطِّمُ رَمْلَ كلامِ النَّاسِ
أنا منْ ضَاعَ وجِئْتُ ولم يبْقَ منِّي شيءٌ
إلَّا وهُو الآنَ على طبَقٍ بينَ يديْكْ
الليلُ على الكُرْسيِّ يمِيلُ
جسدِي مُنتظِرٌ يَحْلُمُ أن يتغَطَّى بالغُفْرانْ.
*************
لا جِذْرَ لرُّوحِي مُرتَبِطٌ بخليجٍ آخر
لا تُوجَدُ بعدَ اليَومِ رِياحٌ أُخْرى
ولا بَابَ هُنَاكَ سيُفتَح
ولا رسْمَ علَى الحَائِطِ
بعدَ تجلِّي الألوانِ معِي
ولا نهْرَ يمُرُّ أمَامِي
سِوى نهْريْنِ اثنيْنِ
أحدُهُما يقرأُ نهْديْكِ
والثَّانِي
يجلسُ في النَّافذةِ
ويخترِقُ النِّيران
لا وَرْدَ سيُقْطَفُ بعدَ الآن
لأنَّ ذُنوبًا كثُرَتْ من تَكرارِ القَطْفِ
ولم تفلحْ معَها سُوَرُ الغُفْران
لا شَجَرَ يعُضُّ الأرْضَ
ولا جِذْرَ لرُّوحِي مُرتبطٌ بخليجٍ آخر
فأنا أمشِي بينَ ندَاكِ ومائِك
أمحُو لُغةً أخْرَى لا تعْرِفُ أينَاك
وأينَ مَمَرَّاتُ الكهْفِ
وأينَ تعِيشُ قِبابٌ طارَتْ في البُلدان
ولم تأكُلْ خُوخًا
أو حتَّى شربتْ أحْلامَ الطَّائر.
جِئتُ لأحرُسَ واديكِ …
أجْمَعُ أشتَاتًا في بطنِ يديْك
أُوشِمُ نارًا
أطرُقُ بابًا لا عُزْلةَ فيهِ و لا تِيهْ
أطْحَنُ كُلَّ الأسْمَاءِ في اسمٍ واحدْ
أشرُخُ زهْرَةَ بَعْثٍ
ألقُطُ مِلْحًا من جُرْحٍ
وأعلِّمُ صاحِبَ “ماكبث”
كيفُ يحُطُّ النُّقْطَةَ في صَحْنِ الحَرْف
وكيف ينامُ الحَرْفُ بلا نُقطٍ فِي السَّطْر
في أوَّلِ سَطْرٍ بالوَرَقةْ
وليسَ أمامِي إلَّا أنْ أدخلَ بيتَكْ
يتهشَّمُ وجْهِي لو رُحتُ بعِيدًا عن شَمْسِي
أو غسلتْ أرْضِي السَّوداءَ مِياهٌ ليستْ مِنْك
يتولَّدُ صمْتٌ منْ موْجٍ
أنسَى حَرْفِي
ويضِيعُ الشِّعْرُ
أنسِجُ كَتَّانًا مِصْريًّا من بَوْسٍ يبقَى
وأفكُّ طلاسِمَ ما تَرَكَ الأسْلافُ
وأسْعى نحْوَ صفَاكِ
بلا قيْدٍ أو شَرْط
إلَّا أنْ أبقَى فرْدًا في الحُلمِ
وأسْرِي في الخَمْرِ
بلا إغلاقٍ للأبواب
أفُكُّ السِّرَّ المأسُورَ
أُطَيِّرُ فِيكْتُورِيَا نحْوَ العُزلةِ
أبقَى فِي التَّارِيخِ الهَازِمَ للمملكَةِ
مكانِي الحُبُّ
أو قُولي
مكاني عَهْدٌ سِرِّيٌّ
بينَ اثنيْنِ اتَّحَدَا في الحَرْفِ الأوَّلِ للغةِ
أنا المجهُولُ لكُلِّ النَّاس
المعلُومُ لديْكِ
أسقطُ في البحْرِ كنُقَطةِ حِبْرٍ
يكتبُنِي سمكٌ أحْمرُ
أنظرُ في الأرضِ
وأحرُثُ قلبَ اللحظَةِ
أصنعُ آنيةً من طِينِ ضِفافٍ أولَى
وأُدافِعُ عن لُغَةٍ تنبُتُ في الشَّطَّيْنِ
أترُكُ كُلَّ مراكِبِ بحْرِي
كيْ أملأَ قلبَكِ بِي
أعدُو كحِصَانٍ مَرَّ كَنُورٍ
يصْحُو في خيْطِ قميصِي
ترتاحُ النَّارُ وتبدأُ مُتْعتَها
وبعيدًا ستمُوتُ نجُومٌ
لكنْ يبقَى نَجْمٌ يتسَمَّى بِاسْمِكْ
لا يظْهَرُ إلَّا لِي
لكنْ في سنواتِ القحْطِ
يظهرُ للنَّاسِ جميعًا
كيْ يمنحَ للكُلِّ البرَكَاتْ
تصْحُو العينانِ منَ البابِ
أوقظُ عِطْرًا نامَ
ويَمُرُّ العَاجُ الأسْودُ فوقِي
كرمَادٍ مُلتَهِبٍ في المِرآةِ
يجرِفُني ماءٌ
لا أعرفُ منبعَهُ إلَّاكِ.
الوجد، الذكر، الفناء، الحضور، التجلّي، الغياب، الكشف، العشق…
هي ليست مجرد مفردات صوفية تتسلّل إلى شعر أحمد الشهاوي،
بل مفاتيح كونية فتح بها أبواب نصّه،
ومرآةٌ لرحلته الداخلية في العشق والمعرفة.
منذ بداياته، أخذت تجربته تتشح بحسٍّ روحيٍّ خافت،
لكنه سرعان ما تبلور في ديوانه “الوصايا في عشق النساء”،
حيث اتّخذ من العشق دربًا للفناء في المحبوبة،
ومن المرأة معراجًا نحو المطلق،
ومن اللغة نسيجًا بين الرغبة والروح.
ما يُميّز الشهاوي أنه لم يتّكئ على الصوفية كتقليدٍ لغويٍّ أو زخرفةٍ تراثية، بل استبطنها كرافدٍ وجوديٍّ شعري، جعلها طريقةً في النظر، ووسيلةً للكتابة والبوح.
لم يكن مريدًا على عتبة الشيخ،
بل عاشقًا على تخوم السرّ،
يكتب ليقترب لا من المعرفة فحسب،
بل من المعنى الكامن في الأنثى، في اللغة، في الغياب، في الإشارة.
وفي هذا المسار، لم يكن الشهاوي منغلقًا على التصوف الإسلامي فقط، بل انفتح على الحضارات الشرقية والروحية الكبرى،
فتجلّت في كتاباته ظلالٌ من الفكر الهندي، التأملات البوذية،
التصوف الفارسي، والرومي، بل وحتى المسيحي، حيث تتكرّر مفاهيم مثل:
“العشق المقدّس”، “الأنوثة الكونية”، و”النعمة”.
لقد انصهرت هذه الروافد في قصيدته لا كعناصر متجاورة،
بل ككيمياء داخلية أنتجت كتابةً تُشبه الصلاة، وتُحاكي الطقس، وتُخاطب الروح بلسان الجسد، والجسد بوعي الروح.
ومن بين لحظات الكشف التي جمعتنا،حوارٌ بسيط ظاهريًا، عميقٌ في جوهره، حول خاتمٍ كنت أضعه
خاتمٌ ذو فصٍّ تفوح منه رمزية الدائرة والسرّ.
بعينٍ فطرية، ونفسٍ مندهشة، قرأه الشهاوي كعلامة، لا كحُليّة.
رأى فيه رمزية العهد، والرباط الخفيّ بين العاشق والمعشوق،
ذاك الرابط الذي لا بداية له ولا نهاية،
كالعشق، كالله.
رأى في الفصّ قلبَ العاشق، مزروعًا في مركز الوجود، يُلبَس في اليد، لكن يُقصد به القلب، كما تُلبس الكلمات في الفم، وتُقصد بها الأرواح.
لم يكن حديثه عن الخاتم سوى كتابةٍ أخرى، حيث يصبح الشكل مرآةً للجوهر، وتصبح الحلقة أبديةً، والفصّ نقطة النور التي يتجلّى فيها السرّ.
وقد عبّر عن ذلك في بعض أشعاره:
ألبس خاتم في أصبعي
لكنّ فصّهُ مزروعٌ في قلبي.
وأيضًا:
كلُّ خاتمٍ في العشق،
لا يحمل فصًّا من دمعٍ،
هو زينةُ يدٍ… لا سرَّ عاشق!
الخاتم، في عينه، هو ختم الوفاء، وعقد السرّ،
هو دوران الزمن العشقي الذي لا يكتمل إلا بفصٍّ من وجد،
أو حجرٍ كريمٍ من دموع المُحبّين.
ومن بين ما لا يُنسى، تلك الطريقة الفريدة التي يُلقي بها أشعاره،
كأنّه يُرتّل تراتيل من مقامٍ سريّ،
صوته لا يخرج من الحنجرة فقط، بل من عمقٍ صوفيٍّ مُقيم فيه،
وحين ينطق حرف الراء غينًا،
يتحوّل صوته إلى أثرٍ حيّ،
يمنحه لكنةً تشبه نَفَسَ أهل فاس في المغرب،
فيغدو صوته سبيلاً آخر للبوح،
وطريقةً لا شعوريةً في تمييز المعنى وتقديس الحرف.


