اعداد حسن بوسرحان
تلك التي أزهرت من نُدبة
بقلم القاصة هناء ميكو
يُروى – وليس كل ما يُروى كذبًا – أن امرأةً ما، لم تُخلق كما يُخلق الناس، بل نُسجت من خيطٍ خفيفٍ من نور، ونقطة ماءٍ تقطّرت من عين السماء ذات خشوع.
كانت ورودها لا تزال مبتلّةً بطيب المنى حين رأى الله أنها تستحق الموهبة، فوهبها الرؤيا قبل النظر، والتأمل قبل اللغة، والرجفة قبل الفعل.
لكن الزمن، الذي لا يترك أحدًا دون امتحان، جرؤ على زرع نُدبةٍ في صدرها.
ويُحكى أن زهرةً نمت مكان تلك النُدبة.
زهرةٌ لا تُشبه غيرها؛ نُدبةٌ خَلَت، فابتلّت بطيب الصبر والسلوان، متدلّيةً بثقل حمولتها الفيّاضة بالعطر، وكأنّ الألم صار طقسًا من طقوس الجمال.
كانت من سلالة الأصل والعزّة، يجريان في دمها كما تجري القصائد في شرايين القصبة.
مخملية، عذبة، رحبة الصدر، جريئة الدواخل، تدعو للاكتشاف بجاذبيةٍ صامتة، وتُزهِر كلما سقاها الزمان بجودٍ، أو حتى بنُدبةٍ جديدة.
لم تُقتلع جذورها رغم مهبّات الريح؛ بل كل ريحٍ كانت تُرسّخها.
كالفرسة الجامحة، لا تُروّض، بل تُعاش.
ولو لم تكن وردةَ العشق، لأزهرت في بُستانه… أو ربما كانت هي البُستان، والسرّ، والماء.
وفي انحناءة الزمن التالية، سُرقت من ذاتها دون إنذار؛ قيل إنّ الزمن مدّ يده بخفة، أصيل الأيام.
لكنها لم تفقد كل شيء.
فقد أدركت روحها بجوهر قلبه الناطق، ذاك الذي يتبسم بهاء العشق، ويعزف نوتات الموسيقى بانتظامٍ وشغف، كأنه النبضُ عينه، والوَنيس السرمدي في الوحيدة.
كان يداوي جراحها، لا بالكلمات، بل بحكاياتٍ تتشكّل من الحروف والفنون وأطيافٍ غائبة/حاضرة.
أرواحٌ كانت تتوسل عبر الزمن إحساسًا مشعًّا…يُضفي على مقلتها بريقًا، وعلى حياتها لونًا آخر.
كانت، وما زالت، متعطّشةً لنصفها المفقود؛
ذاك الذي يُكمّل الرواية التي هي، روايةٌ لا يمكن التمتّع بفضائلها إلا إذا اجتمعت كل عناصر التشويق، وسلاسة السرد، وجاذبية الحكي.
فلديها تساؤلات، وقيم، وشغف، ومرايا كثيرة تُلحّ على الوجود بالطرح،
وتؤثث بها حياةً ذات طَعمٍ وذوقٍ لا يعرفهما إلا من تذوّق فاكهة الروح.
هي، ببساطة، امرأةٌ خُلقت للتأمل،
وسُخِّرت لإبداع العطر…
من الجُرح، من الزمن، من الموسيقى، ومن الحب الذي لا يُروى إلا في الأساطير
.

