اعداد حسن بوسرحان
تحرير حميد البركي
الشعر العربي هو ذلك الكائن الفني الذي تنفسته الحضارة العربية منذ فجرها، وتغذى على موسيقى الوجدان وحكمة الصحراء، فكان مرآة القبيلة ولسان فخرها وميدان بلاغتها، حتى أصبح إحدى الركائز الثقافية التي حافظت على اللغة، وخلّدت الأحاسيس، ورافقت الإنسان العربي في لحظاته كلها، من ولادته حتى موته، ومن الحب حتى الحرب، ومن التأمل حتى الانفجار. ولا يمكن الحديث عن الشعر دون التوقف عند تعريفه كما رآه كبار النقاد واللغويين، بدءًا بابن طباطبا الذي اعتبره “الكلام المنظوم البائن عن المنثور”، في إشارة واضحة إلى أهمية الوزن والتنظيم الشكلي المميز عن النثر (1). أما ابن منظور فقد علّق على الشعر بقوله “منظوم القول غلب عليه”، رابطًا بين الغلبة الاصطلاحية والوزن والقافية، مما يبرز أن للشعر مقوّمات صوتية وإيقاعية لازمة تميّزه عن سواه من الكلام (2). من جهته، عدّه الجرجاني علمًا من علوم العرب يجمع بين الطبع والرواية والذكاء، ليدل على أن الإبداع فيه لا يُمكن أن يتحقق بمجرد التلقين بل هو ملكة تتغذى على الموهبة والتمكن من أدوات اللغة (3). أما الفيومي فكان أكثر دقة، معرفًا الشعر بأنه “النظم الموزون وحده”، رابطًا شرط الشعرية بوجود التوازن الصوتي والتقفية المقصودة (4). ثم جاء ابن خلدون ليمنح التعريف عمقًا جماليًا، فعرفه بأنه “الكلام المبني على الاستعارة والوصف المفصل”، موضحًا الوظيفة التخيلية والتصويرية لهذا الفن الذي لا يكتفي بمجرد الأخبار بل يستحضر العالم بصيغة أخرى، ذات وقع وجداني وإيحائي (5)
هذه التعريفات توضح أن الشعر في نظر القدماء كان مشروطًا بالقافية والوزن، وهي شروط تطابق تمامًا مع شكل القصيدة العمودية كما نعرفها، والتي تنتمي إلى بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي، مثل البحر البسيط والطويل والمديد وغيرها. وهي أشكال حافظت على النظام الثنائي للبيت الشعري، المتكوّن من صدر وعجز، مع الالتزام بقافية موحدة، مما منح الشعر شكلًا معماريًا منتظمًا يمكن أن يُلحَن أو يُغنى
غير أن تحولات العصر وتبدل الحساسيات الجمالية أسهمت في توسعة مفهوم الشعر، فلم يعد مقيدًا بالشكل العمودي وحده. ظهرت أشكال جديدة، منها شعر التفعيلة الذي حافظ على إيقاع داخلي قائم على وحدة التفعيلة مع تحرر من القافية الموحدة والبيت الثنائي، وكذلك قصيدة النثر التي تمردت على الوزن كله، مكتفية ببلاغة اللغة وكثافتها وصورها، مما أثار جدلًا طويلًا بين المحافظين والمجددين حول شرعيتها الشعرية
وإلى جانب هذه الأشكال، احتضن التراث العربي أنواعًا أخرى مثل الموشحات التي ظهرت في الأندلس، وامتازت بتركيب خاص من الأغراض والقوافي، إضافة إلى الشعر المسرحي الذي دخل إلى العالم العربي في القرن التاسع عشر على يد خليل اليازجي، وتطوّر لاحقًا على يد أحمد شوقي ليصير مسرحًا شعريًا يعتمد على البناء الدرامي ويستوعب المقطوعات الغنائية والحوارية.
ثم جاء التنوع الأحدث في الشكل، فظهرت ما يعرف بـ”قصيدة الردف”، التي يمكن تصنيفها إلى نوعين: الردف القياسي، حيث يبدأ الشاعر بجملة ثم يعيد إنتاجها بصيغة مقطعية متناسقة على شاكلة القصيدة العمودية؛ والردف الرقمي، حيث يُبنى البيت على توازن عددي بين عدد حروف الصدر وعدد حروف العجز، بينما تُبنى القافية على تفعيلة أو نسق إيقاعي متفق عليه، وهو نوع جديد يدمج الحساب الجمالي بالوزن البنائي ويؤسس لمنهج شعري رياضي يجمع بين الشكل والموسيقى.
أما عن موضوعات الشعر العربي، فهي امتدت من الذاتي الغنائي إلى الموضوعي المسرحي، ومن الحنين والبكاء إلى المدح والهجاء والفخر والحكمة. فالشعر الغنائي، أو الوجداني، يُعبر عن المشاعر الفردية والعواطف الحية، من حب وكره وفرح وحزن، وهو من أقدم أشكال الشعر وأكثرها ارتباطًا بالموسيقى. في حين أن الشعر المسرحي ظهر لاحقًا، جامعًا بين المتعة السمعية والتعبير الدرامي، إذ يسرد الحكاية من خلال حوار شعري موزون، ويعتمد على وحدة الحدث وتنامي الشخصيات والصراع، ويُعد من التجليات الحديثة لتفاعل الشعر مع الفنون الأخرى
وما بين الأصالة والتجديد، يتنقل الشعر العربي، حاملًا في جوهره روحًا واحدة تتعدد وجوهها، فكل تغيير في شكله ما هو إلا استجابة لاحتياجات العصر الجمالية والوجدانية، من دون أن يفقد جذوره أو ينكر أصالته. يظل الشعر فنًا مفتوحًا على التجريب والابتكار، متحررًا من الجمود لكنه حريص على الحفاظ على جوهره الإيقاعي والتصويري والوجداني.
ونعرفه نحن أنه متسع ذهني فضاء وجداني، حيث بلغ قناعة خفية تستند إليها الرؤى، وتُبنى عليها الحصون الفكرية المتجاوزة للزمن الآني، بل هي لغة غنية تمتلئ بالموسيقى الداخلية التي تنبع من تفاعل حروفها وحركاتها، كما أنه رفرفة في القلب شغب في الذات ولو جسد لكان قبسا من نور.
.
الهامش:
1 – ابن طباطبا: “عيار الشعر”، دار المعارف، القاهرة
2 – ابن منظور: “لسان العرب”، مادة (ش ع ر)
3 – الجرجاني: “دلائل الإعجاز”، تحقيق محمود محمد شاكر
4 – الفيومي: “المصباح المنير”، مادة (ش ع ر)
5- ابن خلدون: “المقدمة”، باب صناعة الشعر.

{“remix_data”:[],”remix_entry_point”:”challenges”,”source_tags”:[“local”],”origin”:”unknown”,”total_draw_time”:0,”total_draw_actions”:0,”layers_used”:0,”brushes_used”:0,”photos_added”:0,”total_editor_actions”:{},”tools_used”:{},”is_sticker”:false,”edited_since_last_sticker_save”:false,”containsFTESticker”:false}