لحظات في ذاكرة الأدب
“في زمن الفوضى النقدية… أقلام تتهافت وأدواتها مثقوبة”
اعداد محمد احمد طالبي
اخراج حسن بوسرحان
توطئة:
في زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات، وتضطرب فيه المقاييس، لم يعد غريبا أن نرى النقد الأدبي وقد أُفرغ من جوهره، وتحوّل إلى مجرد صدى باهتٍ لأصوات تلهث خلف الواجهة، أكثر مما تسعى لفهم النصوص أو مساءلتها.
نعيش اليوم لحظة فارقة في المشهد الثقافي العربي، لحظة تتّسم بـ”الفوضى النقدية”، حيث تسللت أقلام كثيرة إلى محراب النقد دون زاد معرفي، ولا أدوات رصينة، ولا رؤية جمالية واضحة.
هي أقلام تتهافت على الضوء، لا على المعنى؛ تستظلّ بظلال الشعراء لا بوهج الشعر، وتكتفي بالمصطلحات المعلّبة بدل أن تغوص في قلب النصوص بحثا عن الدلالات والاختلاف.
أقول
ثمة ظاهرة غير طبيعية باتت تستشري هذه الأيام، في المشهد الأدبي، تُثير الانتباه وتبعث على الاستغراب:
أقلام تحاول جاهدة الالتحاق بركب النقد، دون أن تمتلك من أدواته سوى الادعاء والسطحية.
تراها تتكالب على أي اسم شعري يلمع في الأفق، تسابق الزمن لكتابة ما يسمى بـ”قراءة نقدية”، في محاولة للاستظلال به والتقرب منه، لا لغاية معرفية أو جمالية، بل لغاية نفعية، مفضوحة ومكشوفة.
عجبًا… ما إن يلمع اسم شاعر جديد، حتى تنهال عليه طلبات الصداقة من هذه الفئة المتسلقة، وكأن المعيار الوحيد للاقتراب من النصوص هو قرب الشاعر من دائرة الضوء.
وحين تطرقت ذات مرة إلى قصيدة النثر الحداثية، مستأنسًا بطرح لأحد الأكاديميين، رأيت بعض هؤلاء “النقّاد” يستشيطون غيظًا، وكأنهم حُرموا من فتات المجد المزعوم، أو كأن صدى الكلام قد هزّ بنيانهم الورقي.
والمأساة، لا تكمن فقط في ردود الفعل الهوجاء، بل في الجهل المركّب الذي يستوطن كثيرًا من هذه المحاولات المتنكرة في ثياب النقد.
إنّ عددًا غير قليل من هؤلاء لا يملكون أدنى إلمام بتاريخ قصيدة النثر، ولا يدركون طبيعتها الإشكالية، ولا ما تطرحه من أسئلة جمالية تتعلق بالإيقاع والدلالة والبنية والانزياح.
بل الأدهى من ذلك، أنهم لا يعرفون الزجل من حيث كونه فنًا عريقًا متجذرًا في التراث الشفهي المغربي، له موسيقاه الداخلية، وله ارتباطه الوثيق بالوجدان الجماعي، ومع ذلك يخلطونه بخفّة بينه وبين أشكال أخرى من القول الشعري، كمن يمسك سكينا ليشرح به البحر.
نحن أمام خلل مفاهيمي خطير:
خلطٌ بين الزجل وقصيدة النثر،
بين الإبداع الشعبي والإبداع الحداثي،
بين ما هو rooted، أي متجذر في التقاليد، وما هو قائم على القطيعة معها.
ومن المؤسف أن يتصدر بعض هؤلاء منصات النقد، متشدقين بكلمات منمقة، بينما تغيب عنهم الخلفيات النظرية والمعرفية التي تشكل أساس أي ممارسة نقدية جادة.
النقد، أيها المستمع الكريم، ليس لعبة لغوية ولا استعراضا بلاغيا…
النقد، قبل أن يكون فعلا كتابيًا، هو فعل مسؤولية ومعرفة،
هو حفر شاق في المعنى، وتحليل دقيق للأنساق والدلالات،
هو تربية ذوق، لا تزكية أهواء.
أما هؤلاء، فلا هم نقاد، ولا هم قراء متبصرون،
بل مجرد أصوات ضجيجية، لا تُسمع إلا صدى رغبتها في الظهور…
وربما، في نهاية الأمر، لا تكتب النقد، بل تكتب رغبتها في أن تُكتب.
