اعداد حسن بوسرحان..
حين يُهمَّش المراسل الصحفي وتُغتال الرسالة الإعلامية
في زمنٍ أصبح فيه الخبر يصل إلى العالم في لمح البصر، وفي وقتٍ باتت فيه الصحافة تُعتبر السلطة الرابعة والحارس الأمين على هموم الناس وصوت الشارع، نجد أن المراسل الصحفي – الذي يُفترض أن يكون عين المجتمع وأذنه ولسانه – يُعاني في صمت من التهميش والاحتقار، سواء من قبل بعض مدراء المواقع أو من مؤسسات رسمية وأحياناً حتى من المواطنين.
![]()
إن فكرة مجموعة المراسلين الأحرار ليست ترفاً أو حلماً شخصياً، بل هي ضرورة حقيقية لإعادة الاعتبار لهذه الفئة التي تشكل قاعدة الهرم الإعلامي. فالمراسل الصحفي هو أول من يصل إلى الحدث، وهو الذي يخاطر بوقته وجهده وماله لنقل الصورة والخبر، وهو الذي يفتح الطريق أمام الصحفي المتمرس ليُبنى عليه التقرير والتحقيق والتحليل. ومع ذلك، يُقابل في كثير من الأحيان بالتجاهل أو الإقصاء، بل وحتى المنع من مزاولة مهامه بدعوى أنه لا يحمل بطاقة مهنية.
وهنا يُطرح السؤال الجوهري:
أليس المراسل الصحفي جزءاً لا يتجزأ من الجسم الإعلامي؟
أليس من حقه أن يشتغل في ظروف قانونية ومهنية تحميه من التعسف؟
لقد صار مألوفاً أن نرى المراسل الصحفي يُطرد من مكان الحدث أو يُمنع من التصوير أو يُتهم بانتحال صفة لا يملكها، رغم أنه يُمارس عملاً تطوعياً بدافع حبه للمهنة، ورغم أن الكثير منهم يملكون خبرة سنوات طويلة في الميدان، بل إن بعضهم حاصل على شواهد أكاديمية عليا، لكنهم اختاروا الصحافة عن قناعة وإيمان برسالتها.

في المقابل، لا يمكن أن ننكر أن بعض المواقع الإلكترونية – مع الأسف – أساءت إلى المهنة عندما وزعت بطاقات “مراسل صحفي” على أشخاص لا علاقة لهم بالصحافة، لا تكويناً ولا ممارسة، فتحولوا إلى ناقلي إشاعات أو باحثين عن الوجاهة. وهذا السلوك جعل المراسلين الجادين محل تشكيك واتهام، وأضعف من مكانتهم أمام الرأي العام والسلطات.
إن معالجة هذا الوضع تتطلب خطوات عملية وجريئة:
1. تعديل القوانين المنظمة للمهنة بما يضمن الاعتراف بدور المراسلين، ويوفر لهم الحماية القانونية الكاملة أثناء مزاولتهم لعملهم.
2. إحداث برامج تكوين مستمر تشمل فن التصوير الصحفي، وإجراء الحوارات، وكتابة المقال، وأخلاقيات المهنة، حتى نرتقي بالمراسل إلى مستوى الصحفي المحترف.
3. محاربة ظاهرة المراسلين الوهميين عبر وضع شروط واضحة وصارمة تمنع منتحلي الصفة، وتحمي سمعة الصحافة من التشويه.
4. إرساء شراكات بين الهيئات الإعلامية والجمعيات المهنية من أجل مواكبة المراسلين المتطوعين ودعمهم مادياً ومعنوياً.
فالصحافة ليست وظيفة عابرة، بل رسالة نبيلة وأمانة ثقيلة. والمراسل الصحفي ليس “عنصراً ثانوياً” كما يحاول البعض أن يُصوره، بل هو حلقة أساسية في صناعة الرأي العام ونقل الحقيقة.
ولن ننهض بإعلامنا الوطني إلا إذا أعدنا الاعتبار لهذه الفئة، ومنحناها ما تستحقه من دعم واحترام وحماية. لأن المراسل الصحفي هو من يوجد في الميدان حين يكتفي الآخرون بالمكاتب، وهو من يلتقط لحظة الحقيقة حين يغفلها الجميع.

ختاماً، أقولها بصدق:
لن تكون لنا صحافة قوية وحرة ومسؤولة ما لم نصن كرامة المراسل الصحفي ونمكّنه من الوسائل التي تضمن له أداء رسالته بكرامة ومهنية.
حسن بوسرحان