برنامج من أنا… أنا “الزيتوني بوسرحان”
المخرج المسرحي، عاشق الخشبة وصوت المهمشين
إعداد وإخراج: حسن بوسرحان
الموقع الإلكتروني: الأفق المغربي
في عالم المسرح المغربي، حيث تتلاقى الأصالة بالابتكار، يظل اسم الزيتوني بوسرحان حاضرًا بقوة كرمز للإبداع والتجريب، وكإنسان عاش من أجل الفن، وجعل من الخشبة منصة لتجسيد هموم الناس وأحلامهم. مسيرته الفنية ليست مجرد سلسلة عروض مسرحية، بل رحلة حياة، محفوفة بالشغف والإصرار، جعلت منه أحد أهم المخرجين الذين أسهموا في رسم معالم المسرح الحديث بالمغرب.
طفولة نابضة بالخيال والإبداع
وُلد الزيتوني بوسرحان في مدينة الدار البيضاء سنة 1958، في أحياء شعبية تزخر بالقصص والحكايات اليومية. منذ نعومة أظافره، انجذب إلى عالم المسرح، ليس كوسيلة للترفيه فحسب، بل كفضاء لتساؤل الإنسان عن ذاته ومجتمعه. كانت الأزقة المزدحمة والبيوت المتواضعة مدرسة أولى لتشكيل وعيه الفني، ومنبع إلهام لرؤيته المسرحية المستقبلية.
في تلك السنوات المبكرة، تأكدت لديه فكرة أن المسرح ليس رفاهية، بل ضرورة لإيصال صوت الناس الذين يعيشون على هامش المجتمع، وأن لكل قصة مكانها على الخشبة، مهما كانت بسيطة أو صامتة.
المسرح كقدر ومسار حياة
المسرح بالنسبة للزيتوني بوسرحان لم يكن مجرد مهنة أو هواية، بل قدرًا، حمله معه في كل خطواته. درس الإخراج والسينوغرافيا، وانغمس في فنون الركح، ليصبح من أبرز المخرجين التجريبيين بالمغرب. لم يكتفِ بالإخراج، بل خاض تجربة التأليف، إعداد النصوص، وتكوين جيل جديد من الممثلين الشباب، مؤمنًا بأن المسرح مدرسة حقيقية للحياة والفكر والوعي الاجتماعي.
أبرز الأعمال المسرحية
على مدار عقود، قدّم بوسرحان أعمالًا تركت بصمة قوية في المشهد المسرحي:
تقسيمات على الوتر الحساس (1979) – عرضه الأول مع فرقة رضا، حيث بدأ اختبار أسلوبه الفريد في المزج بين الموسيقى والحركة والمسرح الحواري.
أين أنت من زيدان (1984) – عرض رمزي واجتماعي يسلط الضوء على قضايا الشباب والمجتمع.
ليلة بيضاء (1987) – تجربة مسرحية اعتمدت على التوتر النفسي واللغة البصرية للتعبير عن الحرية والهوية.
سمنهرور (1986) و لعب الدراري (1993) – أعمال دمجت الفكاهة بالنقد الاجتماعي، وأتاحت فرصًا للشباب للمشاركة الفاعلة على الركح.
الاغتصاب (1991) – مسرحية جريئة تناولت قضايا حساسة، وحازت على جائزة أفضل سينوغرافيا، لتؤكد مكانته كمخرج مبتكر.
ترانزيت (2001) و خفة الرجل (2004) – عروض تجريبية ركّزت على الرمزية والحركة والتفاعل الجماهيري.
الريح (2006) و جمرة (2007) – أعمال جسدت اهتمامه بالقضايا الكبرى، وحصلت على جوائز وطنية.
بويا عمر و السي والو – إنتاجات حديثة اعتمد فيها على التجريب الفني والتقنيات الرقمية، مع نقد اجتماعي معمّق.
كل هذه الأعمال تؤكد فلسفة بوسرحان في أن المسرح فضاء للحوار والمساءلة، وتجربة فنية متكاملة تلامس وجدان الجمهور وتترك أثرًا دائمًا في وعيه.
الجوائز والتكريمات
مسيرته الحافلة حصدت العديد من الجوائز المهمة:
جائزة أفضل سينوغرافيا عن الاغتصاب
جائزة البحث الفني عن ليلة بيضاء
جائزة أفضل إخراج عن ترانزيت والريح
الجائزة الكبرى للمهرجان الوطني التاسع للمسرح الاحترافي بمكناس عن جمرة
ومع كل هذه الجوائز، يظل بوسرحان يرى أن أجمل المكافآت هي دهشة الجمهور وتصفيقاته، حين يخرج من العرض وهو متأثر ومفكر في رسائل العمل المسرحي.
الإنسان خلف المخرج
بعيدًا عن الأضواء، عاش الزيتوني بوسرحان حياة هادئة وبسيطة، محافظًا على خصوصيته الشخصية. قليلون يعرفون تفاصيل أسرته أو يومياته، لأنه فضل أن تبقى حياته الخاصة بعيدة عن الإعلام، ومرتبطًا دومًا برسالته الفنية.
كان قارئًا نهمًا، مثقفًا، متواضعًا، وملتزمًا بقضايا مجتمعه. اهتم بالصحافة الثقافية، أشرف على مجلة دراما وشارك في تحرير آفاق تربوية. كما انخرط في العمل الجمعوي والتربوي، مؤمنًا أن المسرح لا يكتمل دون مشروع ثقافي شامل يبني وعي المجتمع.
الرؤية والأسلوب الفني
تميز بوسرحان بانحيازه للمسرح التجريبي، واشتغاله على الرمزية، الجسد، والفضاء المسرحي. مسرحه نقدي، يطرح أسئلة عن الحرية، القهر، والعدالة. في عروض مثل بويا عمر، وظف الجنون كأداة نقدية ليكشف اختلالات الواقع، وابتكر فضاءات بصرية وتقنية مبهرة، ما أضفى على أعماله بعدًا فكريًا وجماليًا فريدًا.
تصريح خاص للموقع الإلكتروني الأفق المغربي
> “أنا أؤمن أن المسرح ليس رفاهية، بل هو ضرورة. هو خبز الروح، وهو الفضاء الوحيد الذي يمنح الإنسان فرصة ليحلم، وليعبر عن نفسه دون خوف. المسرح بالنسبة لي التزام أخلاقي قبل أن يكون فناً، ومسؤوليتي أن أظل صوتًا لمن لا صوت لهم.”
إرث فني وإنساني لا يزول
رحلة الزيتوني بوسرحان لم تكن مجرد مسار شخصي، بل جزء من تاريخ المسرح المغربي الحديث. لقد منح الفن حياته ووقته وطاقته، تاركًا بصمة مستدامة ستظل مرجعًا للأجيال القادمة. حياته الشخصية والفنية متشابكتان؛ فالفنان هو الإنسان، والإنسان هو المبدع الذي يؤمن أن المسرح رسالة، وأن أجمل ما يتركه المرء بعد رحيله ليس ما يملكه، بل ما يزرعه في وجدان الناس.

