برنامج من أنا…أنا “فاطمة ولهان”
صوت نسائي يبدع بالأغاني الغيوانية
إعداد وإخراج: حسن بوسرحان
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي
في أروقة الفن المغربي، يطل صوتها كنسمة رقيقة تحمل عبق الأرض وتنقل سحر الأمس إلى حاضرنا. إنها فاطمة ولهان، فنانة حملت على عاتقها مهمة الحفاظ على الأغنية الشعبية المغربية، وجعلت من صوتها جسراً بين الأجيال. من قلب الدار البيضاء، حيث يمتزج هدير البحر بصخب المدينة، ولدت ونشأت فاطمة، لتخط مسيرة فنية متفردة تحافظ على روح الأصالة، وتزرع الحب في دروب الغناء.
رحلة الإبداع والهوية
منذ بداياتها الأولى، لم يكن الفن عند فاطمة مجرد موهبة عابرة، بل قدرٌ خطّه الزمان. التحقت بفرقة “بنات الغيوان”، هذه التجربة التي لم تُضف فقط إلى رصيدها الفني، بل صقلت روحها، وجعلتها أكثر ارتباطاً بجذور الأغنية الغيوانية. كانت ترى في الغناء الغيواني أكثر من مجرد موسيقى؛ بل حكاية وطن، وذاكرة أمة، ورسالة إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان.
صوت يحكي حكايات الناس
كل نغمة تغنيها فاطمة تحمل في طياتها قصة. تحكي عن النساء الكادحات اللواتي يحملن أثقال الحياة، وعن السهول والجبال والصحراء، وعن أفراح البسطاء وأحزانهم. لم تكن تغني للترف أو الشهرة، بل لتبثّ الحياة في الذاكرة الشعبية، ولتقول للعالم: “هذا هو المغرب، وهذه هي أصواته الحقيقية.”
تحديات امرأة في عالم صعب
لم يكن الطريق أمام فاطمة مفروشاً بالورود، بل مليئاً بالعراقيل. كونها امرأة في عالم الفن الشعبي، واجهت أحكاماً مسبقة وصعوبات مهنية واجتماعية. لكن عزيمتها وروحها الحرة كانتا أقوى من كل القيود. واجهت بعناد الجميل، وأثبتت أن المرأة المغربية قادرة على أن تصون التراث وتبدع فيه دون أن تفقد أنوثتها أو قوتها.
إنجازات فنية راسخة
طوال مسيرتها، شاركت فاطمة ولهان في مهرجانات وطنية ودولية، حيث حملت الأغنية الغيوانية إلى خشبات مسارح المغرب وخارجه، مبهرة الجمهور العربي والأوروبي بصدق الأداء وأصالة الصوت. كان حضورها لافتاً في:
مهرجان الدار البيضاء للموسيقى الشعبية.
مهرجان الأغنية الغيوانية بالمحمدية.
سهرات فنية بالمسرح الوطني محمد الخامس بالرباط.
مشاركات في تظاهرات ثقافية بفرنسا وإسبانيا، حيث مثلت الأغنية المغربية بأبهى صورة.
إلى جانب ذلك، تم تكريمها من طرف جمعيات ثقافية وفنية عديدة اعترافاً بدورها في صون التراث، كما نالت شهادات تقدير من مؤسسات ثقافية مغربية وعربية.
حياة إنسانية ودروس للأجيال
وراء الأضواء، تعيش فاطمة ولهان حياة بسيطة وهادئة. فهي زوجة وأم قبل أن تكون فنانة، عرفت كيف توازن بين متطلبات الأسرة وضغوط الساحة الفنية. في بيتها، هي الأم الحنونة التي تروي لأبنائها قصصاً من الذاكرة الغيوانية، وتغرس فيهم حب الوطن والاعتزاز بالهوية.
تؤمن فاطمة أن المرأة المغربية قادرة على الجمع بين النجاح الأسري والتألق الفني، شرط أن تتحلى بالإرادة والإيمان برسالتها. كثيراً ما تُوجّه رسائل للجيل الصاعد، خصوصاً الفتيات، داعيةً إياهن إلى التمسك بأحلامهن دون التخلي عن قيمهن وأدوارهن الإنسانية.
تقول دائماً: “البيت هو المدرسة الأولى، والفن هو الصوت الذي يحمل قيم البيت إلى العالم.”
فاطمة ولهان… أيقونة الأصالة
اليوم، وبعد سنوات من العطاء، أصبحت فاطمة رمزاً فنياً واجتماعياً، صوتاً للكرامة والحرية والجمال. لا تُختزل مسيرتها في أغنية أو حفلة، بل في إرثٍ متكامل يظل ينبض في الوجدان. في كل مرة تصدح فيها على المسرح، يعود الزمن للوراء، ويقف الحاضر احتراماً لذاكرة موسيقية لا تموت.
تصريح خاص للأفق المغربي
تقول فاطمة ولهان في حديثها لموقع الأفق المغربي:
“الغناء بالنسبة لي ليس مهنة، بل رسالة ومسؤولية. الأغنية الغيوانية هي مرآة الشعب، وأنا أؤمن أن الفن الحقيقي هو الذي يعكس قضايا الناس، آمالهم وآلامهم. هدفي أن أبقى وفية لجذوري ولبلدي، وأن أترك بصمة تجعل الأجيال القادمة تعتز بتراثها.”
مسك الختام
وكما تُحب أن تردد فاطمة ولهان على طريقتها الغيوانية:
“يا صوتي لا تخون،
خلّيك أمين للحي والناس،
غَنّي للفرح والحزن،
وخلي التراث ميراث…”
✦ هكذا تظل فاطمة ولهان أكثر من مجرد فنانة؛ إنها ذاكرة تمشي على أوتار العود، وحكاية مغربية أصيلة تكتب نفسها كل يوم من جديد.

