الغيوانيات…
صوت نسائي يرن في الذاكرة
إعداد وإخراج: حسن بوسرحان
في قلب الذاكرة المغربية، حيث يتداخل الحلم بالحنين، ويذوب صوت الأرض في نغمة الطبول والعود، يطل فن الأغنية الغيوانية كصرخة وجود ومرآة للوجدان الجمعي. فمنذ انبثاقه في سبعينيات القرن الماضي، ظل الغيوان رمزًا للمقاومة الفنية وصوتًا للمهمشين، يعبّر عن هموم الناس ويمنحهم الأمل وسط قسوة الواقع.
وإذا كان الرجال قد صنعوا ملامح هذا اللون الفني عبر رواد ناس الغيوان ومن تبعهم، فإن المرأة المغربية لم تتأخر عن حمل الشعلة، لتؤكد حضورها الإبداعي في هذا المجال. ومن بين التجارب الرائدة، تبرز مجموعة “الغيوانيات”، تلك البصمة النسائية الفريدة التي أعادت صياغة الأغنية الغيوانية بروح أنثوية، فجمعت بين الأصالة والجرأة، وبين الوفاء للتاريخ والانفتاح على الحاضر.
الغيوانيات: ولادة حلم نسائي
لم تكن “الغيوانيات” مجرد مغامرة فنية عابرة، بل كانت ثمرة إيمان عميق بقدرة المرأة على المساهمة في صيانة التراث المغربي. برئاسة الفنانة فاطمة ولهان، استطاعت المجموعة أن تجد لنفسها مكانًا بارزًا في المشهد الفني، وأن تُسمع صوتها في فضاء ظل لسنوات طويلة حكرًا على الرجال.
تقول فاطمة ولهان:
“حين غنينا أول مرة على المسرح، كنا نرتجف من الخوف، ليس خوفًا من الجمهور، بل من أن يُساء فهم رسالتنا. اليوم، وبعد كل هذه السنوات، أشعر بالفخر لأننا كسرنا حاجز الصمت، وقلنا إن الغيوان يمكن أن يُغنى أيضًا بصوت النساء.”
وأضافت:
“الأغنية الغيوانية ليست مجرد لحن أو كلمات، هي حياة كاملة، هي وجع الناس وأحلامهم، هي صورة بلدنا كما نراها ونعيشها. ولهذا اخترنا أن نكون أوفياء لها.”
بين التراث والحداثة
تعتمد “الغيوانيات” على مزيج متوازن بين الوفاء للأصول الفنية، والبحث عن تجديد يواكب العصر. فهي تحافظ على البنية الإيقاعية الغيوانية، وعلى القوالب الشعرية الشعبية التي تشكل جوهر هذا الفن، لكنها في الوقت ذاته تضيف لمسات أنثوية رقيقة، وصوتًا جماعيًا يفتح المجال لتجارب موسيقية أكثر تنوعًا.
واحدة من عضوات المجموعة تقول:
“واجهنا الكثير من السخرية في البداية، البعض قال إن الغيوان لا يصلح للنساء. لكننا آمنّا بأن الفن لا يعرف جنسًا، وأن صوت المرأة يمكن أن يكون قويًا مثل صوت الرجل، بل أحيانًا أعمق.”
ولعل ما يميز هذه التجربة أنها لم تقتصر على مجرد إعادة أداء الروائع القديمة، بل سعت إلى إنتاج أعمال جديدة تحمل روح الغيوان، وتخاطب جيلًا حديثًا، دون أن تفقد هويتها الأصلية.
صوت المرأة… مرآة المجتمع
من خلال حضورها الفني، تقدم مجموعة “الغيوانيات” صورة مشرفة للمرأة المغربية: قوية، مبدعة، وملتزمة بقضايا مجتمعها. فالأغنية الغيوانية بصوتها النسائي أصبحت أكثر قربًا من وجدان الجمهور، وأكثر قدرة على التعبير عن عمق التجربة الإنسانية، بما تحمله من أبعاد وجدانية وثقافية.
ولعل أهم ما حققته “الغيوانيات” هو إعادة الاعتبار لدور المرأة في الفن الغيواني، وتأكيد أن الإبداع لا يعرف جنسًا ولا حدودًا، بل هو نداء الروح وصرخة الأرض.
بين تفاعل الجمهور ورأي النقاد
لم يقتصر تأثير مجموعة الغيوانيات على تقديم عروض فنية متقنة، بل تجاوز ذلك إلى خلق علاقة وجدانية قوية مع الجمهور. ففي كل أمسية أو مهرجان، يلتف الحضور حول هذه التجربة النسائية، مرددين الأغاني الغيوانية بحنين واندماج. كثيرون يرون في الغيوانيات امتدادًا لذكريات الماضي الجميل، وفي الوقت ذاته نافذة على الحاضر والمستقبل.
النقاد بدورهم توقفوا عند خصوصية التجربة، معتبرينها “خطوة جريئة” و”منعطفًا مهمًا” في مسار الأغنية الغيوانية. بعضهم أشاد بقدرة المجموعة على الجمع بين الأصالة والتجديد، فيما ركز آخرون على القيمة الرمزية لدخول المرأة إلى فضاء فني ظل طويلًا حكرًا على الرجال.
ويرى أحد النقاد الموسيقيين أن:
“الغيوانيات أثبتن أن الفن الغيواني ليس مجرد لون ذكوري، بل هو فضاء مفتوح لكل من يحمل الهم الجماعي ويعبر عنه بصدق. هذه التجربة تستحق كل الدعم لأنها تعيد صياغة ذاكرة جماعية بلسان نسائي”.
تحديات البداية… وإصرار الاستمرار
لم يكن الطريق أمام الغيوانيات مفروشًا بالورود، بل كان مليئًا بالتحديات والصعوبات. فمنذ انطلاقتها، واجهت المجموعة نظرة مجتمعية متحفظة على ولوج النساء إلى عالم الغيوان، باعتباره مجالًا رجوليًا بامتياز. كما اصطدمت بندرة الإمكانيات المادية، وصعوبة إيجاد فضاءات للتدريب والعرض، إضافة إلى تحديات التوفيق بين الحياة الأسرية والالتزام الفني.
لكن الإيمان العميق برسالة الفن الغيواني كان أقوى من كل العوائق. بإصرار الفنانة فاطمة ولهان ورفيقاتها، تحولت تلك العراقيل إلى حافز للاستمرار. ومع مرور الوقت، أثبتت المجموعة أن المرأة قادرة على اقتحام هذا المجال بكل اقتدار، لتفتح أمام الأجيال القادمة أبوابًا جديدة للإبداع والتميز.
الغيوانيات… ذاكرة متجددة
اليوم، بعد سنوات من العمل الجاد، استطاعت “الغيوانيات” أن تفرض نفسها كجزء من الهوية الغنائية المغربية، وأن تفتح دربًا جديدًا أمام الأجيال القادمة من الفنانات. إنها تجربة تُثبت أن التراث ليس مجرد ماضٍ يُحكى، بل هو حاضر يُعاش، ومستقبل يُبنى.
وفي الختام، تبقى “الغيوانيات” أكثر من مجرد مجموعة موسيقية؛ إنها رسالة فنية وثقافية، ونداء للحفاظ على إرث غنائي يشكل أحد أعمدة الهوية المغربية. بفضل أصواتهن العذبة والتزامهن العميق، ستظل الأغنية الغيوانية حية في قلوب المغاربة، تتجدد مع كل جيل، وتبقى شاهدًا على عراقة الفن المغربي وخلوده.


