مسرحية التخرشيش واعلان المسكوت عنه في سكون الليل

كتب : الأحد، 14 سبتمبر 2025 - 12:48 م مجتمع

تخرشيش بلا تخرشيش
بوسرحان الزيتوني

كلما اقتحم بعض الضوء خشبة المسرح ليضيء ابداعا مسرحيا يطرح، في شكل جمالي، وان كان صادما، بعض المسكوت عنه في ستار ليل محتمعنا المغربي، الا وانفجر الجدل وارتفعت اصوات الاحتحاج بين من يراه تمرّدًا مشروعًا ومن يعتبره انزلاقًا أخلاقيًا. وكأن المسرح العربي محكوم دائمًا أن يكون في قلب العاصفة، يفتح ملفات مسكوت عنها بينما المجتمع يصرّ على إغلاقها.
مع تقديري لحرية رأي كل من عبر عن موقف من مسرحية تخرشيش للمخرجة مريم الزعيمي، فاني أرى ان الامر يستوجب وقفة نقاش عاقلة وهادئة.

في المغرب، تكرّر هذا المشهد أكثر من مرة. مسرحية “ديالي” لنعيمة زيطان كانت لحظة فاصلة في 2013، لمجرد أن عنوانها أحال مباشرة على الجسد الأنثوي. العرض اعتمد شهادات نساء تحدّثن بصراحة عن العنف والاغتصاب، فاندلعت موجة غضب وصلت إلى البرلمان، وكأن المسرح ارتكب جريمة في حق الأخلاق العامة. بعد عقد من الزمن تقريبًا، جاءت “تخرشيش” لمريم الزعيمي، بمشهد مباشر حول زنا المحارم، لتعيد نفس المواجهة: فريق يطالب بالمنع ويعتبر العرض خدشًا للحياء، وفريق آخر يرى فيه صرخة ضرورية ضد صمت طويل. الممثلة ساندية تاج الدين لخصت الموقف بقولها: “الواقع أفظع من المسرح”، لتؤكد أن ما على الخشبة ليس إلا ظلًا لما يحدث في الخفاء.

هذا التوتر لم يقتصر على زيطان والزعيمي. لطيفة أحرار أثارت جدلاً واسعًا حين قاربت موضوعات الحرية الفردية والجسد، فاعتبرها البعض متجاوزة للخطوط الحمراء، في حين رأى آخرون أن جرأتها كسرت طابوهات لا يمكن الاستمرار في حمايتها. عبد الحق الزروالي بدوره واجه انتقادات بسبب لغته المباشرة وصوره المسرحية الجريئة التي قرأها جزء من الجمهور باعتبارها انزلاقًا نحو الابتذال، بينما كان يصرّ على أن التجريب لا يعرف محظورات جاهزة.

ما يحدث في المغرب ليس استثناء. في تونس، مسرحية “خمسون” لفاضل الجعايبي سنة 2006 أثارت عاصفة مماثلة، إذ تناولت القمع السياسي والاغتصاب والجنس بلا مواربة. اتُّهمت حينها بالإساءة للأخلاق، لكنها سُجِّلت لاحقًا كعلامة فارقة في تاريخ المسرح التونسي. وفي مصر، واجهت أعمال تجريبية في التسعينيات، مثل “حكايات حارتنا” المقتبسة عن نص محفوظ، عاصفة نقدية بدعوى أنها “تمس المقدسات” وتقترب من التابوهات الجنسية والدينية. وصولًا إلى محاولات معاصرة تعالج المثلية والعلاقات السرية، والتي سرعان ما تتحول إلى قضايا رأي عام بمجرد عرضها.

كل هذه التجارب تشير إلى معضلة واحدة: الأخلاق العامة ليست نصًا منزَّلًا، بل اتفاق هشّ يتغير من جيل لآخر. ما يُعتبر اليوم فضيحة قد يُصبح غدًا جزءًا من خطاب ثقافي مألوف. المسرح حين يقترب من الجسد والجنس يدخل مباشرة في مواجهة مع هذه السلطة الأخلاقية، لكنه بذلك يحقق وظيفته الأصلية: كسر الصمت وفتح النقاش. والمفارقة أن ما يُهاجَم باسم الحياء هو ما يظل حاضرًا في الذاكرة الجماعية، بينما تُنسى مئات العروض التي مرّت بهدوء.

إن الحق الأخلاقي للمجتمع في الحماية يجب أن يُترجم إلى تصنيفات عمرية وتحذيرات للجمهور، لا إلى سيف زجري يمنع التفكير. المسرح ليس درسًا في الأخلاق ولا نزهة للتسلية، بل مساحة مكشوفة لطرح الأسئلة. وكلما اشتد الصراع بينه وبين ما يُسمّى بالأخلاق العامة، كلما ذكّرنا بوظيفته الأعمق: أن يضعنا وجهًا لوجه أمام أنفسنا، بلا أقنعة.
ملحوظة غير هامة : كثير من الذين عبروا عن راي ط، انما رأى مقطع الفيديو الذي تم نشره ، واكاد أحزم ان لم تتح للجمهور ان يشاهد المسرحية بعد.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :