برنامج من أنا… أنا حنان هنيو
“خربوشة الفن التشكيلي بين ألوان تزنيت ونبض المجتمع”
إعداد: حسن بوسرحان
الموقع الإلكتروني: الأفق المغربي
أنا حنان هنيو، ويعرفني الأقارب والجمهور بلقب الرسامة خربوشة. ولدت بعاصمة الفضة تزنيت، تلك المدينة التي تنبض بالحياة والألوان، حيث نهلت منذ طفولتي من الطبيعة الخلابة، ومن سحر الملابس والحلي الأمازيغية التي تحمل تاريخ الأجداد وأصالة الثقافة. لقد شكلت هذه البيئة خصبًا لإبداعي الفني، فبدأت موهبتي تتبلور منذ سن صغيرة، وبدأت أرى العالم من خلال ألوانه وأشكاله، وأحسست منذ البداية أن الفن سيكون لغتي الخاصة للتعبير عن الذات والعالم المحيط بي.
كانت الأسرة عاملاً أساسياً في احتضان الموهبة؛ فوالدي، العاشق للموسيقى والعازف على آلة الغيتار، ومحب للرسم كذلك، زرع في داخلي حب الفن وجعلني أؤمن منذ الصغر أن التعبير الفني هو امتداد للروح. لقد ساعدني هذا التكوين العائلي على اكتشاف قدراتي، وعلى تطوير حاسة الملاحظة، وفهم جمال التفاصيل الصغيرة التي غالبًا ما تغفلها العيون العادية.
مسيرتي الفنية بدأت في عالم المسرح، حيث تعلمت كيفية التعبير عن المشاعر والصوت والحركة، لكنني وجدت نفسي أكثر انجذابًا نحو التشكيل والرسم، الذي منحني القدرة على الصمت الإبداعي، والتأمل في العالم من حولي، وتحويل الأفكار والمشاعر إلى أشكال وألوان على اللوحة. ومن خلال الأنشطة المدرسية والمناسبات الثقافية بدار الشباب في تزنيت، توطدت موهبتي وبدأت أشارك في ورشات جماعية، ما ساعدني على صقل أسلوبي الفني وتعلم تقنيات جديدة.
مع مرور الوقت، توسعت آفاقي الفنية من خلال مشاركتي في ورشات لفنانين مغاربة وأجانب، حيث اكتسبت خبرات مهنية وتعرفت على مدارس فنية مختلفة. بدأت أستكشف فنونًا متعددة، من الحروفيات والفن الساذج إلى البورتريه واللوحات التجريدية، وكل تجربة أضافت بعدًا جديدًا لرحلتي الفنية. تدريجيًا، أصبحت قادرة على اختيار مسار أكثر نضجًا واحترافية، فأفتتحت مرسمي الخاص، وبدأت بعرض وتسويق أعمالي في معارض وطنية ودولية، كما شاركت في إقامات فنية متعددة، ما أتاح لي فرصة تبادل الخبرات والانفتاح على ثقافات وأساليب مختلفة.
بالنسبة لي، الفن التشكيلي ليس مجرد ألوان وخطوط، بل هو وسيلة للتعبير عن الذات، ونافذة لفهم المجتمع من حولي، وطريقة للتأثير إيجابياً في الناس من خلال الجمال والفكرة والرسالة. رسائلي متعددة، لكنها تتقاطع في هدف واحد: أن يكون الفن أداة للتغيير الإيجابي، ورافعة لترسيخ الذوق الرفيع والقيم الإنسانية.
فلسفتي الفنية:
“الفن بالنسبة لي ليس ترفاً ولا مجرد لوحة تُعلّق على الجدار، بل هو حياة كاملة تنبض بالحلم، بالذاكرة وبالمقاومة. منذ طفولتي وأنا أؤمن أن الألوان قادرة على أن تُداوي الجراح مثلما تفعل الموسيقى والقصيدة. في كل لوحة أرسمها أضع شيئاً من قلبي، شيئاً من ذاكرة طفولتي في تزنيت، وشيئاً من أحلامي بأن أرى مجتمعي أكثر عدلاً وجمالاً. أريد لفني أن يكون لغة يفهمها الجميع، لغة تتجاوز الحواجز وتفتح القلوب على الأمل. فحين أرسم لا أبحث عن مجد شخصي، بل أبحث عن بصمة تبقى في الروح، عن رسالة تقول إن الفن يستطيع أن يغيرنا، أن يرقينا، وأن يذكّرنا دائماً بإنسانيتنا.”
لقد شكل الفن بالنسبة لي بوصلة حياتي، وساعدني على التعبير عن مشاعري العميقة وأفكاري، وأتاح لي أيضًا التواصل مع الآخرين بلغتهم البصرية الخاصة. المشاركة في المعارض والورشات، سواء المحلية أو الدولية، لم تكن مجرد فرصة عرض أعمالي، بل كانت أيضًا رحلة تعليمية مستمرة، حيث أتعلم من الآخرين وأستفيد من تجاربهم، وأحاول نقل هذه الخبرة إلى الأجيال الصاعدة، لتلهمهم الإبداع وتشجعهم على التعبير عن أنفسهم بحرية.
وختامًا، رحلتي مع الفن رحلة مستمرة لا تنتهي، مليئة بالاكتشاف والتجربة، ومليئة بالشغف الذي يدفعني دائمًا إلى التجديد والابتكار. الفن بالنسبة لي صدىً لنبض الإنسان، ومرآة تعكس أحلامه، وأداة يمكن أن تغير مجتمعاتنا نحو الأفضل، وتجعل العالم مكانًا أكثر جمالًا وأملًا.

