اعداد حسن بوسرحان…
تحرير ومتابعة ..مصطفى لحرش
شكّلت جمعيات المجتمع المدني عبر العقود ركيزة أساسية في بناء المجتمعات الحديثة، لما تقوم به من أدوار تربوية، اجتماعية، وثقافية وتنموية. غير أن واقعها اليوم يثير العديد من التساؤلات حول مدى استمرارها في أداء رسالتها النبيلة، ومدى استقلاليتها وفعاليتها في خدمة المواطن والوطن.
أولاً: المجتمع المدني في الماضي
في الماضي، وخصوصاً في العقود الأولى بعد الاستقلال، تميزت الجمعيات المدنية في المغرب والعالم العربي عموماً بروح التطوع الصادق والانتماء الوطني.
كانت الجمعيات تنشأ من رحم الحي أو القرية لتلبي حاجات بسيطة لكنها ضرورية، مثل:
محاربة الأمية.
تنظيم الأنشطة الثقافية والتربوية.
مساعدة الفقراء والأرامل.
تنمية الحس الوطني والتضامني.
كانت تلك الجمعيات بسيطة في إمكانياتها لكنها قوية في إرادتها، يقودها متطوعون متحمسون يؤمنون بالفعل الجمعوي كقيمة إنسانية قبل أن يكون وسيلة لتحقيق مصالح شخصية.
ثانياً: التحول في الحاضر
اليوم، ومع تطور المشهد السياسي والدستوري، خصوصاً بعد دستور 2011 الذي منح للمجتمع المدني دوراً تشاركياً في إعداد وتتبع السياسات العمومية، عرفت الساحة الجمعوية توسعاً كبيراً عدداً وتنظيماً.
لكن، هذا التوسع لم يواكبه دائماً تحسن في المردودية أو المصداقية، حيث نلاحظ:
1. تسييس العمل الجمعوي وربطه بمصالح انتخابية ضيقة.
2. ضعف التكوين والتأطير لدى العديد من الفاعلين الجمعويين.
3. غياب الاستمرارية والمشاريع المستدامة.
4. الاعتماد المفرط على الدعم العمومي دون تنويع مصادر التمويل.
5. انحسار الحس التطوعي وتحول العمل الجمعوي إلى وسيلة للارتزاق.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود جمعيات جادة ومتميزة تشتغل في الميدان بإخلاص، وتساهم فعلاً في التنمية المحلية، وفي الدفاع عن حقوق الفئات الهشة، وفي نشر الوعي البيئي والثقافي.
ثالثاً: أي واقع اليوم؟
واقع المجتمع المدني اليوم يتأرجح بين الإشعاع والتراجع.
فمن جهة، هناك طاقات شابة وجمعيات جديدة تحاول التغيير بأساليب حديثة وشفافة، تستعمل التكنولوجيا ووسائل التواصل لنشر الوعي والتعبئة.
ومن جهة أخرى، هناك جمعيات صورية أو موسمية تفقد الثقة العامة وتضعف صورة الفعل الجمعوي.
رابعاً: نحو مجتمع مدني فعّال
لإعادة الاعتبار للمجتمع المدني، لا بد من:
1. تأهيل الفاعلين الجمعويين بالتكوين والتثقيف المدني.
2. اعتماد مبادئ الشفافية والديمقراطية الداخلية في التسيير.
3. تعزيز الشراكة الحقيقية مع الجماعات الترابية والدولة.
4. تشجيع الشباب على الانخراط التطوعي بروح المواطنة لا المصلحة.
5. اعتماد التقييم والمحاسبة كآلية لقياس الأثر الحقيقي للجمعيات.
خاتمة
بين الماضي المشرق بروح التطوع، والحاضر المليء بالتحديات، يقف المجتمع المدني أمام مفترق طرق:
إما أن يستعيد رسالته الأصلية كقوة اقتراحية وتنموية مستقلة،
أو أن يظل مجرد أداة شكلية في المشهد العام.
فالمجتمع المدني الحقيقي هو الذي يخدم الإنسان لا الأفراد، ويبني الوطن لا المصالح.
بقلم: الأستاذ مصطفى لحرش
