اعداد حسن بوسرحان
مقدمة: جيل لم يولد في الهامش
جيل اليوم ليس نسخة مطوّرة من الأجيال السابقة، بل ظاهرة قائمة بذاتها برؤيتها الخاصة للعالم والذات والآخرين. جيل “زيد” وُلد في رحم التكنولوجيا، وتفتّحت عيناه على الشاشات، فتعلّم أن المعلومة لا تنتظر، وأن الحرية لا تُمنح بل تُمارس.
في زمن تتقاطع فيه الهويات والثقافات وتُعاد صياغة القيم، لم يعد الاحتجاج مجرد رد فعل، بل أصبح لغة وجود وموقفاً فكرياً يعكس تحوّل الوعي الإنساني.
من الشارع إلى الشاشة: جغرافيا جديدة للاحتجاج
عرف التاريخ نماذج متعددة من الاحتجاجات: سياسية، اجتماعية، فكرية وفنية. لكن جيل “زيد” نقل هذا الفعل إلى الفضاء الرقمي، حيث تُكتب المواقف في التغريدات، وتُقاس الشرعية بعدد المشاهدات والتفاعلات.
الفضاء الافتراضي صار مرآة للوعي الجمعي ومختبراً لأشكال جديدة من التعبير السلمي، لكنه قد يتحوّل أيضاً إلى ساحة للفوضى والتضليل. التحدي الأكبر هو تحويل الاحتجاج الرقمي إلى وعي مدني راقٍ يحترم الاختلاف ويُنتج حلولاً بدل الاكتفاء بالإدانة.
السلمية والفوضى: الحد الفاصل بين الوعي والانفلات
السلمية ليست ضعفاً، بل خيار حضاري يعكس نضج الوعي الجمعي ورغبة في الإصلاح دون تدمير.
لكن سرعة تداول المعلومات قد تُدخل الفوضى إلى صفوف الشباب دون وعي، فيختلط الحرية بالتهور، والنقد بالتجريح، والمطالبة بالإصلاح بالعدمية.
هنا تتجلى أهمية تربية جديدة للوعي الاحتجاجي، تعلّم فن القول وفلسفة الإصغاء وآداب الحوار، وتحصّن الشباب ضد الانجراف نحو العنف الرمزي أو اللفظي. التربية التي توازن بين التمرد والإبداع، بين الرفض والبناء.
التربية في عصر الغضب: من التلقين إلى الإلهام
التربية اليوم لم تعد محصورة في المدرسة أو البيت، بل مسؤولية جماعية تشمل الأسرة، المؤسسات، المجتمع المدني، الإعلام، والفضاءات الرقمية.
جيل “زيد” يبحث عن شراكة معرفية تُشركه في التفكير واتخاذ القرار، لذلك فالتربية الجديدة هي إلهام متواصل يواكب العصر ويستجيب لتحولاته.
الاحتجاج ليس عيباً، بل طاقة ينبغي تحويلها إلى مشروع؛ والسؤال ليس تمرّداً، بل طريق إلى الوعي. حين نصغي لشبابنا بجدية، نضع لبنة في بناء مجتمع متوازن يحتضن طاقاتهم.
جيل يبحث عن القدوة لا السلطة
أزمة الثقة عند جيل “زيد” ليست مع المؤسسات فقط، بل مع النماذج الممثلة له. لقد سئم هذا الجيل الوعود الجاهزة والخطابات المعلّبة، ويريد أفعالاً حقيقية ومصداقية ملموسة.
جيل “زيد” يحتاج القدوة لا الوصاية، ويريد من يرافقه لا من يملي عليه المسار. التربية الأخلاقية والاجتماعية هنا هي المفتاح لبناء علاقة جديدة بين الأجيال، قائمة على الحوار والمسؤولية والاحترام المتبادل.
خاتمة: نحو وعي احتجاجي راقٍ
احتجاجات جيل “زيد” ليست خطراً، بل فرصة لإعادة قراءة واقعنا التربوي والثقافي. إنها دعوة لتجديد العلاقة بين الإنسان والعالم، بين الحرية والانضباط، بين الفعل والفكر.
فحين نفهم احتجاج الشباب كصوت للحياة لا للفوضى، نكون قد أدركنا جوهر التربية الحديثة: تربية تستمع، تحتضن النقد، وتصنع من الغضب وعياً ومن الاحتجاج أملاً.
جيل “زيد” لا يريد إسقاط العالم، بل بناء عالم يليق بوعيه.


