عندما يتحول المسرح إلى مرآة للنفس و رحلة استكشافية في أعماق الذات
بقلم : محمد أمين مداح
في عالم يموج بالصور السطحية والحكايات المكررة، جاء عرض *AUTOSCOPIC* ليعيد تعريف العلاقات بين الذات والفن، بين الفكر والمشاعر، بين المعرفة النفسية والتجربة المسرحية. هذا العرض، الذي قدم ضمن فعاليات الدورة الحادية عشرة من مهرجان وحدة الألفة للمونودراما في وجدة، لم يكن مجرد قصة تُروى، بل تجربة فريدة تُقام كاختبار للروح والوعي.
*AUTOSCOPIC* هو أكثر من مسرحية تقليدية؛ هو مختبر نفسي يُعرض على الخشبة حيث تتحول محاضرة أكاديمية في علم النفس إلى اعتراف وجودي نابض. لا يسعى العمل إلى تقديم أجوبة جاهزة، بل يطرح الأسئلة الحقيقية التي تختبئ خلف قناع العقل. الكلمات هنا ليست تعليمًا، بل انفجارًا داخليًا يفضح ما يعتمل في النفس من اضطرابات وأوهام.
الأداء المميز لمحمد أسغمان يحمل ثقل التناقض بين عقل المحاضر وضجيج المريض النفسي، ويلعب بدقة على توازنات الوعي والاضطراب. هو لا يروي فقط، بل يجعل من الصمت والتموجات النفسية مادة درامية تشد المشاهد إلى أعماق المعاناة والبحث عن الذات. هذا الأداء ينبض بالصدق، ويمنح كل لحظة مكانتها الخاصة في الفضاء المسرحي.
على المقلب الآخر، يقف محمد الواريتي كمخرج ومؤلف، مبدعًا تجربة مسرحية تجريبية توائم بين الفكر العميق والانفعال الفني. رغم ذلك، يواجه العمل بعض الإشكالات، خاصة في تفاصيل معالجة النص لحالات نفسية معقدة كالانفصام. التحول المفاجئ والسريع نحو الفصام دون المرور بمراحل تمهيدية للهلوسات والانزلاقات الإدراكية جعل التطور الدرامي للشخصية أقل تأثيرًا، وأضعف الوحدة السردية للعمل.
مع ذلك، لا ينفي هذا النقص عن *AUTOSCOPIC* مكانتها كتجربة جريئة في المسرح الحديث بالمغرب؛ تجربة تستحضر التحليل النفسي في فضاء يهيمن عليه عادة العرض والمشاهد السطحي. هي دعوة موجهة إلى المتلقي ليقف أمام نفسه، ليس فقط كمراقب، بل كفاعل يحلل ويتحلل، في تجربة تبرز المسرح كفضاء تفاعل مع الذات والجسد والفكر.
إن المسرح هنا ليس مجرد سرد لحكاية، بل مغامرة معرفية وفنية تعيد بناء الإنسان من جديد أمام مرآة النفس، لعبة مرايا لا يهرب منها أحد. تجربة تجعلنا ندرك أن الاتصال الحقيقي مع الذات هو أعقد وأحيانًا أعمق من كل ما نراه أو نسمعه، وأن المسرح قادر على كشف ذلك بأعظم صور الإبداع.