برنامج “وقفة مع مبدعةزهرة أحمد بولحية… بين جدائل الريح وقناديل الحرف، شاعرة تعانق الضوء من العرائش إلى العالم
️ إعداد وتنسيق: حسن بوسرحان
الموقع الإلكتروني: الأفق المغربي
كلمة إدارة الموقع
في زمن تتكاثر فيه الأصوات وتتناسل فيه النصوص، تبقى الكلمة الصادقة النابعة من عمق التجربة هي وحدها القادرة على اختراق الصمت، لتلامس جوهر الإنسان وتعيد إليه وهج المعنى. ومن هذا المنطلق، يسرّ موقع الأفق المغربي أن يستضيف في برنامجه الثقافي “وقفة مع مبدعة” واحدة من الأصوات الشعرية الراقية التي كرّست حياتها لخدمة الكلمة، ونسجت من اللغة عباءة من جمال وفكر وإبداع. إنها الشاعرة زهرة أحمد بولحية، ابنة مدينة العرائش، التي كتبت حضورها بأناقة في المشهد الأدبي المغربي والعربي، لتصبح رمزاً للعطاء الإنساني والثقافي الممتد.
زهرة أحمد بولحية… مسار من النور والمعرفة
من بين الأزقة العتيقة لمدينة العرائش، حيث البحر يعانق الذاكرة، ولدت زهرة أحمد بولحية، التي اختارت أن تكون ابنة اللغة العربية، لا تكتفي بالتدريس، بل تتنفسها حبًّا وشغفًا وإبداعًا.
حاصلة على شهادة الإجازة في اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمرتيل/تطوان، مارست مهنة التدريس في التعليم الثانوي التأهيلي لسنوات، متنقلة بين مدن مغربية متعددة، ناشرة بذور المعرفة في عقول الأجيال، قبل أن تعود إلى مسقط رأسها العرائش، لتواصل رسالتها بأسلوب آخر، عبر الكتابة والإبداع والبحث الثقافي.
تقول زهرة: “حين أغلقتُ باب القسم، فتحتُ نوافذ الحرف على مصراعيها…”، فكان التقاعد بالنسبة لها بداية حياة جديدة، تمارس فيها التعليم بصيغة أعمق، عبر القصيدة والقراءة والتأمل.
️ الشعر… طريق نحو الذات والكون
أول باكورة شعرية لزهرة كانت بعنوان “جدائل الريح”، الصادرة سنة 2021 عن جامعة المبدعين المغاربة، وهي مجموعة حملت بصمتها الأنثوية في لغتها، وصدقها في مشاعرها، وعمقها في رؤيتها للإنسان والحياة.
ثم أتبعتها سنة 2023 بديوانين متزامنين هما:
“قناديل من حلكة ووهج”
“شبيهي في وجوه”
وفيهما تنقل القارئ بين حالات الذات الشاعرة: من الانكسار إلى النهوض، ومن الغياب إلى الحضور، ومن الحيرة إلى اليقين. كلماتها تشبه الأفق في مدينة العرائش، لا ينتهي عند البحر، بل يمتد إلى المعنى والدهشة.
إسهاماتها الأدبية وجسور التواصل
لم تكتفِ زهرة أحمد بولحية بالإصدار الفردي، بل اختارت أن تكون جزءاً من الذاكرة الجماعية للشعر العربي، من خلال مشاركتها في أعمال شعرية جماعية منها:
ترانيم تاء التأنيث
شدو في الحب والحياة – قصائد من الوطن العربي
وتستمر الحياة (حول زلزال الحوز)
قصائد ضد البشاعة – الجزء الأول
موسوعة الشعر المغربي الفصيح (الجزء الأول بإشراف فاطمة بوهراكة)
كما شاركت مؤخراً في ديوان مشترك بعنوان “جذوات من حبر” إلى جانب الشاعرتين أمل الطريبق وسعاد، في تجربة تؤكد روح التعاون والإبداع النسائي المغربي في أبهى تجلياته.
بين الشعر والتنشيط الثقافي
زهرة ليست فقط شاعرة تكتب القصيدة، بل هي فاعلة جمعوية وعضوة في جمعية بيت المبدع بالعرائش، حيث تساهم في تنظيم الأمسيات والملتقيات الأدبية.
كما أنها معدة ومقدمة للفقرة الأدبية “نوافذ أدبية” ضمن برنامج نافذة بعيون مهاجرة الذي يُبث من المهجر، واستضافت من خلاله أسماء أدبية من المغرب والعالم العربي، مما جعلها جسر تواصل ثقافي بين الداخل والخارج.
ثمرة المسار والاعتراف…. تكريمات
ولأن الإبداع الحقيقي لا يمرّ دون أن يُرى، فقد حظيت الشاعرة زهرة أحمد بولحية بعدة تكريمات وشهادات تقديرية في مهرجانات وملتقيات متعددة.
ومن أبرزها تكريمها بدرع جماعة القصر الكبير بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني للمرأة المغربية يوم 10 أكتوبر 2024، احتفاءً بتجربتها الشعرية المضيئة، إلى جانب تكريمها من طرف جمعية الألفية الثالثة كإطار تربوي متميز وعطاء أكاديمي مشهود له.
زهرة الإنسانة… رسائل من القلب
في حديثها، لا تفصل زهرة بين الشعر والإنسان، فهما وجهان لحقيقة واحدة. تعتبر أن الكتابة بالنسبة لها رحلة نحو الذات قبل أن تكون بحثاً عن المجد الأدبي، وأن القصيدة هي “صلاة اللغة في محراب الروح”.
تعكس نصوصها حنيناً دفيناً، وحباً للأرض والناس، وشغفاً بالحياة رغم كل ما فيها من قسوة، وكأنها تقول:
> “كلّما اشتدّ الريح، تشبّثتُ بجدائل الحلم كي لا أسقط من سماء الأمل…”
ختاما
زهرة أحمد بولحية ليست مجرد شاعرة من العرائش، بل هي صوتٌ أنثويٌّ يضيء الدروب بالكلمة، ومعلمةٌ تواصل درسها اليوم عبر الحرف لا الطبشور، ومبدعةٌ تعيد تعريف الجمال من خلال صدقها الإنساني.
من “جدائل الريح” إلى “قناديل من حلكة ووهج”، رسمت زهرة مساراً شعرياً يستحق أن يُحتفى به، لأنه يجمع بين عمق الفكر، ورهافة الإحساس، وسمو الرسالة.
تحية تقدير من أسرة موقع “الأفق المغربي”
لكل المبدعات اللواتي يكتبن بالحبر والضياء،
وللشاعرة زهرة أحمد بولحية، التي جعلت من الحرف وطناً ومن الإبداع حياة.

