إعداد: حسن بوسرحان
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي
في مدينة تُعد القلب النابض للمغرب، العاصمة الاقتصادية، ومهد الإبداع والحداثة، تُطرح اليوم علامة استفهام كبرى تثير الدهشة والاستغراب: كيف لمدينة مليونية مثل الدار البيضاء أن تبقى بلا مسرح كبير؟
كيف تُقبل مدينة تملك من الإمكانيات ما يجعلها تضاهي كبريات الحواضر العالمية، أن تحرم ساكنتها من منارة ثقافية فنية ظلت تُبشر بها التصريحات الرسمية منذ أكثر من عقد من الزمن
مشروع “المسرح الكبير للدار البيضاء”، الذي كان من المفترض أن يكون صرحاً فنياً ومعمارياً من الطراز العالمي، بات اليوم رمزاً للتأجيل والتجاهل، وسؤالاً مؤرقاً في وجدان الفنانين والمبدعين وساكنة المدينة على حد سواء.
مشروع بدأ بالحلم وانتهى بالغموض
منذ أن أُعلن عن فكرة إنشاء المسرح الكبير سنة 2014، بشراكة بين مجلس المدينة وجهات متعددة، استبشر المثقفون والفنانون خيراً. المشروع جاء ضمن رؤية طموحة لتحويل العاصمة الاقتصادية إلى قطب ثقافي عالمي، يُعيد للفنون المغربية اعتبارها، ويخلق فضاءً يليق بعاصمة بحجم الدار البيضاء.
لكن ما حصل لاحقاً كان أشبه بمشهد مسرحي عبثي: أشغال انتهت منذ سنوات، أبواب مغلقة، وصمت رسمي يثير الريبة.
صور المسرح من الخارج تبهر العين، بتصميمه العصري الذي يمزج بين الحداثة والهوية المغربية، لكن الداخل ما زال حبيس الغبار، ينتظر افتتاحاً طال انتظاره.
فنانة تتساءل: “إلى متى سنظل نمارس الفن في المقاهي؟”
في حديث مع فنانة مسرحية من أبناء المدينة، عبّرت بحرقة قائلة:
“نحن في الدار البيضاء، المدينة التي أنجبت عمالقة المسرح والسينما، لا نجد فضاءً يليق بعروضنا. المسرح الكبير جاهز، لكن أبوابه مغلقة. أين الخلل؟ من يُحاسب؟”
صوتها لا يمثل رأياً فردياً، بل هو صدى لعشرات الجمعيات الثقافية والمسرحية التي ترى في هذا التأخير إهانة للثقافة المغربية وللإبداع المحلي.
أرقام ومفارقات
المفارقة أن الدار البيضاء تُنفق الملايين سنوياً على مهرجانات ومواسم فنية تُقام في فضاءات مؤقتة، بينما المسرح الدائم المنتهي الأشغال منذ سنوات لم يُفتح بعد.
يُقال إن الأشغال التقنية انتهت بالكامل منذ فترة طويلة، وأن بعض التجهيزات الصوتية والإدارية هي ما تبقى، لكن السؤال الجوهري هو:
> هل يمكن لمدينة بهذا الحجم أن تترك مشروعاً استراتيجياً يختنق في صمت؟
المثقفون في حيرة… والمسؤولون في صمت
منذ سنوات، توالت التساؤلات عبر الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي:
من يملك قرار افتتاح المسرح الكبير؟
هل هناك مشاكل تقنية؟ أم أن السبب إداري؟
ولماذا لا تُصدر الجماعة أو الجهة المسؤولة بلاغاً توضيحياً يضع حداً للتكهنات؟
لكن الغريب أن الرد دائماً غائب، وكأن الموضوع لا يعني أحداً، وكأن الثقافة ليست جزءاً من هوية المدينة وساكنتها.
الدار البيضاء تستحق أكثر
الدار البيضاء ليست فقط أبراجاً ومراكز تجارية وموانئ، بل هي مدينة الفن والموسيقى والمسرح منذ عقود.
منها خرج الرواد الكبار، ومنها أُطلقت الموجات الأولى للأغنية المغربية الحديثة، ومنها انطلقت الفرق المسرحية التي صنعت تاريخ الإبداع الوطني.
فهل يُعقل أن تبقى هذه المدينة العملاقة بدون صرح مسرحي يليق بها؟
هل يُعقل أن تكون طنجة والرباط ومراكش سبّاقة في احتضان فضاءات ثقافية كبرى، بينما الدار البيضاء تُغلق ستارها أمام المبدعين؟
نداء صادق إلى المسؤولين
من هذا المنبر، نرفع عتاباً صريحاً لكل من يهمهم الأمر في وزارة الثقافة، ومجلس المدينة، والجهات المنتخبة:
افتحوا أبواب المسرح الكبير للدار البيضاء.
ليس من أجل الخرسانة والزخرفة، بل من أجل الإنسان، من أجل الفنان، من أجل الروح التي تُنعش المدينة.
الدار البيضاء بحاجة إلى نبض ثقافي يوازي زخمها الاقتصادي، إلى مسرح يحتضن شبابها، إلى منارة تُعيد للمدينة إشعاعها الفني الذي خفت مع مرور السنوات.
رسالة من فنان بيضاوي مجهول إلى المسؤولين
> “سيدي المسؤول…
لا أطلب منصباً ولا وساماً، فقط أطلب باباً يُفتح… باب المسرح الكبير الذي وُلد جميلاً لكنه وُئد في صمت.
تعبنا من العروض في المقاهي والهواء الطلق، تعبنا من انتظار الضوء خلف ستار لا يُرفع.
نحن أبناء الدار البيضاء، نحمل في قلوبنا نبضها، نحلم أن نُسمع العالم صوتها،
لكننا اليوم صرنا نتحدث إلى الجدران بدل الجمهور.
افتحوا المسرح الكبير…
فهناك فنان يُخبئ دموعه وراء ابتسامة، ومخرج يكتب نصه الأخير بلا خشبة،
وجمهور يمر كل يوم أمام الواجهة اللامعة للمبنى ويسأل نفسه:
متى سنصفق من جديد؟
افتحوا المسرح يا من تملكون القرار،
فالفن لا يموت… لكنه يختنق بصمت حين يُغلق عليه الباب.”
خاتمة الأفق المغربي
إن موقع الأفق المغربي، وهو يكتب هذه السطور، لا يفعل ذلك من باب اللوم أو النقد السلبي، بل من منطلق الغيرة الصادقة على مدينة هي عنوان الحداثة المغربية.
نداؤنا ليس موجهاً ضد أحد، بل هو نداء من القلب إلى كل من بيده القرار:
اجعلوا المسرح الكبير رمزاً للحياة، لا للنسيان.
فالمسرح ليس بناية من حجر، بل هو ذاكرة وطن، وروح مدينة، وصوت أمة.
ولن يكتمل مشهد الدار البيضاء إلا حين يُرفع الستار، وتصفق الأيادي من جديد… للفن، للحياة، وللمستقبل.



