بين “عروسة الجبال” و”المرجا الزرقا”.. تأملات سينمائية في البقاء والرؤية والمعنى …

كتب : السبت، 01 نوفمبر 2025 - 4:06 م مجتمع

إعداد ونشر حسن بوسرحان

بقلم : يوسف خليل السباعي

يبدو أن الدورة الثلاثين من مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط قد جمعت فيلمين على طرفي القارة، لكنهما يلتقيان في عمق الرؤية الإنسانية وجمال الطرح السينمائي: الفيلم الإيطالي “Vermiglio” أو “عروسة الجبال” للمخرجة ماورا ديلبيرو، والفيلم المغربي “المرجا الزرقا” لداوود أولاد السيد. ورغم اختلاف الجغرافيا واللغة والبيئة الثقافية، فإن كليهما يقدمان تجربة سينمائية تتأمل في معنى الوجود وسط الغياب، وفي قدرة الإنسان على رؤية العالم بعين داخلية، سواء كان محاطا بثلوج الحرب أو بحرارة الصحراء.
في “عروسة الجبال” تعود ماورا ديلبيرو إلى زمن الحرب العالمية الثانية، إلى قرية جبلية نائية تعيش على إيقاع الفقد والانتظار. هناك، تنسج المخرجة حكاية بسيطة الملامح، لكنها غنية بالدلالات، عن أسرة صغيرة تقاوم آثار الحرب بقدر ما تواجه قسوة الحياة اليومية. يصل جندي شاب إلى القرية، فيقلب توازن العائلة بزواجه من الابنة الكبرى، قبل أن يرحل إلى الجبهة تاركا زوجته حبلى في انتظارٍ عبثي يشبه انتظار غودو. ومن خلال هذه القصة، تبني ديلبيرو فيلمًا للشخصيات لا للأحداث، حيث تتحول كل شخصية – من الأب المتسلط، إلى الأم القوية، إلى الأخت الممزقة بين الإيمان والرغبة – إلى مرآة تعكس هشاشة الإنسان حين يواجه ذاته والعالم. تتعامل المخرجة مع المكان ككائن حيّ، فيتحول الجبل والثلج والحيوان إلى رموزٍ للحياة في استمرارها الهادئ رغم الحرب، وتصبح التفاصيل اليومية – حلب البقرة، نوم الأطفال، إشعال المدفأة – شواهد على إصرار الإنسان على البقاء. أسلوب ديلبيرو البصري المتقشف والحميم، الذي يذكّر بسينما إرمانو أولمي، يجعل من الفيلم مرثية بصرية عن الحب والأمل في زمن الخراب، ويضعه ضمن أبرز الأعمال الأوروبية التي تمزج بين الحس الشعري والواقعية الإنسانية.
أما “المرجا الزرقا” لداوود أولاد السيد، فينقل المشاهد من جبال ترينتينو إلى عمق الصحراء المغربية، حيث يتحول العمى إلى بصيرة، والخيال إلى حقيقة. يحكي الفيلم قصة يوسف، الطفل الكفيف الذي يكتشف العالم من خلال آلة تصوير يهبه إياها جده، لتصبح الكاميرا بوابته إلى ما وراء البصر. ومن خلال هذه الرحلة البسيطة نحو “المرجا الزرقا”، يصوغ داوود أولاد السيد تأملا فلسفيا في الرؤية والمعنى، وفي العلاقة بين الصورة وما تخفيه، بين الحقيقة والوهم، بين المبصر والأعمى. هنا، لا تقدّم الصحراء كخلفية جغرافية، بل كفضاء ميتافيزيقي، تتماهى فيه الرمال مع الأسئلة، وتتحول كل لقطة إلى مرآة تعكس الصمت والغياب والدهشة الأولى. عند الوصول إلى “المرجا الزرقا”، يعيش الجد خيبة النظر أمام الفراغ، بينما يرى يوسف – الكفيف – المعنى في ما لا يرى، فيتحقق قلب الأدوار: من يرى فعلا؟ ومن يعيش في العمى؟ بهذا المنحى، يواصل داوود أولاد السيد ما يسميه الناقد حمادي كيروم “سينما رفاهية المعنى”، حيث الجمال في القلة، والعمق في الصمت، والمعنى في الفراغ. إنها سينما الاختزال التي تتغذى على الشعرية البصرية والفلسفة التأملية، وتمنح للمشهد الواحد أفقًا من الدلالات.
يجتمع الفيلمان في رؤيتهما للسينما كفن للتأمل لا للحكاية، وللصورة كوسيلة لفهم الوجود لا لتوثيقه. فـ“عروسة الجبال” تتأمل في بقاء الإنسان وسط الدمار، بينما “المرجا الزرقا” تتأمل في الرؤية وسط العمى، وفي البحث عن اللامرئي الذي يسكننا. الأولى تبحث عن الدفء في الثلج، والثانية تبحث عن الضوء في العتمة، وكلاهما يقدمان درسا في إنسانية الصورة، في قدرتها على ملامسة الجوهر بعيدا عن الضجيج. في النهاية، يبدو أن ماورا ديلبيرو وداوود أولاد السيد، كل بلغته وجغرافيته، يكتبان بالفيلم قصيدة عن الإنسان حين يقف بين الوجود والعدم، بين ما يراه وما يشعر به، في رحلة لا تنتهي نحو اكتشاف الذات والعالم…..

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :