إعداد ونشر حسن بوسرحان…
قلم : اللجنة الإعلامية للمهرجان
الأستاذة ليلى بوشمامة
الأستاذ خضير الرميثي
يحيى السماوي… اسمٌ يشبه جرسًا خرج من ضفاف الفرات، فيه من رهافة الماء ما يبلّل الروح، وفيه من صلابة النخل ما يجعل القصيدة تنتصب ككلمة لا تعرف الانحناء. وُلِدَ في السماوة، مدينةٍ تكبر في الصمت كأنها تتكئ على لهاث الصحراء وهمس النهر، مدينةٍ منحت طفلها الأول نبوغًا مبكرًا في الإصغاء: إصغاءٌ للرياح، للغيم، لخطوات الفقراء، ولحزن الجنوب الذي يتوارثه الناس جيلاً بعد جيل.
كبر السماوي على أبواب بغداد، ودرس الأدب العربي في جامعاتها، لكنّ معمله الحقيقي كان الحياة نفسها؛ كلّ جرحٍ شاعر، وكل حكاية تنهيدة، وكلّ موسمٍ من مواسم العراق صفحةٌ يكتب عليها العالم بمداد لا يمّحي. كانت القصيدة تنمو في داخله كما ينمو الضوء: تبدأ همسة، ثم تتحوّل إلى شرارة، ثم تغدو نارًا تُنضج اللغة وتُعيد تشكيل ملامح الوجدان.
ومع اضطراب الزمن، حين صار الوطن حقل امتحانٍ لا ينجو منه أحد، وجد الشاعر نفسه على عتبات الرحيل. خرج في أواخر التسعينات نحو أستراليا، لا خروج المغضوب على زمنه، بل خروج المُطارَد بوجعه، الباحث عن نافذة يتنفس منها كي لا يُطفئ الألم صوته. كان المنفى طريقًا طويلًا، غريبًا، والذكريات على كتفيه تسير معه كقافلةٍ لا تتوقّف.
ورغم المسافات، بقي العراق مقيمًا في دمه، يظهر في قصائده كلما تحرك الحنين، وكلما انفتح جرحٌ قديم. صار الوطن ظلًّا طويلًا يرافقه حيثما سار، وصارت القصيدة وسيلته لاستعادة ما فقده: روح البيت، رائحة الخبز، دفء الأمسيات القديمة، وصوت الأرض حين تعود إلى نفسها بعد المطر.
كتب في غربته كمن يعيد بناء ذاكرة كاملة: يعيد للحب شمسه، وللأم حنانها، وللمدينة صورتها الأولى. كلّ نصّ في تجربته يفتح بابًا نحو دهشة جديدة، نحو أنينٍ يتبدل من وجع إلى نجاة، ومن انكسار إلى شموخ. لغته نبع صافٍ، تخرج منه الصورة كأنها طينٌ يتشكّل، أو ضوءٌ ينحني ليُضيء ما استعصى على البصيرة.
ومع توالي دواوينه، توطدت مكانته في المشهد الشعري العربي بوصفه شاعرًا امتلك القدرة على أن يحوّل المنفى إلى وطن موازٍ، وأن يجعل من القصيدة بيتًا يسكنه كلّ مَن ضاقت به الحياة. ناقدوه يعترفون بحضوره القوي، وقراؤه يجدون فيه صديقًا يشاركهم جراحهم، ويُهديهم من لغته ما يشبه يداً تُمسك بأيديهم وسط العتمة.
يحيى السماوي …
شاعرٌ يشبه نهرًا لا يتوقف، يواصل جريانه حتى حين تُغلق الجغرافيا أبوابها.
شاعرٌ يفتح في كل قصيدة نافذةً جديدة على سماءٍ لم تغادره.
شاعرٌ يخلّد العراق في الحرف، ويخلّد الحرف في القلوب.
هو الصوت الذي حمل وطنه من السماوة إلى أقاصي الأرض، وظلّ في كل خطوة يثبت أنّ الذاكرة حين تكون صادقة… تتحول إلى شعرٍ لا يشيخ …


