” ستار الدليمي ” نبض الحروف وشمس الوطن ……

كتب : الثلاثاء، 09 ديسمبر 2025 - 11:42 ص مجتمع

بقلم : اللجنة الإعلامية
ليلى بوشمامة / خضير الرميثي
اعداد للنشر حسن بوسرحان..
شاعر جاء من أرض تعرف كيف تصنع رجالها من الطين والماء والنار ،ومن ذاكرة تتوارث الشعر كما تتوارث الأم أبناءها. يمشي في الساحة الثقافية بخطوات شاعر يدرك أن الكلمة ليست زينة، بل جسر تمتد عليه الأرواح لتصل إلى بعضها.

ولد ليكون قريبا من الناس،
فقاده القدر أولا إلى المهنة التي تضع يدها على نبض الإنسان، مساعد طبي يرى الألم عن قرب..
ويرى في وجه كل مريض قصيدة لم تكتب بعد.
ومن تلك الممرات البيضاء خرج شاعرا يعرف أن القصيدة
ليست رفاهية، بل شريان حياة.
حين دخل عالم الإعلام،
أصبحت الشاشة نافذة لصوته، وصارت الميكروفونات الصغيرة أجنحة تحمل كلماته نحو البيوت البعيدة.
قدم برامج الشعر في التلفزيون والإذاعة العراقية كمن يفتح بابا لليل كثيف، كي تمر منه القصيدة كنسمة، وتصل إلى الناس في لحظة صدق لا تتكرر.
كان صوته في تلك البرامج أشبه بإنشاد قديم، يجمع بين حرارة الجنوب،
وثقل التاريخ،
وحنين وطن يكتب أبناءه كل يوم بحبر آخر…
وفي مجلة فيض الكوثر،
جلس أمام صفحة الأدب الشعبي كحارس لتاريخ الحروف، ينقب في النصوص،
يرتب أوزانها، ويعيد لها جرسها الذي يعيد السامع إلى جذوره الأولى.
ثم انتقل إلى جريدة أنوار الغري سكرتير تحرير،
يحمل على كتفيه عبء ترتيب الكلمات كما يحمل الراعي قطيعه وقت الفجر، يضع كل حرف في مكانه حتى تنهض الصفحة كصلاة مكتوبة.
ولم يكن المسرح أقل عشقا له،
فقد حمل قصيدته إلى المهرجانات، من العراق إلى تونس، ومن سوريا ولبنان،
إلى مصر والسعودية وسلطنة عمان والأردن…
هناك، حيث تقف القصيدة أمام جمهور لا يعرفه، كان ستار يتقدم بثبات، يحمل في صوته رائحة نخيل العراق،
وفي كلماته امتداد أفق يشبه دجلة حين يفيض.
كانت مشاركاته سفارات شعرية، تعبر الحدود بلا جواز، لأن الشعر وحده يمتلك صلاحية المرور الدائم.

ومثلما عرفه الجمهور شاعرا مسافرا عبر المهرجانات، عرفته المؤسسات الثقافية رمزا للحمة الوطنية، فتوج بلقب سفير الوحدة الوطنية، لقب يليق برجل يعرف أن الأوطان تبنى بالكلمة الصادقة قبل أن تبنى بالحجارة.
وحين أجرت مؤسسة أراي الثقافية استطلاعها عام 2022، اختارته الأفضل، كأنها شهادة تقول:
“هذا الرجل يعرف كيف يكتب،
ويعرف كيف يكون صدى لصوت الناس، وصوتا للجمال حين يغيب.”

وترأس ستار الدليمي العديد من لجان التحكيم في المسابقات الشعرية، واقفا أمام النصوص كخبير بالنبرة والإيقاع، كمتذوق يحفظ أسرار البيت الشعري كما يحفظ الطبيب أسرار الجسد.
كان حكمه ميزانا لا يميل،
ورؤيته نافذة تظهر ما خفي على غيره.
ستار الدليمي…
ليس مجرد شاعر، ولا إعلامي، ولا طبيب ظل قريبا من وجع الناس؛ هو رجل صنع له مسارا خاصا، تمشي فيه الكلمة إلى جانب القلب، ويمشي فيه الإبداع إلى جانب الواجب، كأن حياته قصيدة طويلة تتسع لكل من يمر بها.
هو ابن الشعر،
وابن المواقف،
وابن اللحظة التي يولد فيها البيت كما يولد طفل ينتظر اسمه.
ومن هذا الامتزاج انبثقت تجربته التي تركت أثرها
في الإذاعة،
وفي المنصات،
وفي الصحافة،
وفي عيون الجمهور الذي وجد في صوته صدى وطن كامل.
حين يقرأ، يصعد بالكلمة درجات من نور، وحين يكتب، يترك في الورق أثرا يشبه البصمة، كأن القصيدة لا تكتمل إلا إذا عبرت من يديه.
هو ذا شاعر العراق،
صاحب القلب الذي لا يعرف إلا الإخلاص، وصاحب الصوت الذي يتقدم بهدوء، لكن يظل طويلا في ذاكرة السامعين.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :