قراءة نقدية لرواية “أن يتأرجح بك” للكاتبة كاميليا عبد الفتاح /// رواية الحيرة والبحث عن الحب في مرايا الذات المتكسّرة

كتب : الأربعاء، 17 ديسمبر 2025 - 1:24 ص مجتمع

بقلم : سيد محمد عوض

قراءة نقدية لرواية “أن يتأرجح بك” للكاتبة كاميليا عبد الفتاح

في روايتها “أن يتأرجح بك” ، تواصل الكاتبة والأكاديمية المصرية كاميليا عبد الفتاح مشروعها السردي الذي يتقاطع فيه الأدب مع علم النفس، واللغة مع الذاكرة، لتقدّم نصًا روائيًا مشحونًا بالتوترات العاطفية والوجودية، حيث تتأرجح البطلة “ليلى” بين عالمين، ومكانين، ووالدين، في رحلة بحث مضنية عن الحب والاستقرار والذات.

العنوان ليس مجرد استعارة عاطفية، بل مفتاح تأويلي لفهم الرواية بأكملها. فالتأرجح هنا لا يعني فقط التردد بين خيارين، بل هو حالة دائمة من اللايقين ، تعيشها البطلة منذ طفولتها، نتيجة انقسام الأسرة، وتضارب القيم، وتعدد الأمكنة. هذا التأرجح يتحوّل إلى بنية سردية، حيث تتنقل الرواية بين الأزمنة والأماكن، وتُبنى على إيقاع داخلي متوتر، يعكس اضطراب البطلة.

تكتب كاميليا عبد الفتاح بلغة شعرية رائقة، مشبعة بالصور والاستعارات، دون أن تفقد تماسها مع الواقع. الجمل قصيرة، مكثفة، تنبض بإيقاع داخلي، وتُحاكي تدفق الوعي. هذا الأسلوب يمنح الرواية طابعًا تأمليًا، ويجعل القارئ شريكًا في التجربة النفسية للبطلة، لا مجرد متلقٍ للأحداث.

الشخصيات في الرواية ليست نماذج خارجية بقدر ما هي انعكاسات داخلية لصراعات البطلة. فالأب والأم ليسا مجرد والدين، بل يمثلان قطبي التوتر بين الحنان والخذلان، بين الحضور والغياب. حتى الأشياء اليومية – مثل تمثال الأرنب أو باعة الورد – تتحوّل إلى رموز مشحونة بالمعنى، تعكس هشاشة الروح وتوقها للطمأنينة.

رغم الطابع الشخصي للرواية، إلا أنها تنطوي على نقد اجتماعي ناعم ، يتسلل من خلال التفاصيل: عن الأسرة، والسلطة الأبوية، والاغتراب، والبحث عن الحب في عالم متشظٍ. لا تصرخ الرواية، لكنها تهمس بأسئلة مؤلمة عن الهوية، والانتماء، والحرية.

حازت الرواية على جائزة أبو القاسم الشابي للرواية لعام 2025 ، وهو تتويج مستحق لعمل أدبي يتسم بالبناء الفني المتماسك، والعمق النفسي، واللغة الرفيعة. وقد أشادت لجنة التحكيم بقدرة الكاتبة على تحويل التأرجح العاطفي إلى رمز دقيق للحيرة الإنسانية ، في سردية تنبض بالحياة والتفاصيل.

“أن يتأرجح بك” ليست فقط رواية عن فتاة تبحث عن الحب، بل عن إنسان يبحث عن توازنه في عالم متصدّع. بأسلوبها الرقيق والعميق، تكتب كاميليا عبد الفتاح نصًا يلامس القارئ في أعمق نقاطه، ويؤكد أن الرواية لا تزال قادرة على أن تكون مرآة للروح، ومختبرًا للمعنى.

لمن يبحث عن أدب يزاوج بين الصدق النفسي والعمق الفني ، فإن هذه الرواية تمثّل تجربة تستحق القراءة والتأمل.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :