قلادة ياسمين حين تتقاطع الذاكرة الفلسطينية مع ضمير الآخر في سردية إنسانية عابرة للحدود ..

كتب : الأربعاء، 17 ديسمبر 2025 - 1:28 ص مجتمع

قلم : سمر معروف
إعداد للنشر حسن بوسرحان…
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي..
في روايته “قلادة ياسمين”، يقدّم الكاتب عامر أنور سلطان عملاً سرديًا غنيًا بالتاريخ والرمزية، يدمج فيه بين الذاكرة الفلسطينية الجمعية والتجربة الفردية لشخصية غربية، في محاولة جريئة لإعادة طرح القضية الفلسطينية من زاوية إنسانية وفكرية تتجاوز الخطاب التقليدي.

وتدور الرواية حول شخصية “جورج”، الشاب البريطاني الذي يسافر إلى فلسطين، حاملاً إرثًا استعماريًا ثقيلًا يتمثل في جده الذي شارك في الجرائم البريطانية بحق الفلسطينيين، ومنها قتل زوج “ياسمين” وسرقة قلادتها. لكن جورج لا يأتي كمستعمر جديد، بل كضمير حيّ يحاول التكفير عن ماضٍ لم يصنعه. هذا التوتر بين الإرث والنية يشكّل العمود الفقري للرواية، ويمنحها بعدًا فلسفيًا عميقًا حول الهوية، والعدالة، والاعتراف.

وتُستخدم “القلادة” في الرواية كرمز مركزي، لا بوصفها قطعة أثرية فحسب، بل كـ حامل للذاكرة الفلسطينية ، وكتجسيد ملموس للظلم والاستلاب. إنها ليست مجرد مفقود مادي، بل استعارة عن وطن مسروق، وتاريخ مُشوَّه، وحقّ يُراد استرداده. من خلال سعي جورج لإعادة القلادة، تنفتح الرواية على أسئلة المصالحة والاعتراف والعدالة التاريخية.

كما يمتاز النص ببنية سردية مرنة، تتنقل بين الزمنين الماضي والحاضر، وبين الفضاءين الفلسطيني والغربي ، ما يمنح الرواية طابعًا كونيًا. كما أن الكاتب ينجح في تقديم صورة مركبة للغرب: فهو ليس كتلة استعمارية صماء، بل فضاء تتصارع فيه القيم، وتنبثق منه أصوات ناقدة، مثل جورج، الذي يُقتل لاحقًا في السجن، في إشارة إلى قمع الحقيقة حتى داخل المجتمعات التي تدّعي الحرية.

فالرواية لا تكتفي بتوثيق المأساة الفلسطينية، بل تسعى إلى تفكيك الخطاب الاستعماري ، وتعرية ازدواجية المعايير الغربية. ومع ذلك، لا تسقط في فخ التعميم أو الكراهية، بل تفتح نافذة على إمكانية التلاقي بين الشعوب ، حين يُعاد تعريف العلاقة بين الضحية والجلاد على أساس الاعتراف والعدالة.

“قلادة ياسمين” ليست مجرد رواية عن فلسطين، بل هي رواية عن الضمير الإنساني حين يصطدم بالتاريخ. بأسلوب سردي رشيق، وشخصيات نابضة، ورمزية عميقة، ينجح عامر أنور سلطان في تقديم عمل أدبي يزاوج بين الوعي السياسي والعمق الإنساني ، ويؤكد أن الأدب قادر على أن يكون مساحة للشفاء، لا للانقسام.

لمن يبحث عن رواية تُعيد طرح القضية الفلسطينية بلغة جديدة، وتفتح حوارًا بين الشرق والغرب، فإن _قلادة ياسمين_ تقدم تجربة سردية تستحق القراءة والتأمل …

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :