حين يكتب الزجلُ سيرةَ الروح ” يونس تهوش “، شاعرٌ يعبر الأزمنة على صهوة الحرف

كتب : الجمعة، 19 ديسمبر 2025 - 2:44 م مجتمع

بقلم : حسن بوسرحان
إعداد للنشر حسن بوسرحان….
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي…
في زقاقٍ مغربيٍّ قديم، حيث تتعانق رائحة الخبز الطازج مع نغمات العيطة، وتهتزّ جدران البيوت على وقع دفوف الزوايا، وُلد يونس تهوش. لم يكن مولده حدثًا عابرًا في دفتر الأيام، بل كان بداية لرحلة شاعرٍ سيحمل الزجل على كتفيه كما يحمل الدراويش خرقة الوجد، ويطوف بها في أسواق الحرف، ومواسم الشعر، ومقامات التصوف.

لم يكن يونس طفلًا يلهو كغيره، بل كان مأخوذًا بسحر الكلمات، يلتقطها من أفواه الجدات، ومن أناشيد الحقول، ومن صمت الأزقة. كان يرى في كل حجر قصيدة، وفي كل ظلّ حكاية، وفي كل تنهيدة بيتًا زجليًا ينتظر أن يُكتب.

مرت السنوات، وكبر الفتى، لكن الطفل الذي يسكنه لم يكبر. ظلّ يركض خلف الحروف، يطاردها كما يطارد العاشق طيف حبيبته. وفي عام 2011، أطلّ على العالم بديوانه الأول، “مكب الحروف” ، وكأنّه يقول: “ها أنا ذا، أجمع ما نسيه الآخرون، وأصنع منه مجد الزجل”. ومن هناك، بدأت الرحلة.

في “للحلمة وترة سادسة” ، كتب كما لو أنه يعزف على وترٍ لا يسمعه إلا من عاش الحلم حدّ الوجع. وفي “الجايين من المستقبل” ، لم يكن مجرد شاعر، بل نبيّ زجلٍ يبشّر بعصر جديد، حيث القصيدة لا تُقرأ فقط، بل تُعاش. أما في “ويكاند”، فقد تقاسم الحرف مع رفاق الدرب، لأن الشعر عنده ليس ملكية فردية، بل طقس جماعي، ومائدة مفتوحة على المحبة.

لكن يونس لم يكن شاعرًا فقط، بل كان باحثًا يغوص في أعماق التراث، يفتّش في معاجم التصوف، ويستنطق الملحون، ويعيد رسم خرائط الهوية. في مقاله “معجم التصوف الطرقي في الملحون المغربي” ، لم يكتب دراسة أكاديمية فحسب، بل كتب سيرة وطنٍ يتنفس من رئة الروح، ويعيش على إيقاع الحضرة.

في الندوات، كان صوته هادئًا، لكن كلماته كانت تزلزل القاعات. تحدّث عن دينامية التخييل ، وعن المشترك الجيوثقافي بين الزجل المغربي والجزائري ، وعن رهانات التجريب في الزجل الصوفي ، وكأنه ينسج خريطة جديدة للقصيدة، لا تعترف بالحدود، ولا تخشى المجهول.

ولأن الشعر لا يعرف لغة واحدة، فقد عبرت قصائده البحر، وترجمت إلى الإسبانية في “أنطولوجية الزجل المغربي الحديث” ، لتصل إلى قرّاء جامعة إشبيلية، وتقول لهم: “هذا المغرب الذي لا تعرفونه، يسكنه شعراء يكتبون بالدارجة، لكنهم يحلمون بلغة كونية”.

وفي عام 2025، أطلق ديوانه الأحدث “لحن كناوي ضاع فْ-ضجيج تيك توك” ، ديوانٌ يصرخ في وجه العولمة الرقمية، ويذكّرنا بأنّ هناك موسيقى تنبع من الروح، لا من الخوارزميات. وكأنّه يصرّ على أن الزجل، رغم كل شيء، لا يزال قادرًا على أن يكون مرآة للزمن، وجرسًا يوقظ الذاكرة.

يونس تهوش ليس شاعرًا عابرًا، بل هو حارس الزجل ، وراوي الحلم المغربي، وباحثٌ في ما وراء الكلمات. في حضرته، يصبح الشعر طقسًا، والقصيدة مقامًا، والحرفُ دربًا نحو الذات…..

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :