من الهامش إلى قلب السرد ” سعيد أوعبو ” حين يتحوّل النقد إلى مشروع حياة

كتب : الجمعة، 19 ديسمبر 2025 - 2:00 م مجتمع

قلم : حسن بوسرحان

في زمنٍ تتسارع فيه الحكايات وتتشظى المعاني، وُلد سعيد أوعبو سنة 1993، لا ليكون مجرد قارئ عابر في مكتبة الحياة، بل ليصير أحد الذين يعيدون ترتيب الرفوف، ويطرحون الأسئلة الصعبة على النصوص، ويعيدون تشكيل الوعي من خلال السرد.

شاب مغربي، أستاذ وباحث في السرديات، ينتمي إلى جامعة محمد الخامس بالرباط، لكنه لا يكتفي بالانتماء الأكاديمي، بل يتجاوزه إلى الانخراط الفعلي في الحقل الثقافي، ناقدًا، كاتبًا، ومحاورًا. سعيد ليس من أولئك الذين يكتفون بتكرار ما قيل، بل هو من أولئك الذين يغامرون في مناطق غير مطروقة، يكتبون على الهامش ليعيدوا تعريف المركز.

وفي عام 2023، خطف الأضواء بفوزه بجائزة كتارا في صنف الدراسات النقدية، عن عمله “في ثقافة الرواية العربية المعاصرة”، وهو كتاب لا يكتفي بتحليل النصوص، بل يفتح نوافذ على أسئلة التمثيل والقصديّة، ويقترح قراءة جديدة للكتابة الروائية بوصفها فعلًا ثقافيًا مركّبًا.

ولكن هذا لم يكن سوى البداية. ففي عام 2024، أصدر كتابين نقديين آخرين:

– “نظرية السرد في الخطاب النقدي العربي”، حيث يقارن بين مدرستين نقديتين بارزتين، ويغوص في التعدد والانحياز داخل الخطاب النقدي العربي.
– و”السرديات والفهم المزدوج”، الذي يرصد التحولات في النقد المغربي من الأدبي إلى الإنساني، في مقاربة تنبض بالأسئلة وتستشرف المستقبل.

ورغم انشغاله بالنقد، لم يتخلَّ سعيد عن شغفه بالسرد الإبداعي. كتب روايتين:

– “أن تكون هامشيًا” (2022)، رواية تضع الهامش في قلب السرد، وتعيد الاعتبار لما يُقصى ويُهمّش.
– “توأم آدم” (2023)، عمل روائي يستنطق الهوية والاختلاف، ويعيد تشكيل الإنسان في مرآة السرد.

فهو ليس فقط كاتبًا، بل هو أيضًا مساهم نشيط في المشهد الثقافي العربي. شارك في كتب جماعية علمية، وكتب مقالات نقدية في مجلات مرموقة مثل “تبيّن”، “المناهل”، “الفلق”، “الرافد”، و”مؤمنون بلا حدود”. في كل مقال، يطرح سؤالًا جديدًا، ويفكك خطابًا، ويعيد تركيب المعنى.

ومن “تفكيك الذكورية المشرقية”، إلى “سؤال المنفى”، ومن “التمثيل السردي” إلى “اللاهوت والثقافة”، تتنوع موضوعاته، لكنها تلتقي في نقطة واحدة: الإيمان بأن النقد ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة لفهم الذات والعالم.

ولأن المعرفة لا تكتمل إلا بالحوار، كان سعيد حاضرًا في ندوات علمية من مراكش إلى القنيطرة، ومن الدار البيضاء إلى الرباط. في كل ندوة، كان صوته يحمل مشروعًا، لا مجرد ورقة بحث. كان يطرح أسئلة تتجاوز اللحظة، وتستشرف ما بعد النص، ما بعد النظرية، ما بعد النقد.

فهو سعيد أوعبو هو جيل جديد من النقاد الذين لا يكتفون بالتحليل، بل يصنعون من النقد أفقًا للتفكير، ومن السرد أداة لفهم الإنسان. هو ابن زمنه، لكنه لا ينجرّ وراءه، بل يوقفه ليسأله: “إلى أين؟”، ويكتب ليقول: “هكذا أفهم العالم”.

وفي زمن السرعة، يختار سعيد التمهّل. في زمن الضجيج، يكتب بهدوء. وفي زمن التكرار، يغامر بالجديد. وبين النقد والإبداع، بين الجامعة والمجلات، بين الندوات والكتب، يواصل سعيد حفره في النصوص، باحثًا عن المعنى، عن الإنسان، عن الحكاية التي لم تُروَ بعد.

وهكذا، لا تنتهي الحكاية، بل تبدأ من جديد، مع كل كتاب، مع كل فكرة، مع كل سؤال….

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :