بقلم : حسن بوسرحان
الموقع الإليكتروني الأفق المغربي..
في قريةٍ مغربيةٍ تنام على كتف الأطلس وتستيقظ على همس الزرابي وألوان النحاس، وُلدت حكاية فطومة أبوزيا. لم تكن طفولتها كغيرها من الأطفال، فقد كانت تنمو بين الألوان والأنامل التي تحيك الجمال، في حضن جدتها الرسامة، تلك المرأة التي تعلمت الرسم في مدارس المستعمر الفرنسي، لكنها لم ترسم للفرنسيين، بل رسمت لسوس، لأوانيها النحاسية، لبيوتها الطينية، ولذاكرتها التي كانت تفيض فناً.
حيث كانت الجدة ترسم الطبيعة الميتة، لكنها كانت تبث فيها الحياة. كانت الأواني النحاسية في لوحاتها تلمع كأنها خرجت للتو من نار الحداد، والزهور اليابسة كانت تتفتح من جديد على سطح القماش. لكن الزمن، كعادته، لم يكن رحيماً. ضاعت تلك اللوحات، تآكلتها الرطوبة، أو أُهملت في زوايا النسيان، وكأن الفن لا قيمة له حين لا يُؤرَّخ.
ولكن فطومة، الحفيدة، لم تنسَ. كانت تراقب جدتها وهي تمزج الألوان، وتتعلم منها كيف تُطرّز الحياة بخيوط الصبر. تعلمت فن الزخرفة، ونسج الزرابي، والطرز الرباطي، حتى غدت يداها مرآة لذاكرة نساء سوس. لم يكن الفن عندها هواية، بل ميراثًا، ووصيةً، ورسالة.
فقد دخلت فطومة مؤسسة التعاون الوطني، لا كموظفة، بل كمعلمة تنقل ما ورثته من الجدة إلى فتياتٍ يبحثن عن نافذةٍ للحلم. كانت تعلمهن كيف يُمكن للإبرة أن تكتب قصيدة، وللخيط أن يرسم وطنًا.
ولكن الحياة، كما تُعطي، تأخذ. في سن السابعة والستين، رحل رفيق دربها، وترك فراغًا لا يُملأ. الأبناء كبروا، وغادروا إلى بيوتهم، وبقيت هي وحدها، إلا من الفرشاة، والألوان، وذكريات الجدة. لم تستسلم للوحدة، بل جعلت منها رفيقة، وبدأت ترسم. كانت لوحاتها تنبض بالحياة، كأنها تعويض عن الأرواح التي غادرت.
وفي لوحاتها، حضرت “ديهيا” الملكة الأمازيغية التي قاومت الغزاة كرمزٍ للمرأة الحرة، القوية، المتجذرة في الأرض. لم تكن ديهيا مجرد شخصية تاريخية، بل كانت مرآة لفطومة نفسها، ولنساء كثيرات يشبهنها: نساء تجاوزن الجبال، لا ليهربن، بل ليصعدن نحو الحرية.
كما تقول فطومة “أنا أرسم حرية المرأة، أرسمها وهي تتجاوز حواجز الحياة الشبيهة بالجبال، إلى عالم الحرية”. لكنها لا تقصد الحرية بمعناها السياسي أو الاجتماعي فقط، بل حرية الروح في خريف العمر، حين تتحرر المرأة من أعباء التربية، ومن صخب الحياة الزوجية، وتعود إلى ذاتها، إلى حقيقتها، إلى الفن.
وفي عام 2025، شاركت فطومة أبوزيا في ملتقى السلام الدولي الذي نظمه اتحاد الفنانين التشكيليين المغاربة في دورته الرابعة عشرة. هناك، لم تكن مجرد مشاركة، بل كانت شاهدة على أن الفن لا يعرف عمرًا، وأن الريشة لا تهرم، بل تزداد حكمة.
فلوحات فطومة ليست مجرد ألوان على قماش، بل هي حكايات تُروى، وذاكرة تُستعاد، وصرخة تُطلق من قلب امرأة عرفت كيف تحوّل الحزن إلى جمال، والغياب إلى حضور، والوحدة إلى إبداع.
و ختاما فإن فطومة أبوزيا، فنانة لا ترسم لتُبهر، بل لترمم، وتُداوي، وتُحيي. فنانة جعلت من الفن بيتًا، ومن اللوحة وطنًا، ومن الألوان حياةً ثانية تبدأ حين يظن الجميع أن الحياة قد انتهت …


