بقلم : حسن بوسرحان ….
الموقع الإليكتروني الأفق المغربي..
في زمنٍ تتسارع فيه الحكايات وتتهاوى المعاني تحت وطأة التكرار، تخرج من المغرب قاصة شابة تُدعى ” هدى الشماشي ” ، تحمل في قلمها ما يشبه الشعلة، تمضي بها في دروب السرد لتضيء زوايا معتمة من الذاكرة، وتوقظ أسئلةً نائمة في وجدان القارئ. ليست هدى مجرد كاتبة، بل هي صوتٌ جديد في القصة المغربية المعاصرة، يكتب من الداخل، من هشاشة الإنسان، ومن صراعه مع الحياة والموت، الأمل والانكسار، الحلم والخذلان.
برز اسم هدى الشماشي بقوة بعد فوزها بجائزة سرد الذهب سنة 2023 عن قصتها المؤثرة “مرثية العطر والبحر” ، التي استوحتها من حديث عابر بين تلاميذها الصغار عن الهجرة السرية. لم تكن القصة مجرد سرد لحكاية مأساوية، بل كانت مرآةً تعكس قلق جيلٍ بأكمله، يتأرجح بين الحلم بالعبور والخوف من الغرق، بين رائحة العطر التي ترمز للحياة، والبحر الذي يبتلع الأحلام.
ثم جاءت مجموعتها القصصية “لعبة القفز من النافذة” ، الصادرة عن “الآن ناشرون وموزعون” بالأردن، لتؤكد أن هدى ليست عابرة في المشهد السردي، بل مقيمة فيه. تضم المجموعة 29 قصة، تتنوع مواضيعها بين المعاناة الوجودية، والقلق الإنساني، والبحث عن المعنى. لكنها جميعًا تشترك في خيطٍ رفيع من الأمل، حتى وإن بدا خافتًا، كضوءٍ يتسلل من شقوق الجدران.
وفي قصصها، لا تكتفي هدى الشماشي بسرد الوقائع، بل تُعيد تشكيلها، تُفككها، وتعيد تركيبها بأسلوبٍ يمزج بين البساطة والعمق، وبين الشاعرية والصرامة. شخصياتها ليست نماذج جاهزة، بل كائنات حية، تتنفس، تتألم، وتبحث عن خلاصها في عوالم متصدعة. تقول في إحدى قصصها: _”هذه حكاية عن الأمل”_ ، لكنها لا تمنح القارئ هذا الأمل بسهولة، بل تضعه في مواجهة مع هشاشته، وتدعوه ليصنع أمله بنفسه.
حيث تنتمي هدى الشماشي إلى جيلٍ من الكاتبات المغربيات اللواتي يعيدن تشكيل أفق السرد، ويكسرن القوالب الجاهزة. في حواراتها، تتحدث عن الكتابة بوصفها “فعلًا يوميًا، يشبه التنفس، لكنه أكثر وعيًا”. وهي ترى أن القصة القصيرة ليست مجرد تمرين لغوي، بل مساحة للانصات إلى ما لا يُقال، وللإفصاح عن المسكوت عنه.
كما لم يكن فوزها بجائزة سرد الذهب مجرد تتويج، بل كان اعترافًا بمشروعٍ سرديٍّ يتبلور بثقة. وقد عبّرت هدى عن اعتزازها بهذا التقدير، خاصة وأن لجنة التحكيم ضمّت أسماء بارزة في سماء الأدب العربي. لكنها، رغم ذلك، لا تتوقف عند الجوائز، بل تواصل الكتابة كمن يحفر في صخر الذاكرة، ويبحث عن نبعٍ جديد في كل قصة.
و ختاما فإن هدى الشماشي تكتب من مكانٍ عميق، حيث تتقاطع التجربة الشخصية مع الهمّ الجمعي، وحيث تتحول القصة إلى مرآةٍ للذات، ونافذةٍ على العالم. في زمنٍ يضجّ بالضجيج، تأتي قصصها كهمسٍ صادق، يربك اليقين، ويوقظ الأسئلة.
إنها قاصة تعرف أن الحكاية ليست نهاية، بل بداية. وأن القفز من النافذة، كما في عنوان مجموعتها، ليس سقوطًا، بل تحليقٌ نحو أفقٍ جديد، حيث تُكتب الحياة من جديد، بكلماتٍ أقل، لكنها أعمق …..


