بقلم: الفنانة التشكيلية والشاعرة هناء ميكو Hanae Mikou
اعداد للنشر حسن بوسرحان….
الموقع الإليكتروني الأفق المغربي
أنا ابن الفقد،
أحمل في عروقي خيوط الريح،
وفي راحتي أشلاء الذكريات،
أقرأ ما بين السطور،
وأكتب على الجسد ما لا يكتب على الورق،
النهار ينام عند قدميّ،
والليل يهمس بما لم يأتِ بعد.
هنا تبدأ الرحلة، رحلة بين الصمت والعشق والمعرفة،
بين الداخل الذي يبحث عن ذاته،
والخارج الذي لا يفهم إلا ما يُسقطه الضوء،
هناك، حيث تتكلم الروح بلغة لا يعرفها أحد، ينتظر الصوت الذي سيحوّل الكلمات إلى وشمٍ خالد على الزمن.
أحمد الشهاوي، ابن أرض الكنانة، وابن الصمت، وابن الإشارة .
والرمز، وابن الفراغ الممتلئ، وابن الشك الباحث عن اليقين
شاعر وكاتب وصحفي وروائي، وُلد في دمياط يوم 12 نوفمبر 1960، وعاش طفولته بين ضفاف النيل وقريته «كفر المياسرة»، حيث حفر في روحه حبُّ الكلمة منذ الصغر. ثم انتقل إلى «الزرقا» ليكمل دراسته، قبل أن يكتشف شغفه الصحفي في جامعة أسيوط، حيث أسهم في تأسيس جريدة «صوت سوهاج» وكان رئيس قسمها الثقافي، مسافراً عبر حروفه بين الواقع والخيال، بين الصمت والضوء.
خلال خدمته العسكرية في الجيش المصري (1984)، ومع مرور الأيام على أوراق الأهرام، شقت روح الشهاوي طريقها إلى الشعر والصوفية، متأثراً بنشأته في بيت أزهري صوفي وبالطريقة الشاذلية، حيث صارت اللغة عنده كائنًا حيًّا، يتنفس، يصمت، ويومئ. «أنا ابن الفقد وابن الصمت، وابن الإشارة والرمز»، هكذا يعرّف نفسه، والفقد المبكر والسفر كانا مدرسة الروح واللغة.
صدر أول ديوانه «ركعتان للعشق» عام 1988، ثم «الأحاديث (السفر الأول)» عام 1991، وصولًا إلى ديوانه الصوفي «كتاب الموت»، حيث تحوّل النص إلى طقس صلاة، واللغة إلى مرآة الروح، والنهود إلى مفاتيح للشطح والمعرفة. وقد ترجمت أعماله إلى الإسبانية، والتركية، والفرنسية، والرومانية، كما نشر مهرجان الشعر العالمي في روتردام بعض كتبه بالإنجليزية والهولندية، ليصبح شاعرًا عالميًا، لكنه ظل قروي الروح في قلب المدينة المزدحمة.
يقول الشهاوي: «لولا الفقد ما كتبت، ولولا السفر ما ظهرت نبوءتي كشاعر، ولا تطورت شعراً». ومن روح هذا الفقد جاء صوته المميز عند الإلقاء، بترتيل بطيء وغنّة الراء، يمنح النص حياة ثانية، كما تفعل كلماته على الورق: لغة تتوهّج بالصمت، وروح تتجلّى في الضوء.
ولعل سر صوفية الشهاوي في اختياره لطريق المحبة والمعرفة معًا، فهو يرى الحب نصف الطريق الصوفي، والمعرفة تكمل الرحلة، ويظل النص عنده وسيلة لاكتشاف الذات والوجود: القلق مقدس، والصمت ذروة القول، والجسد معجم، والخاتم دائرة بلا بداية ولا نهاية، كالعشق .
على مدار حياته، لم يلتحق بأية جماعة شعرية، ولم يزخر منتدى ثقافي باسمِه، لكنه ظل معروفًا في أوساط الأدب العالمي، وأدرج اسمه في موسوعة Who’s Who، ونال جائزتي اليونسكو وكفافيس، مع ذلك ظل غائبًا عن المعاجم والمختارات الشعرية في مصر، كأن التاريخ الأدبي يحجب ضوءه عن الأجيال الجديدة.
أعماله لا تتوقف عند الشعر؛ فقد كتب ثمانية كتب في الفكر، وأدب العشق، وأخيرًا الرواية، حيث صدرت روايته الأولى «حجاب الساحر» عام 2022 بعد خمس سنوات من البحث والكتابة والتجربة، فكانت رحلة صوفية أخرى من صفحات الحياة إلى صفحات الكتاب، ترجمت إلى بعض اللغات الشرقية، ونالت عدة طبعات ناجحة.
“أحمد الشهاوي شاعر مختلف يرسم بالكلمة كما يرسم باللون، لتتشابك لوحاته الشعرية والتشكيلية في فضاء من نور، في مجما من الإحساس المفعم والخيال المجنح”
شارك الشاعر الفنان بمجموعة من لوحاته التشكيلية في المعرض القومي العام للفنون التشكيلية في قاعات قصر الفنون بدار الأوبرا المصرية، حيث عُرضت له عشر لوحات من أعماله التي أنجزها عام 2010.
بعد ذلك، خطط الشهاوي لإقامة معرض شخصي لأعماله التشكيلية في القاهرة يضم حوالي ثمانين لوحة، ثم نقل المعرض إلى دول عربية وأجنبية وبعض بلدان أمريكا اللاتينية.
هذا يعني أن الشهاوي شاعر وكاتب و فنان تشكيلي مبدع يعبّر عن رؤاه بصريًا، وقد عرض لوحاته في سياقات فنية رسمية ومعارض، مما يجعل تجربته متعددة الأبعاد بين الكلمة والصورة.
تولى مؤخرا شاعرنا أحمد الشهاوي رئاسة تحرير مجلة «إبداع»، الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب برئاسة الدكتور أحمد بهي الدين، في خطوة اعتُبرت شرفًا كبيرًا لمن يتولى قيادة هذه المجلة العريقة التي مرّ عليها عدد من الشعراء والنقاد البارزين.
وفي تصريحات خاصة لـ«الوطن»، أكد الشهاوي أن مجلة «إبداع» ستكون مفتوحة لمختلف التيارات والأشكال الفنية والجمالية، مشددًا على أنها ستعطي مساحة متساوية لكل من الأسماء الكبيرة والشابة الطليعية، دون تمييز بين شيخ وشاب في الإبداع،
وقال: «لن يكون هناك فيها صفوة أو حرافيش، بل ستكون منصة لمختلف الأصوات، وستهتم بالكتابة الجديدة على مستوى العالم».
وأشار الشهاوي إلى أن المجلة ستمنح اهتمامًا بالترجمة والشعر والرواية والقصة القصيرة، كما ستكون متنفسًا لمختلف أشكال الكتابة، مع التركيز أيضًا على الفن التشكيلي، موضحًا: «أنا لست بعيدًا عن الصحافة، فأنا ابن الصحافة، ولست بعيدًا عن الوسط الأدبي، فأنا ابن الوسط الأدبي».
ويأتي هذا التعيين بعد أن حصل الشهاوي مؤخرًا على جائزة الدولة التقديرية في الآداب لعام 2025، حيث تسلّم الميدالية الذهبية لهذه الجائزة في أواخر ديسمبر 2025، تمهيدًا للتكريم الرسمي في يناير 2026، تقديرًا لمسيرته الأدبية المتميزة
هو، في النهاية، وشم روحٍ على جسد الزمن، قصيدة حياة تُكتب بالضوء، لغة تتنفس، قلب يكتب بالصمت، وعاشق للمعنى حتى آخر السطر. سيرة تتجلّى في كل نص، وكل نصّ يروي رحلة ابن الفقد، ابن الصمت، ابن الإشارة، الباحث عن الروح في ظل الكلمة.

