أنفاس الأطلس: الفن التشكيلي يروي الحكاية (1)

كتب : الأربعاء، 07 يناير 2026 - 12:52 ص مجتمع

بقلم هناء ميكو
إعداد للنشر حسن بوسرحان…
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي..
في حضن المغرب، بلد التنوع الساحر بين الأطلس والصحراء والبحرين المتوسط والأطلسي، مهد الحضارات والتاريخ العريق، بألوانه الأمازيغية والعربية والأندلسية، يمتزج فيه أصالة الزجل والملحون بالروح المعاصرة، مُغنى بالجغرافيا الفريدة والتاريخ الحافل، تبرز فيه القصائد كوطن، يُحتفى به في الملاحم الوطنية ويتغزل في جماله وروحانيته، كما في قصائد المدح والتشبيب بالبحر والتاريخ حيث يلتقي الضوء بالرمل، وتتنفس الجبال أسرارها القديمة، يولد الفن التشكيلي كقصيدة مرسومة على جدران الذاكرة.
كل لون يحمل نغمة، وكل فرشاة تهمس بحكاية، وكل لوحة هي مرآة تجمع بين الماضي والحلم. من زوايا المدن العتيقة إلى فضاءات الحداثة، ينقّب الفنان المغربي في التراث والخيال، ليصوغ جماله الخاص، جمال يتنفس الحرية ويحتضن الانتماء. إنه الفن الذي يوقظ الحواس، ويحرر الروح، ويحوّل المساحات إلى عوالم نابضة بالحياة، حيث تتحاور الصحراء مع البحر، والمدينة مع الأسطورة، والذاكرة مع الرؤية

يتجلى تطور التشكيل المغربي في انتقاله التدريجي نحو إدراك
جمالي ونقدي أعمق، مكَّن الفنان من تجاوز منطق الإنتاج السريع والتبعية، والانخراط في مسارات البحث والتجريب وبناء رؤية فنية مستقلة.
وقد رافق هذا التحول وعي متجدد بمفهوم التراث الجمالي، باعتباره رؤية خلاقة ذات جذور ممتدة في الماضي ومنفتحة على الحاضر والمستقبل، تسهم في بناء وعي فني معاصر.

وقد أسهم هذا التفاعل الخلاق، القائم على الاستيعاب والتجاوز ضمن أفق حداثي بعيد عن الاستنساخ، في تأسيس علاقة جديدة بين التشكيل والتراث.
الذي
استلهم المادي واللامادي، على شكّل رافعة أساسية لبلورة حداثة تشكيلية مغربية ذات خصوصية، من خلال توظيف الرموز، والمواد، والخط، والتنوع الحضاري، بما رسّخ الهوية الفنية ومنحها حضورًا في المشهد الفني العالمي،
وفتح أفقًا للتحرر من التبعية وبناء خطاب تشكيلي مستقل.

يتجلى ذلك خصوصًا في حضور رموز التراث الحي كعناصر مشبعة بجمال موروث الذاكرة الجماعية وقابليتها لإعادة التأويل داخل العمل الفني؛ حيث تتحول الوشوم الأمازيغية، والخميسة، والهلال، والحروف الأمازيغية، والخط العربي، من دلالاتها الطقوسية والوظيفية إلى رموز بصرية وبُنى تشكيلية تُعاد صياغتها عبر التفكيك والتجريد، لتؤسس لغة فنية ادهشها الزمن معاصرة ، تجمع بين البعد الجمالي والدلالي، وتمنح العمل إيقاعًا
بصريًا متنغما يؤكد الانتماء والخصوصية الثقافية.

كما تسهم المواد التراثية التقليدية ، مثل الحناء، والجلد، والخشب، والخزف، والنسيج، ومسحوق الجوز….. إلى جانب عناصر المعمار التقليدي، من أقواس ونوافد ونقوش …والزرابي، والأزياء الشعبية، من قفاطين وجلابيب وحلي وشرابيل …والأدوات اليومية، في إغناء العمل الفني بما تحمله من شحنات حسية وطقوسية واجتماعية؛ إذ تتحول من وظائفها الاستعمالية إلى رموز بصرية حاملة للذاكرة.

تتحدد العودة إلى التراث ضمن هذا الأفق بكونها فعل مساءلة وبناء، بما يفتح المجال لتشييد حداثة مغربية منفتحة، قادرة على استدماجه في صيغ معاصرة ومواكبة للتحولات العالمية، مع الحفاظ على الخصوصية والهوية الثقافية.

وهكذا يتشكل الفن التشكيلي المغربي كمسار تراكمي متعدد الجذور، نتاج تفاعل التاريخ والتراث والتحولات المعاصرة، قائم على توتر خلاق بين التجريد والذاكرة، وبين الانفتاح على الجديد وإعادة تأويل الموروث.

وقد أسهمت الجدالات الفكرية والجمالية التي رافقت التحديث، خاصة تلك المرتبطة بالهوية والاستقلال عن التبعية، في بلورة وعي نقدي وبصري جديد أفضى إلى تعددية الأساليب، وحرية التعبير، وتداخل المرجعيات، مما جعل الفن التشكيلي المغربي فضاءً مفتوحًا للتجريب والتأويل المستمر، وجسرًا بين الجذور الأمازيغية والعربية والإسلامية والتأثيرات العالمية.

يعكس هذا المسار أسماء وتجارب فنية متعددة، من رواد الفن الفطري إلى خريجي مدارس الفنون الجميلة، ومن جيل الستينيات وحلقة 1965 إلى الأجيال اللاحقة، كما يجد امتداده المؤسسي في المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، والمدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء والمتحف الوطني محمد السادس للفن الحديث والمعاصر بالرباط، يواكبه رصيد نقدي وفلسفي أسهم في مساءلة الحداثة التشكيلية المغربية وتفكيك خطابها،مؤكدًا حضور الفن المغربي كفاعل ثقافي وجمالي في السياقين العربي والعالمي

كتب حول الفن التشكيلي المغربي
فريد الزاهي، الجسد والصورة والمقدس في الإسلام، 1999

عبد الكبير الخطيبي، مقدمات في الفن العربي المعاصر، 2003
بوجمعة أشفري، الفن بين الكلمة والشكل، 2005

زهرة زيراوي، الفن التشكيلي، مقامات أولى، 2005
شفيق الزكَاري، قراءة في التشكيل المغربي ، 2005
شفيق الزكَاري، التشكيل المغربي بين الهوية والحداثة، 2007
إبراهيم الحيسن، أوهام الحداثة في الفن التشكيلي المغربي 2009
إدريس كثير، هشاشة الفن المفرطة، 2011
عزيز أزغاي، التشكيل وخطاباته، 2015
موليم العروسي، الفن التشكيلي في المملكة المغربية 2019
عبد العالي معزوز، فلسفة الصورة، 2020
وبنيونس عميروش، قراءات في التصوير المغربي المعاصر
ونور الدين أفاية، صور الوجود في السينما والفلسفة، 2023

وعزالدين بوركة، الفن التشكيلي في المغرب من البدء إلى الحساسية، 2018
وعبد الله الشيخ، المصطلحات الفنية في النقد التسكيلي العربي: مقاربة وسائطية لبعض النماذج المغربية، 2021
ومحمد الشيكَر، الفن في أفق ما بعد الحداثة، التشكيل المغربي نموذجا، 2016
شرف الدين مجدولين، المؤٍّلف في الصورة، الكتابة البصرية في الفن المعاصر…….
أحمد لطف الله
النقد التشكيلي العربي والترجمة 2025


………يتبع

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :