بقلم الفنانة التشكيلية والكاتبة هناء ميكو
من أجل إنقاذ الفن التشكيلي المغربي
إذا أردنا مساءلة مظاهر الفساد التي تنخر الفن التشكيلي المغربي، فإن المدخل الحقيقي لذلك يبدأ من المدرسة، من التربية، من حيث يُزرع الوعي أو يُقبر.
لقد ظلت مادة التربية الفنية، ولسنوات طويلة، تُعامل كمادة ثانوية، ترفيهية، تزيينية، بلا عمق ولا رهانات. مادة يُنظر إليها باعتبارها هامشًا في المنظومة التعليمية، سواء على مستوى التصور، أو في محتوى الكتب المدرسية المتهالكة، أو في الممارسة البيداغوجية التي تفتقد للروح، وللصلة الحية بالفعل الفني.
إن تغييب الخرجات المدرسية إلى المعارض، وعدم ربط البرامج التعليمية بالحياة الثقافية والفنية للمدن، يكشف حجم القطيعة بين المدرسة والفن. ويزداد الوضع تعقيدًا في ظل ضعف الوعي الثقافي لدى أغلب العائلات، التي ترى في التربية الفنية قيمة تكوينية زائدة ، ومجرد وسيلة للحصول على نقطة ترفع المعدل.
وهنا نطرح السؤال الجوهري:
هل يُقاس الإحساس بنقطة؟
هل يُختزل الوعي الجمالي في رقم؟
إننا نتحدث عن حالات شائعة و عن منظومة تُنتج فراغًا فكريًا وجماليًا، يكون من مخرجاته السرقات الفنية، والرغبة في الوصول السريع، دون معرفة، دون ثقافة، ودون فهم لمسار العملية الإبداعية. فالفن فكر، ورؤية، ومسؤولية، بالإضافة إلى كونه مهارة وتقنية وتاريخ يُقرأ ويُفهم ويُعاد تأويله.
إن أزمة الفن التشكيلي اليوم هي، في جوهرها، أزمة قراءة وتفقّه في الفن، في الرسم ، و في كل مظاهر الحياة: في الملبس، والمأكل، والفضاء، والذوق العام، حيث يُفترض أن يجتمع العمل بالمتعة، والفكر بالجمال.
نحن أمام واقع يتسم بـ:
غياب الفكر الفني النقدي،
غياب الاشتغال الجاد والمنهجي،
غياب فضاءات الاشتغال، مما يدفع أغلب الفنانين إلى تمويل تجاربهم من أعمال أخرى،
غياب الجهات الحاضنة والداعمة،
ضعف التآزر بين الفنانين والنقاد والمؤسسات،
الركون إلى مناطق الراحة وإعادة إنتاج نفس الأسماء والخطابات،
انتشار الكليكات والجمعيات المغلقة التي تشتغل بمنطق الإقصاء والولاءات، لا بمنطق الكفاءة والاستحقاق.
ولا يمكن الحديث عن الفساد في الفن التشكيلي دون التوقف عند ضعف تسويق الفن وغياب رؤية احترافية تُنصف العمل الفني وتحمي الفنان. فالسوق الفنية، في كثير من تجلياتها، تفتقر إلى الشفافية، وتُدار أحيانًا بمنطق العلاقات حيث تنسى منطق القيمة، والمشروع الفني المتكامل. لتهتم بالمناسباتي وما يطلبه السوق
إن غياب استراتيجيات التسويق الثقافي، واحترافية التواصل، وتكوين وسطاء فنيين مؤهلين، يجعل الفنان فريسة للاستغلال، ويُحوّل العمل الفني إلى سلعة هشة، خاضعة للأهواء والمزاجيات.
ومن أخطر مظاهر الفساد المسكوت عنها، استغلال الجانب النسوي داخل بعض الأوساط الفنية، حيث يُختزل حضور المرأة الفنانة في جسدها لا في مشروعها، وفي صورتها لا في فكرها. و الأخطر من ذلك، ما يتعرض له عدد من الفنانات من تحرش معنوي ورمزي وأحيانًا مباشر، تحت ذريعة “الدعم” أو “المساعدة على الصعود في سلم الشهرة”، في ممارسات لا أخلاقية تُسيء للفن قبل أن تُسيء للمرأة.
إن هذا الشكل من الاستغلال يُفرغ الفعل الفني من معناه التحرري، ويحوّل بعض الفضاءات الثقافية إلى أماكن لإعادة إنتاج علاقات القوة، بدل أن تكون فضاءات للحرية، والكرامة، وتكافؤ الفرص.
وهو فساد مضاعف، لأنه يضرب القيم الجمالية والأخلاقية معًا، ويُكرّس الصمت والخوف بدل النقد والمساءلة.
تُضاف إلى ذلك مظاهر أخرى لا تقل خطورة:
تهميش الكفاءات لحساب الوجوه القابلة للتسويق السريع،
تسليع الفن وتحويله إلى ديكور بلا روح،
تغييب النقاش الجاد حول أخلاقيات الممارسة الفنية،
غياب آليات واضحة للحماية القانونية والمعنوية للفنانين، خاصة الشباب والنساء.
إنها منظومة تسبح في الماء العكر، وتُعيد إنتاج الأزمة بدل تجاوزها.
وعليه، فإننا نؤكد أن أي حديث عن إصلاح الفن التشكيلي المغربي يظل فارغًا ما لم يكن تغييرًا جذريًا يشمل التعليم، والمؤسسات، وآليات الدعم، والتسويق الثقافي، والنقد، وفضاءات العرض، وأخلاقيات الممارسة، ومفهوم الفنان نفسه.
إن التغيير ضرورة وجودية بعيدة كل البعد عن
إما إعادة بناء المنظومة على أسس فكرية، وجمالية، وأخلاقية،
أو الاستمرار في إنتاج الرداءة، والفساد، واللاجدوى.
هذا بيان من أجل الفن،
ومن أجل كرامة الممارسة الفنية،
ومن أجل حماية الفنانات والفنانين من كل أشكال الاستغلال،
ومن أجل مستقبل ثقافي لا يقوم على الصدفة ولا على الإقصاء،
بل على الوعي، والمعرفة، والمسؤولية.
ومع كل هذه الصعوبات، ووسط هذا المشهد المأزوم، تظل بعض التجارب الطموحة والمتميزة قائمة، تشق طريقها بعناد وصدق، وتمنح الأمل في الناشئة، وفي أولئك الذين يسكن الإبداع قلوبهم وأرواحهم، يسكن ذاك الوفاء للفن كقيمة إنسانية ومعرفية ذات أهمية كبرى .
هي تجارب تُراكم بصمت، وتشتغل بجد، وتؤمن بأن الفن موقف قبل أن يكون صورة، ومسار قبل أن يكون نتيجة. تجارب تؤكد أن الجذوة لم تنطفئ، وأن دم الإبداع ما زال يجري في عروق هذا البلد، رغم كل محاولات التهميش والتسليع والإقصاء.
رغم أولئك العابثين اللذين يتبعون الشهرة السريعة، ويخضعون لمنطق السوق الفاسد.
إن الرهان الحقيقي اليوم هو حماية هذه التجارب، والإنصات إليها، وخلق شروط نموّها داخل منظومة عادلة، تُكافئ العمل الجاد، وتفتح الأفق أمام الناشئة، بدل كسر أحلامهم في بدايات الطريق.
فمن هنا، من هذه البذور الصادقة، يمكن أن يولد التغيير.
