اعداد وتحرير حسن بوسرحان …..
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي…
في لحظات نادرة من العمر، تتقاطع الأحلام مع الواقع، ويجد الإنسان نفسه وجهاً لوجه أمام صورة كان يراها بعيدًا في مرايا التمني. لحظة تختصر سنوات من الصبر، وتمنح للذاكرة وشمًا لا يزول. هكذا كانت تجربة الشاعر الغنائي محمد سعد، حين جمعه القدر بعملاق من عمالقة الأغنية المغربية، الموسيقار عبد الوهاب الدكالي.

ونسترجع مع محمد سعد هذه المرحلة بروح العفوية والصدق، إذ نهدي هذه السطور له أولًا، قبل محيطه الأسري والمجتمعي؛ فالحياة، في نظرنا ، ليست سوى سلسلة من القرارات والاختيارات التي ظل على الدوام سيدها، متحملًا مسؤوليته كاملة، عبر مسار طويل حافل بالمواقف والأحداث، بين ما هو إيجابي وما هو سلبي، لكنها جميعًا أسهمت في صياغة شخصيته الراهنة: ، والمسؤول عن تفاصيل حياته، والمتشبث بخياراته وقناعاته.
ومن بين الجوانب المضيئة في هذه المسيرة، يبرز الشغف الثقافي والأدبي، ذلك العشق اللامحدود للحرف والكلمة، الذي فتح أمامه أبواب الزجل والشعر ، وخاصة الشعر الغنائي فكانت قصائده وأبياته تعبيرًا صادقًا عن انتمائه للفن الجميل، الأصيل والمعاصر. فنٌّ لا يلتفت للتفاهة، ولا يعير اهتمامًا للفراغ، بقدر ما ينحاز للعمق والمعنى، ويؤمن بأن الكلمة الصادقة قادرة على ملامسة الوجدان والروح.
هذا الوازع القوي جعله يحلم دومًا بمقارعة عمالقة الفن، لا من باب الادعاء أو المجاملة، بل بدافع الفخر والاعتزاز، والرغبة في اختبار مدى ما تحمله كتاباته المتواضعة من قيمة فنية حقيقية، خاصة في المجال الموسيقي الذي ظل شغفه الأول.
وفي سياق هذا المسار الفني الجاد، كان للشاعرنا لقاء فني مثمر مع الملحن القدير عزيز حسني، تُوِّج بتلحين أغنية من كلماته، قام بأدائها الملحن، وفي تجربة أكدت حضوره الفني، وقدرته على المزج بين الكلمة واللحن، ومنحته دفعة معنوية إضافية للاستمرار بثقة أكبر في درب الأغنية الهادفة.
حلم ظل مؤجلًا، إلى أن تحققت لحظة فارقة لن ينساها ما بقي له من العمر، حين جمعته مناسبة فنية خاصة بالموسيقار الكبير عبد الوهاب الدكالي، رائد الأغنية المغربية العصرية لحنًا وأداءً، وذلك خلال حفل احتُفي فيه بعيد ميلاده، بمقر متحفه الشخصي، بحضور ثلة من الأساتذة والمثقفين، ونخبة من الفنانين والمبدعين، إلى جانب عدد من الصحفيين والمصورين لتوثيق الحدث.

وسط هذا الحضور النوعي، كان محمد سعد من بين الضيوف المدعوين، لينال شرفًا خاصًا تمثل في إلقاء قصيدة من قصائده ، وتقاسم أطراف الحديث، ولو بشكل مختصر، حول الكلمة الغنائية الموسيقية، مع أحد أهرامات هذا الفن الراقي. كما حظي بشرف أكبر، حين تقبل الفنان المحتفى به هديته المتواضعة، والمتمثلة في قصيدتين شعريتين، على أمل أن تحظيا باهتمام موسيقي في قادم الأيام.

وفي أفق هذا المسار، يراهن محمد سعد مستقبلًا على تسجيل مجموعة من الأغاني الوطنية، بشراكة مع مطربين شباب من منطقة عمالة مقاطعات ابن امسيك – سباتة، هذه المنطقة التي تُعد خزانًا ثقافيًا وفنيًا حقيقيًا، وموطنًا لأدباء ومثقفين ومبدعين، ويُعتبر محمد سعد واحدًا من أبنائها الذين آمنوا بالكلمة الصادقة، وبالفن المسؤول، وبضرورة ربط الإبداع بالهوية والانتماء.
ومن منطلق قناعتنا التحريرية، ارتأينا في إدارة الموقع مواكبة هذه التجربة الفنية والإنسانية، لما تحمله من دلالات عميقة على قيمة الاجتهاد، وأهمية الإيمان بالحلم، وضرورة خلق جسور تواصل بين الأجيال الفنية المختلفة. كما نؤكد انحيازنا الدائم لكل مبادرة ثقافية جادة، ولكل قلم وفنان يراهن على الإبداع المسؤول، والرسالة النبيلة، والارتقاء بالذوق العام، وصون هوية الأغنية المغربية الأصيلة.
هي إذن مسيرة تُكتب بالحلم، وتُزخرف بالصبر، وتُتوَّج بلقاء الكبار…
حين تكون عملاقًا، ويستضيفك عملاق.

