إعداد للنشر حسن بوسرحان
بقلم الفنانة التشكيلية والكاتبة هناء ميكو..
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي..
الغرابة في الفن ظاهرة متجذّرة في تاريخ الإبداع الإنساني، وهي تعبير عن رغبة دفينة في رؤية ما لم يُرَ من قبل، وكسر رتابة الواقع البصري والروحي. منذ العصور القديمة، تجلّى هذا النزوع في الفن المصري، حيث اختلطت صور الآلهة بالحيوانات، وامتلأت الرموز بدلالات تتجاوز المنطق، فاتحةً أمام المتلقي عوالم غامضة ومبهرة. وفي العصور الوسطى، تحولت المخطوطات إلى فضاءات للغرابة، تعجّ بالوحوش الهجينة والمخلوقات الأسطورية التي تسللت إلى النصوص الدينية، وكأنها رسائل من عوالم أخرى، تتحدى العقل وتستفز الخيال.

مع عصر النهضة، اتخذت الغرابة أبعادًا نفسية وفلسفية أعمق، خاصة في أعمال هيرونيموس بوش، حيث تتشابك الرؤى الدينية مع الهواجس الداخلية، لتولد مشاهد صادمة تثير أسئلة الخطيئة والخوف والوجود. وفي القرن التاسع عشر، شكّلت الانطباعية منعطفًا جريئًا، إذ تحرر اللون والضوء من الواقعية الصارمة، وخلقا واقعًا بصريًا مغايرًا، مشوَّهًا أحيانًا، لكنه أكثر قربًا من الإحساس والتجربة الحسية. أما القرن العشرون، فقد بلغ فيه منسوب الغرابة ذروته مع السريالية، خصوصًا لدى سلفادور دالي، حيث تحولت الأحلام إلى صور ملموسة، وخرج اللاوعي من مكامنه ليعيد ترتيب قوانين الزمان والمكان والمنطق. وفي التكعيبية، مع بيكاسو وبراك، تحطمت الأشكال وتفتتت الرؤية، لتصبح اللوحة سؤالًا مفتوحًا: كيف نرى العالم؟ وما معنى الرؤية ذاتها؟

ازدادت حدّة الغرابة مع ظهور التكنولوجيا الحديثة، التي وسّعت آفاق التعبير وكسرت الحدود التقليدية للوسائط. الفن الرقمي، والواقع الافتراضي، والذكاء الاصطناعي، مكّنت الفنان من خلق عوالم لم يكن للعين البشرية تصورها، رؤى بصرية وسمعية تحاكي الأحلام والكوابيس في آن واحد. صار العمل الفني فضاءً متحركًا، تفاعليًا، غير قابل للتنبؤ، حيث تصبح الغرابة جزءًا من التجربة نفسها، انعكاسًا لتحولات عميقة في إدراك الإنسان لذاته وعالمه…

وفي هذا السياق، تداخلت الفنون وتلاقحت بشكل واسع، فاستعارت الفنون التشكيلية من المسرح جميع مكوّناته التعبيرية، من الملابس والمكياج إلى السينوغرافيا والحركة الميمية وفنون الأداء (Performance)، بما فيها الصباغة بالجذبة والجسد باعتباره مادة تشكيلية. كما نهلت من السينما، ولا سيما الهتشكوكية، تقنيات بناء التوتر البصري، ومن مرايا بورخيس التي تُربك الإدراك وتضاعف مستويات المعنى. واستفادت من علم الطاقة والعلوم التجريبية واكتشاف عوالم الميكروسكوب، ومن الشعر والموسيقى، وفن التعبير بالمواد الغذائية، وفن الخط، لتتسع إمكانياتها البصرية والرمزية…

هذا التلاقح رسّخ فكرة أن مبدأ التشكيل يقوم على المادة بكل أنواعها وطرائق تشكيلها؛ فالعالم يزخر بالمواد الصلبة والرخوة، الطبيعية والمصنّعة، المسطّحة والناتئة، المنحوتة والصرائحية والمنمّقة. من هنا، أضحى العمل الفني فضاءً مفتوحًا للتجريب، حيث تتجسد الغرابة عبر المقلوب والمكسور والفارغ، عبر الابتلاع والاختفاء والبهلوانيات البصرية، وبين الضخم والمينياتور والتشويه المقصود كاعمال فرنسيس بيكون والمتناقض….
في الفن التشكيلي المغربي، تجلت الغرابة باعتبارها نتاجًا لتفاعل حيوي بين التراث المحلي والتجارب العالمية، وبين الانتماء الثقافي والرغبة في التجريب والحداثة. وقد برز هذا التوجه لدى رواد الحداثة مثل الجيلالي الغرباوي، ومحمد القاسمي، وأحمد جاريد، الذين تجاوزوا الأشكال التقليدية نحو التجريد والتعبير الفردي، حيث أصبحت اللوحة مساحة للتشظي والقلق الوجودي والانكسار. إلى جانبهم، أسهم فنانون مثل محمد المليحي، وفريد بلكاهية، وكريم بناني في تمهيد الطريق لحركة فنية جديدة، عبر مزج الهوية المغربية بالتقاليد الفنية العالمية، مستلهمين الرموز الأمازيغية، والخطوط، والمواد الطبيعية، في لغة بصرية حداثية مشحونة بالغرابة.
كما تميّز عباس الصلادي بلمسة سريالية خاصة، ابتكر من خلالها عالمًا بصريًا غرائبيًا، تعجّ فيه الشخوص الهجينة والرموز الدينية والكائنات المتحوّلة، معبرًا عن رؤية كونية قلقة تختلط فيها الأسطورة بالميتافيزيقا. وبرز أيضًا فنانون عصاميون مثل الشعيبية طلال، التي حققت شهرة عالمية بفنها الفطري، حيث تتجلى الغرابة في عفوية الرؤية، وبساطة الشكل، وجرأة اللون، بعيدًا عن القيود الأكاديمية. وإلى جانبها، قدّم محمد بن علال وأحمد الورديغي تجارب عصامية اعتمدت تقنيات بسيطة ورؤى شخصية، جعلت من الغرابة تعبيرًا عن الحرية والحدس والبداهة.

ومع تطور التيارات الجديدة، ظهر فنانون مثل المكي مغارة، وسعد بن الشفاج، وسعد الحساني، الذين طوّروا ما عُرف بـ«التشكيل الحر»، حيث احتل الإنسان مركز العمل الفني، في أشكال مبسطة، أحيانًا مشوّهة، داخل فضاءات تجريدية، لتغدو الغرابة هنا وسيلة لاختزال الشكل والبحث عن جوهر الوجود بدل محاكاته.
نفسيًا، تبدو مجتمعاتنا في حاجة ماسة إلى الغرابة في الفن، فهي منبّه للوعي وكاسر لرتابة اليومي. الإنسان يميل إلى المألوف بحثًا عن الأمان، لكنه يحتاج إلى المفاجأة، إلى ما يزعزع استقراره المؤقت ويوقظه من بلادة الروتين. التوتر بين المألوف والغريب يخلق توازنًا بصريًا ونفسيًا، ويستفز المتلقي، مولّدًا طاقة إبداعية تحرّك الفكر والمشاعر. فالغرابة لغة للهوية الفردية والجماعية، وسبر لأغوار النفس والفلسفة، ومحرك للاختلاف والابتكار.

غير أن الغرابة، رغم ضرورتها، لا ينبغي أن تتحول إلى هوس مفرط، يحوّل العمل الفني إلى كيان هجين يفقد جماليته ويغرق في فوضى بصرية بلا معنى. ومع ذلك، يبقى كل عمل فني نجح في إثارة إحساس، سواء كان جمالًا أو نفورًا، عملًا ناجحًا في قدرته على تحريك المشاعر وكسر اللامبالاة، تلك الآفة الكبرى لعصرنا. فالغرابة وسيلة ذات رسالة، تحفظ للفن دوره الحيوي كمرآة للعاطفة، ومنبّه للوعي، وحافز دائم على التأمل والتفكير والإبداع…..
