نهائي كأس إفريقيا بين الحقيقة الرياضية ومحاولات التشويش: قراءة تحليلية لما جرى

كتب : الأثنين، 19 يناير 2026 - 2:44 م مجتمع

إعداد وتحرير حسن بوسرحان…….
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي…
بعيدًا عن منطق الانفعال وردود الفعل الآنية، يفرض ما حدث في نهائي كأس إفريقيا قراءة هادئة وعميقة تتجاوز نتيجة المباراة، وتلامس جوهر السلوك الرياضي وقيم المنافسة القارية. فالأحداث التي رافقت النهائي لم تكن معزولة ولا وليدة لحظة توتر عابرة، بل بدت، في كثير من تفاصيلها، وكأنها سلسلة مواقف متراكمة ومقصودة هدفت إلى إخراج المباراة عن سياقها الطبيعي.
تحركات قبل النهائي… رسائل مبطّنة خارج المستطيل الأخضر

منذ تأهل المنتخب السنغالي على حساب مصر، لوحظ تغير لافت في خطاب وسلوك مدربه، خصوصًا مع اقتراب مواجهة المنتخب المغربي، البلد المنظم للبطولة. هذا التغير تجسد في تحركات إعلامية وتنظيمية محسوبة، من بينها الإعلان المسبق والدقيق لمسار تنقل المنتخب من طنجة إلى الرباط وتوقيته، في خطوة فُهمت على أنها محاولة لخلق ضغط جماهيري وافتعال نوع من الارتباك التنظيمي، رغم أن الأمور كانت تسير وفق بروتوكول واضح تشرف عليه اللجنة المنظمة والاتحاد الإفريقي لكرة القدم.
تلا ذلك بيان صادر عن الاتحاد السنغالي تضمن معطيات متناقضة بشأن الإقامة والتذاكر، في وقت أكدت فيه الجهات المنظمة و”الكاف” أن جميع المنتخبات استفادت من نفس الشروط والمعايير المعمول بها في البطولات القارية.
ندوة صحفية خارج السياق الرياضي
في الندوة الصحفية التي سبقت النهائي، كان المنتظر أن ينصب التركيز على الجوانب التقنية والتكتيكية للمباراة، غير أن مدرب المنتخب السنغالي انحرف بالحديث نحو مقارنات لا علاقة لها بالحدث، عبر إشادة مبالغ فيها بتنظيم بطولة “الشان”، في سياق بدا أقرب إلى رسائل مبطنة منه إلى تحليل رياضي، وهو ما اعتبره متابعون محاولة للتشويش الذهني أكثر من كونه نقاشًا مهنيًا.
داخل الملعب… احتجاجات وتهديد بالانسحاب
بلغت هذه الممارسات ذروتها أثناء المباراة، خاصة بعد إعلان الحكم عن ركلة جزاء شرعية. هنا طغت الاحتجاجات المتكررة، وارتفع منسوب التوتر إلى حد التهديد بالانسحاب، ما أدى إلى توقف اللعب لأكثر من 15 دقيقة في مشهد غير مسبوق في نهائي قاري. تصرفات لا تنسجم مع هدوء المدربين في المواعيد الكبرى، ولا مع ادعاءات الاحترافية، بل حولت الملعب إلى فضاء للفوضى والضغط النفسي، وأثرت بشكل مباشر على تركيز اللاعبين.
ورغم ضياع ركلة الجزاء في أجواء مشحونة، ظل المنتخب المغربي محافظًا على رباطة جأشه، رافضًا الانجرار إلى منطق الاستفزاز، ومؤكدًا أن كرة القدم أخلاق قبل أن تكون ألقابًا.
غياب الروح الرياضية بعد صافرة النهاية
حتى بعد نهاية اللقاء، استمر المشهد المثير للجدل، حين رفض مدرب المنتخب السنغالي مصافحة وليد الركراكي الذي بادر بالتهنئة، في لقطة أثارت استغراب المتابعين، وطرحت أكثر من علامة استفهام حول مفهوم الروح الرياضية لدى من يفترض أنهم قدوة داخل المستطيل الأخضر.
القانون واضح… والاحتجاج له ضوابط
من الناحية القانونية، فإن قوانين كرة القدم واضحة في هذا الباب: مغادرة فريق لأرضية الملعب احتجاجًا، دون وجود قوة قاهرة (خطر أمني، إصابات جماعية…)، تُعد انسحابًا غير مبرر. يمنح الحكم مهلة قصيرة لعودة الفريق، وإذا طال الغياب كما حدث، فإن القرار الأكثر شيوعًا هو إنهاء المباراة واعتبار الفريق المنسحب خاسرًا بالقانون بنتيجة 3–0، مع إمكانية فرض عقوبات إضافية كالتوقيفات والغرامات المالية.
المغرب… فوز بالأخلاق قبل النتائج
في المحصلة، لا يمكن تحميل عناصر المنتخب الوطني أي عتاب فيما جرى. ما حدث كان وضعًا شاذًا، كاد أن يتطور إلى ما لا تُحمد عقباه، لولا حكمة التعاطي المغربي داخل الملعب وخارجه. يكفي المغرب ما حققه من إشادة عالمية بتنظيمه المحكم، وبما أظهره من كرم وأصالة وحسن تعامل، مؤكدًا مرة أخرى قدرته على احتضان أكبر التظاهرات القارية والدولية.
قد تُسجل النتائج في دفاتر البطولات، لكن ما يبقى في ذاكرة الشعوب هو السلوك. وفي هذا النهائي، خسر البعض احترامهم، بينما ربح المغرب احترام القارة بأكملها.
لا تهنئة لمن قتل الروح الرياضية… وحمدًا لله على سمعة وطن لا تُهزم.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :