اعداد للنشر حسن بوسرحان……..
الموقع الإلكتروني الأفق المغربي….
بقلم : محمد أمين مداح
في مدينة بركان المغربية عام 1943، وُلد طفل سيصبح فيما بعد واحداً من أعظم رواد المسرح العربي، واسمه عبد الكريم برشيد. منذ نعومة أظافره، كان شغفه بالكلمة والفن يتجلى في قصصه الصغيرة وحكاياته التي يرويها لأصدقائه، قبل أن تتحول هذه الحكايات إلى عالم واسع من الإبداع المسرحي.
تلقى برشيد تعليمه الأولي في المغرب، ثم سافر إلى فرنسا ليحصل على دبلوم في الإخراج المسرحي، ليعود بعد ذلك ليكمل رحلته الأكاديمية بالدكتوراه في المسرح من جامعة مكناس عام 2003. لم تكن مسيرته مجرد دراسة، بل كانت رحلة بحث مستمر عن الهوية الفنية للمسرح المغربي والعربي، محاولة لربط التراث الشعبي بالحياة المعاصرة.
ومن بين أعماله المسرحية البارزة، تبرز مسرحية ابن الرومي في مدن الصفيح. تحكي المسرحية قصة بطل يتجول في الأحياء الشعبية، ويشهد معاناة الناس وهم يواجهون الفقر والظلم الاجتماعي. لكن برشيد لم يكتفِ بسرد الحكاية، فقد دمج الأغاني الشعبية، والأمثال، والحكايات المحلية، ليخلق عروضاً مسرحية تحتفل بالحياة رغم صعوباتها. كانت الشخصيات رموزاً للقيم الإنسانية، واللغة المسرحية مزيجاً بين الفصحى والعامية، ما جعل العمل قريباً من الجمهور ومعبراً عن الواقع بطريقة شاعرية وفنية في آن واحد.
لقد ترك عبد الكريم برشيد إرثاً ضخماً من المسرحيات والنقد المسرحي، بلغ نحو ستين عملاً، لم تثر إعجاب النقاد فحسب، بل أثرت أيضاً في أجيال من المسرحيين الشباب. تكريماته في المهرجانات العربية والدولية لم تكن إلا اعترافاً بقدرته على مزج النظرية بالفن، والبحث بالإبداع، لتصبح أعماله مرجعية لكل من يهتم بالمسرح في العالم العربي.
يظل عبد الكريم برشيد اليوم مثالاً حيّاً على أن المسرح ليس مجرد خشبة وأضواء، بل رحلة لاكتشاف الإنسان، وفهم المجتمع، وتقديم الفن كمرآة تعكس الواقع بكل أبعاده. في حضوره، يبدو المسرح العربي أكثر ثراءً، وأكثر قرباً من قلب المتلقي، وأكثر قدرة على التعبير عن الحلم والواقع معاً….
